"آخر أيام المدينة".. سِجّل بصري لما تفعله بنا القاهرة

يشعر المشاهد بوطأة تلك الأيام الثقيلة تخرج في كل التفاصيل أمامه على الشاشة. كل شيء مختنق مثل خالد نفسه؛ هادئ وذو وجه رصين، بينما قلبه يضج بالتوتر.

حالة مكثفة من الألم والفقد وشعور بالاختناق ينقلها "آخر أيام المدينة" بأدوات سينمائية بارعة تمحو الخط الفاصل بين الدراما والوثائقية. يأخذنا الفيلم عبر مشاهد من فيلم داخل الفيلم، لنتوحد مع الشخصيات التي يحاورها خالد، البطل الذي يعكف على صناعة فيلم لا يعرف قصته عن القاهرة، بينما تكرس القاهرة فوضاها في تشويش أفكاره بضجيج دائم وانتظار في زحام لا ينتهي.


تطرده القاهرة من مسكنه لسبب لا نعرفه، وتظل تطارده وهو يحاول لاهثا البحث عن مسكن/مكان/براح/معنى/ مشروع شخصي له. يقف خالد متفرجا على "آخر أيام المدينة": القاهرة بين 2009 و2010- قبيل الانفجار.

يشعر المشاهد بوطأة تلك الأيام الثقيلة تخرج في كل التفاصيل أمامه على الشاشة. كل شيء مختنق مثل خالد نفسه؛ هادئ وذو وجه رصين، بينما قلبه يضج بالتوتر.

كل شيء هادئ على السطح، بينما المدينة حقيقة تغلي. نشرة الراديو تأتي بأخبار السلام والاستقرار والتنمية، في الوقت الذي تضج فيه أرصفة البلاد بغضب مظاهرات صغيرة تخنقها كردونات رجال الأمن. لا يطرق الفيلم باب السياسة من مدخلها المألوف مطلقًا، وهو ما يجعل حرمانه من العرض في مصر طوال العامين الماضيين أمر عصي على الفهم. فبخلاف صوت الراديو الذي يورد تقارير الأخبار، ومشاهد متقطعة لمظاهرات ألفها كل من رأى القاهرة مقيمًا أو زائرًا في تلك الأعوام، يبدو الفيلم مهمومًا بزاوية أشمل لطرح معاناة الشخصيات، بشكل ينقل أزمة علاقتهم بالمكان إلى معنى أوسع.

ينقلنا مخرج الفيلم تامر السعيد، بعيني وكاميرا بطله، خالد، بين قصص متوازية لا رابط بينها سوى الفقد الكثيف الذي تجبُلنا عليه القاهرة. أم خالد التي فقدت ابنتها، مريم التي فقدت أبيها، حنان التي فقدت منزل عائلتها. ثم خالد نفسه، المخرج الذي فقد أبيه وأخته ومنزله وتتركه حبيبته، ويحوم شبح الموت حول فراش أمه المريضة.

حالة من محاولات الهروب المستمر أيضا تجمع شخصيات الفيلم؛ حنان التي تهرب من الإسكندرية إلى القاهرة لتحاول بناء حياة جديدة، ليلى التي تختار الهروب بالهجرة بحثا عن التنفس بحرية، مريم التي تبحث عن منزل جديد لا يحمل ذكريات وجود/غياب أبيها. وخالد الذي يبدو هاربا من كل مواجهة: مع أمه المريضة ومع حبيبته السابقة ومع رجال الأمن ومع جار تصادف أنه يضرب زوجته. يبدو جانب من الأزمة في شخصية خالد نفسه الذي يكتفي بدور المتفرج الهامشي المذبذب في شؤونه الشخصية كما في الشأن العام. يبدو خالد أيضا مُراقِبًا متألمًا صبورًا. وحيد وسط الزحام والضجيج، حائر ومرهق جدا.

