إيران.. مسخ فرانكشتاين خارج السيطرة

تبدو الرجعية بقيادة إيران أكثر قوة وفعالية من الرجعية بقيادة السعودية، حيث تبقى الأولى أقوى لامتلاكها القوة والأيديولوجية والكفاءة المطلوبة للحركة وتنفيذ الأهداف ولا تعتمد فقط كالأخيرة على المال النفطي.

يشكل صعود نجم إيران كقوة إقليمية ذات نفوذ عسكري واقتصادي وثقافي في العديد من البلدان العربية والإفريقية، أحد أهم المتغيرات التي جرت في الشرق الأوسط ما بعد الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. فإيران بقوتها الحالية هي إحدى خطايا سياسات بوش الابن في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج تحديدًا، التي جعلته وحلفاءه نموذجًا لدكتور فرانكشتاين؛ الذي صنع وحشًا، مع الفارق أن فرانكشتاين استطاع السيطرة على الوحش الذي خلقه، ولكن بوش وحلفاءه فشلوا مع النموذج الإيراني.

وفي ظل الإدارة الأمريكية الحالية بقيادة ترامب وصعود نجم ولي العهد السعودي محمد بن سلمان وعائلة زايد القوية في الامارات، وميلهم –جميعهم - إلى الحرب، ومع تصاعد حدة الصراع حول الملف النووي الايراني وانسحاب أمريكا من اتفاق لوزان 2015؛ فهل يمكنهم النجاح فيما فشلت فيه الإدارات السابقة، من احتواء وتوقع خطوات إيران، هذه القوة السياسية والعسكرية الكبيرة؟

قطبٌ أوحد

في 27 فبراير/شباط 1991، أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب تحرير الكويت بعد 100 ساعة من الحملة البرية "الكويت أصبحت محررة، والجيش العراقي قد هزم". فلماذا لم تواصل القوات الأمريكية وحلفاؤها الغزو إلى قلب بغداد؟ على الرغم أنه وفي اليوم السابق على إعلان النصر الذي ألقاه بوش، قصفت قوات التحالف القطع العسكرية العراقية أثناء انسحابها من الكويت، ما أدى إلى تدمير ما يزيد على 1500 عربة عسكرية وفقدان صدام لمعظم جيشه.

ثمة طرح يقول إن إدارة بوش الأب كانت مدركة تمامًا أن انهيار بغداد، ورحيل صدام حسين سينتج عنه تغير راديكالي في أقطاب القوى في المنطقة العربية، وسيميل ميزان القوى لإيران تحت حكم الملالي، وهذا سيعلن إيران قطبًا وحيدًا للقوى العسكرية المتمرسة في القتال، وخصوصًا بعد حرب ال 8 سنوات ضد العراق. وهذه الحرب قد جعلت القوات الإيرانية تكتسب خبرة قتالية، وتعزز من قدرتها الدفاعية وتعتمد ذاتيًا على مواردها الداخلية؛ بعدما انتهج روح الله الخميني خطابًا مناهضًا للقوى الدولية والتي صمتت عن استخدام صدام حسين للأسلحة الكيميائية والتي خلفت حسب التقديرات أكثر من 30 ألف قتيل إيراني من العسكريين والمدنيين.

بالإضافة إلى أن بغداد كانت تمثل درعًا للقوى السنية في الخليج، وفي حال سقوطها سيتعزز وينشط التواجد الأيديولوجي "الشيعي" في العديد من الدول العربية مثل البحرين والسعودية ولبنان واليمن. فالخطاب الإيراني يملك بعدًا ثوريًا؛ خصوصًا فيما يتعلق بحقوق الشيعة في الدول ذات طبيعة الحكم السني، كما يملك بعدًا عسكريًا مقاومًا للتواجد الإسرائيلي وتحرير القدس. وهذا ما سيؤدي إلى الضرر باستقرار منطقة الخليج ومضائق هرمز وباب المندب، التي تغذي العالم بالنفط.

أن تراهن وتفوز

استخدم العراق السلاح الكيماوي ضد الإيرانيين عام 1984 بموافقة الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتران، حيث تم إعادة طلاء مقاتلات "سوبر اتندارد" الثقيلة بألوان الدولة العراقية، وقادها طيارون مرتزقة من بلجيكا في عمليات دقيقة ضد أهداف إيرانية ذات حساسية، وكانت المادة الضرورية لصناعة الأسلحة الكيماوية تأتي من غرب ألمانيا.

