عمرو خالد.. 20 عامًا من الشغل الكتير والغلط الكتير

كان يحاول إرضاء جميع الأطراف فاشتغل كثيرًا وبالتالي أخطأ كثيرًا، بعد خسارات كبيرة في الجماهيرية سببها لطفه الزائد والماسخ.

في صيف 2010 اتصل أحد المشاهدين ببرنامج القاهرة اليوم الذي كان يستضيف عمرو خالد، ألقى المُشاهِد التحية ثم أتبعها بعتاب هادئ للداعية، الذي يحترمه ويقدره كثيرًا، حول ظهوره في أحد الإعلانات الصادرة قبل أسابيع. أذيع الإعلان المقصود على شبكة قنوات ART التليفزيونية ومن إنتاجها، ضد وصلات الدش المركزية التي كانت منتشرة حينها لنقل القنوات المشفرة، مقابل اشتراكات شهرية زهيدة لكل بيت. شارك عمرو خالد في هذا الإعلان متحدثًا عن حُرمة استخدامها كونها "قرصنة وسرقة".


مع أول عتاب؛ اعترف الداعية بالخطأ واعتذر عنه، ثم دفع بتبريره أن الكلام اجتُزئ من سياقه، وأن نيته كانت خيرًا، وأكد على أن الجميع عرضة للوقوع في الأخطاء، فمن "يشتغل كتير مُعرَّض لغلط كتير"، المهم أن من أخطأ يعتذر، وها هو يعتذر ويعترف، وعلى الجمهور أيضًا أن يسامحه ويعدّيها له حسب تعبيره. كُنت متفقًا معه حين اعتبر وصلة الدش سرقة في إعلانه الأول، وضايقني بشدة اعتذاره عما رأيته صحيحًا، وتأكدت نظرتي له كشخص يسعى لإرضاء الجميع، فقلت: قشطة فليوفقه الله. لكنه -وقتها- لم يخسر كثيرًا من مصداقيته.

بنفس الأسلوب اعتذر عمرو خالد عن فيديو دعايته الأخير لمنتجات شركة دواجن، اعترف بخطئه، اعتذر عنه ثم دفع بتبريره الدائم أن الكلام اجتزئ من سياقه وأن نيته كانت خيرًا، وأن التعبير خانه، مع تأكيده أيضًا أننا جميعًا معرضون للخطأ، ولم يقل أن من "يشتغل كتير معرض لغلط كتير". هذا فارق كبير بين العامين، وأيضًا بين الاعتذارين، لكن الفارق الأبرز كان في طبيعة الجمهور المستقبل للإعلانين والاعتذارين.

في 2010 كان جمهوره من مشاهدي التليفزيون من النيل إلى الخليج، حيث أقصى تفاعل ممكن هو تغيير القناة أو محاولة إجراء مداخلة تليفونية قد لا تكتمل. بينما في 2018، فإنه يخاطب جمهوره عبر فيسبوك، حيث يخضع عمرو خالد لكافة أنواع التفاعل سلبًا وإيجابًا، الإعجاب أو الغضب أو السخرية.

اقرأ أيضًا: عمرو خالد وماكينة الإخوان.. بلح السياسة وعنب الدين

تحولات الداعية.. والجمهور

في اعتذاره 2010، قال عمرو خالد إن من يعمل كثيرًا يخطئ كثيرًا؛ هذا القول يجانبه الصواب قليلًا، ولا ينطبق إلا في حالة أن يكون عملك هو الكلام، فمن يتكلم كثيرًا؛ داعية إسلامي أو معلق رياضي أو مذيع توك شو أو شاويش أفراح، ترتفع احتمالات وقوعه في الخطأ أكثر. هذا ما حدث مع عمرو خالد في أنشط مراحل عمله كبائع كلام محترف قبيل الثورة. كان وقتها كثير الظهور، يقدم برنامجًا كل عام. كان متابعوه أكثر من رافضيه، وكنت شخصيًا من الفريق الأول. لا أذكر متى صرت من محبي ما يقدمه عمرو خالد، لم أكن من متابعي برنامجه على قناة اقرأ لكن كانت تصلني أخباره وجديده.