خالد الذي يبدو هاربا من كل مواجهة

بين ركام الفقد لا تبدو القاهرة قبيحة تماما. خيوط من سحر تتسلل بين زحام "آلاف الصور اليومية" التي تزدحم بها القاهرة بشكل يجعل متلقي تلك الصور "يبطل يشوف". تبدو القاهرة جميلة أحيانا؛ خلال لحظة غروب آخذة على ضفاف النيل، أو إذا ما انطلق سرب حمام يطير في تشكيلات فوق مباني وسط البلد، أو حينما تجمع سهرة أصدقاء يتسامرون في قلب المدينة حتى صباح اليوم التالي. ذلك الخليط الذي يلمس كل مقيم كما كل مغترب في مشاعره المركبة وعلاقته غير المحسومة بالقاهرة.

تظهر القاهرة على شاشة الفيلم كما نعرفها تمامًا، لكنها تبدو أيضا كأنما نراها للمرة الأولى بعيني خالد/ تامر السعيد. التناقضات المعهودة للمدينة، وذلك الخليط من الجمال والقبح أفكارًا ليست جديدة في حد ذاتها، فسبق أن رأيناها مثلا في "عين شمس" إبراهيم البطوط، و"هليوبوليس" أحمد عبد الله. إلا أن "آخر أيام المدينة" ينجح في رسم "بورتريه" مرهف للقاهرة في مرحلة ما قبل الانفجار بلغة سينمائية مختلفة، ويترك المشاهد مثقلاً بأفكار حول المسافة بين المدينة كمكان، والقاهرة كحالة وجدانية. يرسم الفيلم تلك الحالة التي تحمل مزيج مرتبك من الحب والمرارة والاختناق والاغتراب بل والبغض أحيانا.

تبدو ذروة الفيلم في طرحه لعلاقة البشر بالمكان في مشهد هدم العقار، الذي لا نعرف يقينا أي عقار هو. إلا أن مشهد انهيار العقار بينما تطير صورة قديمة ومجهولة من يد أحد عمال الهدم لتتوه وسط الركام، أحد المشاهد التي ستعلق في ذهن المتفرج طويلا-ضمن الكثير من مشاهد الفيلم الآخذة بصريا.

مشهد هدم العقار في "آخر أيام المدينة" 

يحاول الفيلم مد خيوط الأسئلة حول علاقة البشر بالمكان إلى مدن أخرى من خلال أصدقاء خالد: اللبناني الآتي من بيروت والعراقي المقيم في بغداد والعراقي المهاجر إلى برلين، والذين يجتمعون في زيارة القاهرة.

لا يبدو أن هناك منطقا دراميا مفهوما لاختيار تلك المدن بالتحديد، وربما كان مد تلك الخيوط عبر مشاهد من تلك المدن مربكا للحالة المكثفة التي أمسك بها الفيلم في القاهرة. وبينما يتوحد المشاهد مع شخصية خالد، ويلهث خلفه في شوارع القاهرة، تأخذه نهاية الفيلم إلى مدينة أخرى بنوع آخر من الفقد وفي سياق مغاير عن سياق القاهرة، وهو ما بدا بناء غريبا من الناحية الدرامية. إلا أن مسألة البناء الدرامي لا تبدو شاغلا رئيسًا لصانعي الفيلم، الذين ربما تعمدوا ترك المشاهد مبحرا في حالة من القلق والتساؤلات حول مصير شخصيات الفيلم، كما مصير المشاهد ذاته.

الأكيد أن "آخر أيام المدينة" فيلم سيترك أثرًا في نفوس مشاهديه، سواء كانوا ممَن مروا بالقاهرة، أو مَن مروا بمدن مختنقة وأرواح مهزومة في أماكن أخرى.


يعرض فيلم "آخر أيام المدينة" حاليًا في عدد من مدن الولايات المتحدة الأمريكية حيث شاهدته الكاتبة