أعداء كرة القدم: كيف كاد "جزار بيبلباو" ينهي مسيرة مارادونا

عندها أندفع جويكو نحو مارادونا وقام بعرقلة وحشية من خلفه مهشما قدمه، تاركا إياه يصرخ في ألم بعد أن كسر كاحله بشكل بدا خطيرا.

في مساء السبت الماضى اجتمع المصريون بعد الإفطار على المقاهي وأمام التليفزيونات لمتابعة لاعبهم المفضل، بل بطلهم محمد صلاح، في أثناء مشاركته مع فريقه ليفربول في نهائي دوري أبطال أوروبا أمام ريال مدريد، بينهم من يتابع الدوريات الأوروبية منذ سنوات، وبينهم من لا يعرف شيئا عن اللاعبين الأجانب، وبينهم أيضا من لا يفقه أي شيء عن كرة القدم إلا أنه يشجع محمد صلاح بغض النظر عما يحدث في الملعب.

بدا صلاح مبتسما كعادته في أثناء الدخول إلى الملعب، وظهر بمستوى مميز ومبشر في دقائق المباراة الأولى، إلا أن الأمر لم يستمر طويلا، ففي الدقيقة الخامسة والعشرين ساد الصمت بين الجميع، كُتمت الأنفاس وتعلقت العيون بالشاشات مع سقوط صلاح على كتفه أثر اشتراك عنيف مع مدافع ريال مدريد وقائده سيرجيو راموس.

بات المصريون ليلة حزينة، غاب النوم فيها عن الأطفال، أدمعت أعين الأمهات، وفرّغ رواد فيسبوك طاقات غضبهم في صفحة اللاعب الإسباني وفريقه، وظل الجميع يتساءل عن مصير مشاركة صلاح في كأس العالم.

من المعروف أن راموس من أكثر المدافعين عنفا وأشدهم إيذاءً للخصوم، فهو أكثر لاعب حصل على بطاقات صفراء وحمراء في تاريخ الدوري الإسباني، وفي تاريخ دوري أبطال أوروبا، وفي تاريخ منتخب إسبانيا كذلك.

ولكن راموس ليس الأول من نوعه، فقد شهدت ملاعب كرة القدم العديد من اللاعبين المشابهين له على مر العصور، مثل البرتغالي بيبي والكاميروني ريجوبرت سونج، والإيطالي ماركو ماتيراتزي والأرجنتيني والتر صامويل، كما شهدت الملاعب العديد من الإصابات المرعبة، ربما يذكر البعض إصابة نيمار في عموده الفقرى بكأس العالم الماضي بعدما طعنه الكولومبي زونيجا بركبته. إلا أن الكثيرين لا يعلمون بالإصابة التي كادت تنهي مشوار الأرجنتيني دييجو أرماندو مارادونا في بداياته عندما كان لاعبًا في صفوف برشلونة الإسباني عام 1984.

كتب البريطانى ويل ماجي مقالا عن أحداث تلك الإصابة التي هزت العالم في حينها بموقع Vice sports بعنوان "كيف كاد جزار بيلباو ينهي مسيرة مارادونا"، وفى الفقرات التالية عرض للمقال بقليل من التصرف.

في نهاية السبعينيات ومطلع الثمانينيات، كانت هناك الكثير من الأشياء المشتركة بين أقليمي الباسك وكتالونيا، فبعد سنين قليلة من موت فرانكو وبعث الديمقراطية في أسبانيا من جديد، ظل الأقليمان يعانيان من آثار الاستبداد واضطهاد لغتهما وثقافتها وحرياتهما السياسية على مر عقود ماضية. ونتيجة للحركات الانفصالية في كل منهما، والعناصر الاشتراكية بهما ومقاومتهما لفرانكو، عانيا من أسوأ آثار ديكتاتوريته وجمعتهما صلة من الاحترام المشترك والتضامن المتبادل.

إلا أن هذا الأمر لم يمتد إلى ملاعب كرة القدم، حيث تصاعدت المنافسة والندية بين اثنين من أكبر نواديهما.

خلال السبعينيات، كانت مسابقات كرة القدم الأسبانية تحت سيطرة فريقى العاصمة، ريال وأتليتكو. كان ريال مدريد فريق فرانكو المفضل أثناء حكمه، كان في نظره رمزا للدولة القشتالية المركزية المتجانسة، أو على الأقل هكذا سعى المنافسون لتفسير نجاحات الفريق المذهلة. في نهاية العقد، بدأ فريقان إقليميان في استعادة تواجدهما، الكتالوني برشلونة، وواحد من أكبر الفرق في أقليم الباسك، أتلتيكو بيلباو.