كنت في السنة النهائية للمرحلة الثانوية عام 2008، كان فيس بوك يتلمس طريقه بين الجمهور المصري، مقاسمًا المدونات والمنتديات العربية سوقها المزدهرة حينها، هذه هي الوسائط الثلاثة الأبرز للوجود الافتراضي على الويب في ذلك الوقت. كان هذا العام الثاني على تأسيسي -بالاشتراك مع صديق- منتدى باسم محلاوي دوت كوم، حققنا خلاله نجاحًا نسبيًا بعد تغطية بدائية لأحداث السادس من أبريل 2008، صورت فيها فيديو عن قرب لإطلاق قنابل الغاز ورصاصات الخرطوش على المتظاهرين السلميين، قبل أن تصبح تلك الصرعة الجديدة عادة لدى الأمن المركزي بعد ذلك بثلاثة أعوام. حظينا إثر هذا الفيديو بقاعدة لا بأس بها من الزوار والأعضاء الجدد بالمنتدى، وباعتباري أحد المديرين، امتلكت بعضًا من التأثير على هذا الحشد الذي ضم تنوعًا إسلاميًا اعتياديًا حينها.

قدم إعلانًا جديدًا لشركة دواجن. وبحسب تعليق أحد متابعيه، أبدى في الإعلان الحماس ذاته الذي يتحدث به عن غزوة بدر أو أحد الشخصيات الإسلامية.

كان منتدى شديد المحلية، موجه لسكان المحلة كما يبدو من اسمه، غرضه الأساسي الترفيه، ومتابعة الأخبار والتعليق عليها، قرصنة الموسيقى والأفلام والمناقشات العامة. بين هذه النقاشات كان هناك واحدًا محتدمًا حول عمرو خالد، تبارى فيه مجموعة من الأصدقاء السلفيين ضد مجموعة من الوسطيين. كنتُ من الفئة الأخيرة حينها، ووهبت نفسي للدفاع عن "الدكتور" الذي اعتبره السلفيون حينها مبتدعًا متساهلًا، بل ورأوه مائعًا، وفي ميوعته خطر على الإسلام.

كنت متحمسًا، مدفوعًا بالمراهقة وبالحديث عن مدى تأثيره علينا نحن المراهقين حينها. مراهقون لا يحبون كثيرًا صورة الإسلام الملتزم الصارمة التي تقدمها شرائط السلفيين، ويخافون من انقطاع الصلة مع الله كذلك. قدت حينها حملة دفاع عن عمرو خالد، ورأيت، وشاركني العديد من أصدقاء المنتدى، أن صورة المسلم التي يقدمها عمرو خالد هي ألطف الصور وأقربها إلينا؛ صوته ناعم هادئ، يعرف كيف يصعد بنبرته ومتى يخفضها، لغة جسده تساعده في تحفيزنا، والأهم يعرف كيف يبتسم، لا يتنطع مثل السلفيين، ولا يعادي البعيدين عن الإسلام.

أذكر كليشيهات نقاشية عن الإفراط والتفريط، وأحاديث مثل "هلك المتنطعون"، ولم يكن عمرو خالد منهم. رجحت الكفة لصالحه مقابل شيوخ السلفية وأتباعهم بكثير من الأعضاء الوسطيين الطيبين.

الراقص على سلم التطور

انتهي زمن المنتديات وبدأ انفتاح المدونات، عوالم مختلفة أكثر تخصصًا، ومفردات جديدة وأفكار طازجة، بدأتُ معها التعرف على مفاهيم غريبة عليّ. وبالتزامن مع انفتاحي على عالم الجامعة، بدأت التطور مثل الآخرين من عمري فيما كان عمرو خالد لا يزال محتفظًا بلغته وخطابه وطريقته القديمة التي كانت أليفة وصارت مملة مكررة.

ثم اندلعت الثورة، وما صاحبها من تطورات واشتباكات واستقطابات، كنا نكبر معها ونتعلم ونكتشف. حينها لم أهتم بمتابعة أي من رموز العالم القديم ولا أصواته، ومنها عمرو خالد الذي كان يحاول فرض وجوده في المرحلة الجديدة، يشتغل كثيرًا على أصعدة متعددة، اجتماعيًا ودينيا وسياسيًا حتى أنه أعلن تأسيس حزب وتراجع عنه، وطبعًا من يشتغل كثيرًا يخطئ كثيرًا.

كان يثير الضحك وبعض العجب برقصه على سلم التطور، كيف يتغير العالم هكذا ويبقي هو على حاله؟ حاول مواكبة التطور بإضافة السوشيال ميديا إلى منافذ وصوله للجمهور، لكن لم يطور من نفسه وظل محتفظًا بلغة التليفزيون والندوات والخطب. كان يحاول إرضاء جميع الأطراف فاشتغل كثيرًا وبالتالي أخطأ كثيرًا، بعد خسارات كبيرة في الجماهيرية سببها لطفه الزائد والماسخ.