عندها قرر روح الله الخميني المرشد الأعلى للثورة الإيرانية وقتها إحياء المشروع النووي الإيراني ليكون سلاحًا رادعًا للعراق ولأي عدو محتمل آخر. ففي هذه الفترة باتت الولايات المتحدة - الحليف القديم للشاه - عدوًا خطيرًا للثورة الإيرانية.

أبرمت إيران اتفاقيات تعاون في المجال النووي مع كل من الصين وباكستان (1987و1990)، وتوصلت لاتفاق مع الحكومة الروسية في يناير/كانون الثاني 1995 رسميًا أنها ستكمل بناء وتأهيل مفاعلي بوشهر وبناء ثلاثة مفاعلات أخرى.

بعد سقوط بغداد في العام 2003؛ بدأت ملامح برنامج إيران النووي تظهر على الساحة الدولية، مما اضطر دول كفرنسا وبريطانيا وألمانيا لممارسة ضغوطات على الجانب الإيراني للسماح لوكالة الطاقة الذرية بتفتيش المفاعلات الإيرانية، وهذا ما سمحت به إيران في أواخر العام 2003.

في 2006 توحدت وجهات النظر الدولية لكل من روسيا والصين وأمريكا ودول غرب أوروبا على ضرورة توقف البرنامج النووي الإيراني، ومن هنا بدأت إيران تراهن على الوقت وعلى المكاسب التي يمكن أن تحصلها جراء هذه العملية التفاوضية مع القوى الكبرى في العالم.

تحمّل الاقتصاد الإيراني الكثير من العقوبات الدولية والخسائر المادية منذ 2006 إلى 2015، والذي عقد فيه الجانب الإيراني والقوى الدولية بقيادة الولايات المتحدة وروسيا والصين، اتفاقًا نص على آلية عمل سلمية للبرنامج النووي الإيراني مع رفع كافة العقوبات الاقتصادية على إيران، والتي تمثلت في الإفراج عن بلايين الدولارات من أرصدة إيران المجمدة، ورفع الحظر على الطيران الإيراني، ورفع الحظر المفروض على البنك المركزي الإيراني وشركة النفط الوطنية الإيرانية وخطوط الملاحة الإيرانية، والكثير من المؤسسات الأخرى والأشخاص.

كما يمكن لإيران أن تحصل على ما تحتاجه من خلال مفوضية مشتركة بينها وبين مجموعة الدول أطراف الاتفاق النووي. كما تم رفع حظر الأسلحة عن إيران، وسيكون بإمكان إيران استيراد وتصدير السلاح تحت بعض القيود، ولكن هذه القيود ستكون لمدة خمس سنوات فقط .

وهذا ما يُعتبر انتصارًا كبيرًا للسياسة الإيرانية، بالإضافة إلى التقدم الذي حققته في برنامجها النووي؛ فطبقًا لتقديرات خبراء تابعين لواشنطن؛ فإيران إذا قررت أن تمتلك قنبلة ذرية فهي تحتاج فقط من عامين إلى خمسة أعوام أخرى، حيث انها قد قامت بعمليات تخصيب يورانيوم على نطاق واسع وأكثر مما تحتاج لاستخدامه في أغراض سلمية.

ترامب والخليج والحرب

قررت إدارة ترامب العودة إلى الخلف في المفاوضات النووية مع إيران، والتخلي عن الاتفاق المُبرم، وفرض عقوبات جديدة على إيران، تشمل قطاع النفط والبنك المركزي وشخصيات بارزة في النظام وفي الحرس الثوري، بالإضافة إلى الدول التي تتعاون مع إيران وهذا ما يعني فرض عقوبات على شركات أوروبية وروسية وصينية تعاقدت في الفترة الأخيرة مع الجانب الإيراني من أجل ضخ استثمارات في السوق الإيرانية الناشئة المتعطشة بعد فترة حصار طويلة.

وحتى الشركات الأمريكية ستضرر من قرار إنسحاب ترامب من الإتفاق النووي، إذ وقعت شركة بوينغ الأمريكية لصناعة الطائرات -وهو أحد المجالات القليلة التي سُمحت فيها بالتجارة بين أمريكا وإيران-. في العام 2017 صفقة مع طهران بقيمة 8 مليارات دولار لتجديد الأسطول الجوي الإيراني المدني، وتتسلم إيران بموجب هذه الصفقة الطائرات في العام 2018، ولكن ما حدث من شأنه أن يجمد بيع الطائرات من "بوينغ" إلى إيران.

ويدعم قرار الإنسحاب الأمريكي من الاتفاق النووي كلًا من إسرائيل والخليج - وتحديدًا السعودية، بينما تعارضه أوروبا وروسيا والصين، بجانب العديد من القوى الإقليمية الآخرى مثل تركيا.