صورة لأحد أشهر الميمز المنتشرة لعمرو خالد من تويتر 

العالم أكبر من صفحة فيس بوك!

في موسم الحج من العام الماضي، وأثناء أحد المناسك أمام الحرم المكي، ظهر عمرو خالد في فيديو بثه عبر صفحته على فيس بوك، يصوره بملابس الإحرام وهو يدعو لمتابعي الصفحة "اللهم إني أشهدك أن الشباب والبنات والرجال والنساء اللي موجودين على صفحتي إني أحبهم.. اللهم يا رب اكتبهم من أهل الجنة.. وارض عنهم وأجب دعاءهم"، وتابع الدعاء "اللهم إني أقسم عليك في هذه الأيام ويوم عرفة كل من على الصفحة له عندك طلب أو رجاء أو أمنية لا يأتي العيد إلا وقد حققت له ما يتمنى".

تكراره لكلمة "الصفحة" واختصاصه لروادها بالدعاء بصوت متباكِ، ونظرات عينه المتحولة ما بين عدسة الكاميرا وبين نقطة ما في الفراغ تمثيلًا للخشوع، جعلوا منه مادة ثرية للسخرية. انتشر هاشتاج اللهم صفحتي صفحتي، وتحولت صورته إلى Meme يحمل الكثير من النكات والسخرية اللاذعة، وكل هذا لم يدفعه لإعادة النظر فيما يقدمه ولمن يقدمه. بنفس الحماس ولغة الجسد اللذان دعا بهما للشباب والشابات على صفحته، قدم إعلانًا جديدًا لشركة دواجن. وبحسب تعليق أحد متابعيه، أبدى في الإعلان الحماس ذاته الذي يتحدث به عن غزوة بدر أو أحد الشخصيات الإسلامية.

هذه هي أدوات عمرو خالد؛ خلال سنوات عمله الكثيرة ذات الغلط الكثير: وجه سمح، وصوت مبحوح متباكي، وحماس آلي ولغة راكدة لا تجدد نفسها يمكن استعمالها في الحديث عن أي شيء، بداية من جهاد النفس والزهد وحتى الدجاج المخلي دون تمييز، واعتمادًا على أنه سيخطئ ويعتذر، وحتمًا سيسامحه الجمهور الذي هو أكبر من متابعي صفحته على فيس بوك والذي يعرف من أين تأتي النكتة وكيف يعيد إنتاجها وتدويره.

ما يمكن لعمرو خالد أن يتعلمه من مجدي عبد الغني ومدحت شلبي

هذه الصورة البائسة يمكن لعمرو خالد أن يستفيد منها حقًا، ربما لا يملك من الأدوات أكثر من الصوت المبحوح واللثغة الطفولية ولغة الجسد المتحمسة، وربما أيضًا يملك الوقت بعد أن انحسرت أعماله، واقتصرت على صفحة فيس بوك. إلا أن ما يملكه بالتأكيد هو أكثر من هدف كابتن مجدي عبد الغني الوحيد في كأس العالم، والذي استمر قرابة 30 عامًا يذكره في المحافل واللقاءات حتى أصبح علامته المميزة التي يُسخَر منه بها ثم صار يسخر هو منها، بل إنه ظهر في فيلمين على الأقل ليذكر هذا الهدف.

وبالتأكيد ما يملكه عمرو خالد أكثر من "يا نهار أبيض" الخاصة بمحترف الكلام المعلق الرياضي مدحت شلبي، والتي أصبحت أيضًا علامة مميزة له ولها قيمة تجارية تأتيه بفرص الظهور في الأعمال الدرامية والإعلانات.

وبالمثل، يمكن لعمرو خالد أن يصنع من تركيبته منتجًا تجاريًا، لكن عليه أن يلتزم بثلاثة شروط أساسية؛ أولًا أن يبتعد عن الخطاب الديني، وينسى تاريخه الدعوي ولطفه الزائد الماسخ، ثانيًا الإصرار والمثابرة وتحمُّل السخرية دون اللجوء للاعتذار، وثالثًا أن يكتسب قدرًا من خفة الدم، لكن بعد أن يختفي لفترة وتنسى السوشيال ميديا التجربة الروحية لأكل دجاج الوطنية.