إلا أن إيران تبدو الفائز في هذه المرة أكثر من الاتفاق الذي تم في لوزان 2015؛ فهي تظهر بمظهر المستعد لعملية سلام شاملة مع جميع الأطراف بوجه وزير خارجيتها المبتسم دائمًا جواد ظريف، ومدعومة بحلفاء أكثر قوة كالأوروبيين والروس والصينيين، حيث شدد رئيس قسم منع انتشار الأسلحة في الخارجية الروسية فلاديمير يرماكوف على أنه لا يمكن الحديث عن إعادة فرض أية عقوبات على إيران في حال انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، مشيرا إلى أن واشنطن هي من ينتهك الصفقة.

وقال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش في مقابلة مع بي بي سي إنه "إذا توصلنا لاتفاق أفضل في يوم ما ليحل محله فلا بأس، لكن يجب ألا نلغيه إذا لم يكن لدينا بديل جيد". ونبه الأمين العام لخطورة الموقف في منطقة الشرق الأوسط في حال إلغاء الإتفاق النووي مع إيران. كما نوه جوتيريش إلى أهمية الفصل بين مخاوف بعض الدول "دول الخليج وإسرائيل"، وتحقيق السلام العالمي.

وعلى صعيد التوتر مع الخليج والحديث عن الحرب، تلقي إيران الكرة في ملعب الولايات المتحدة التي تبدو مرتبكة في ظل الصراعات الخليجية - الخليجية، وتراجع قوى المعارضة في سوريا، وعجز القوات السعودية المدعومة منها في تحقيق أي انتصار على الأرض اليمنية؛ وهذا ما يجعل إيران تبدو قوية بوجهها الآخر المتمثل في فيلق القدس وقائده قاسم سليماني والذي يقوم بعمليات عسكرية ناجحة في كلٍ ًمن سوريا والعراق واليمن.

ويبدو أن التقارب الخليجي (السعودي - الاماراتي - البحريني) مع إسرائيل والذي يدفع الإدارة الأمريكية لمزيد من العداء مع إيران لن يحقق الكثير من أهدافه؛ فالجانب الإيراني على الأرض يبدو أكثر ترتيبًا. حيث أنه ليس بحاجة لتغيير جلده وأفكاره للهروب من تهم الإرهاب مثل السعودية، ولا يحاول البعد عن اتهامات الفساد والرشى التي تطارد الإمارت في أفريقيا. كما أن نظام الحكم في إيران على الرغم من الاحتجاجات الشعبية الأخيرة أكثر أريحية ، في مقابل الضغط الذي يقع على الرئيس ترامب داخل بلاده والتحقيقات معه لشبهة التلاعب بالانتخابات الأمريكية بالتحالف مع الروس.

بعد أن تم إلغاء الاتفاق النووي من جانب الولايات المتحدة وفرض عقوبات جديدة على طهران؛ تبدو إيران متجاوزة تأثير هذا القرار عليها. فقد صارت الآن تملك موقعًا قويًا في الأراضي السورية والعراقية واليمنية، مما يجعلها شريكًا مهمًا وأساسيًا في أي عملية سلام دولية؛ وخصوصًا فيما يتعلق بالشرق الأوسط.

إضافة إلى ذلك، أصبحت إيران سوقًا ناشئة أمام الشركات الأوروبية والروسية والصينية بعد رفع العقوبات؛ بالإضافة إلى امتلاكها قدرة على بيع النفط في السوق السوداء للدول أسيوية ولاتينية، وهذا ما سيشكل عامل انخفاض آخر في سعر النفط العالمي مما يأثر بشكل مباشر على اقتصاديات دول الخليج، وهذا ما سيشكل حائط دفاع آخر للإيرانيين أمام أي قرار أمريكي مدعوم خليجيًا وإسرائيليًا.

أصبحت إيران قوة دولية وإقليمية أكبر من أن يتم احتوائها بقرار أحادي من البيت الأبيض؛ كما أنها استطاعت أن تبرز حكمة دبلوماسية وسياسية وعسكرية، تؤكد تفوقها على كل من حولها في المنطقة. وفي ظل تراجع وانهزام القوى الثورية، تبدو الرجعية بقيادة إيران أكثر قوة وفعالية من الرجعية بقيادة السعودية، حيث تبقى الأولى أقوى لامتلاكها القوة والأيديولوجية والكفاءة المطلوبة للحركة وتنفيذ الأهداف ولا تعتمد فقط كالأخيرة على المال النفطي.