إلا أن فريقا آخر من الباسك، ريال سويسيداد، استطاع أن يفوز بلقبين في مطلع الثمانينيات، ووجد برشلونة وبيلباو نفسيهما في المركزين الثانى والرابع بالدوري على الترتيب في نهاية موسم 1981- 1982. كانت هذه هى القشة التي أشعلت الخصومة بين الفريقين، ليس فقط لتنافسهما على بطاقة التأهل للبطولة الأوروبية، ولكن أيضا بسبب الواقعة التي جمعت برند شوستر بالرجل الذي يدعى جويكو.

كان جويكو مدافعا ضخما مفتول العضلات من بلدة ألونسوتيجي، بلدة مكسوة باللون الأحمر وسط جبال الباسك الوارفة الخضراء، بوجه يشبه الأحجار المهشمة وبتعبيرات تنم عن تهديد ووعيد دائمين. كان جويكو رمزا مخيفا في قلب دفاع بيلباو، ومنذ ظهوره الأول في1975عُرف بتدخلاته الوحشية، وبدا وكأنه يستمتع بتدمير المنافسين بأية طريقة.

كان شوستر من أكثر لاعبي برشلونة تأثيرا، وقد دفع ثمن ذلك التميز في لقاء مبكر في مسيرة الدوري أمام بيلباو. ففي أثناء محاولته المراوغة لاختراق الخط الدفاعي، أسقطه جويكو بتدخل مدوٍّ، متعمدًا أن يزرع مخالب حذائه في أكثر المناطق قابلية لإصابة ركبة اللاعب الألماني.

أصابت الضربة الرباط الصليبي لشوستر، وعلم أنه سيغيب حتى نهاية الموسم وسيقضي فترة استشفاء تمتد إلى تسعة شهور بائسة. ماجت جماهير برشلونة بالغضب، خصوصًا بعد فقدانهم للقلب ووقوعهم خلف سويسيداد بنقطتين فقط، متهمين المدافع الباسكي بتعمد تخريب وإيذاء فريقهم. وبغض النظر عن صحة تلك الادعاءات الهامسة من عدمها، إلا أن جويكو أعتُبر من ذلك الحين عدوًا لبرشلونة.

في مارس/ آذار 1983 تولى سيزار لويس مينوتي، الرجل الذي قاد الأرجنتين للتتويج ببطولة كأس العالم عام 1978، الإدارة الفنية لبرشلونة. أطلق برشلونة أسلوب لعب جديد، وبمجرد استعادة برند شوستر للياقته وضع اللمسات الأخيرة لأناقة خط الوسط. ثم جاء الجزء الخاص بدييجو مارادونا، الموهبة الأرجنتينية القادمة من بوكا جونيورز في 1982، والتي ازدهرت تحت إدارة مينوتي الذكية في كأس العالم للشباب قبل ثلاثة أعوام.

مينوتي، الشهير في الأرجنتين بـ "آل فلاكو" أي الرجل النحيف، كان صاحب تأثير كبير على مارادونا في أثناء إدارته للمنتخب، حيث قال الأخير ذات مرة "كلما تحدث آل فلاكو، أشعر بهدوء تام داخلي، هذا لأن آل فلاكو كان إلهًا".

لاحقا، سينهي الرجل الذي تسبب في الكثير من العداوة بين برشلونة وبيلباو مسيرته بشكل متواضع، ترك جويكو بيلباو في 1987 قبل أن يقضى ثلاثة مواسم في أتلتيكو مدريد حتى اعتزاله.

مينوتى كان مشهورًا بكرة قدم غير تقليدية ومبدعة، وحاول أن يضع برشلونة في ذلك الإطار، وبصورة يسكن مارادونا في قلبها، بينما كان أتلتيك يلعب بأسلوب أقل رومانسية، وأكثر اجتهادًا وعملية، دون إغفال للتأثير الفردي للمهاجمين السحريين، داني ومانو سارابيا. إلا أن وجود جويكو في قلب دفاعاتهم، وصمهم بسمعة اللعب القاسي والعنيف، إضافة إلى ما يقدمونه من كرة قدم ممتازة، وبهذا ظهر تناقض بين أسلوب لعبهم وبين الفلسفة القائمة في كتالونيا، أو هذا ما تراءى لمشجعى برشلونة على الأقل.

اشتعلت النيران في الندية الوليدة. وبينما تنافس الفريقان في طريقهما نحو منصات التتويج، ظل مشجعو البارسا متمسكين بفكرة أن فريقهم يسعى إلى تقديم كرة أجمل، في حين أن مشجعي الفريق الباسكي رأوا أن تلك مجرد ادعاءات مغتاظة من الكتالونيين.

ظل الصراع بلا نتيجة حاسمة ونهائية، فبالرغم من فوز برشلونة على بيلباو مرتين خلال موسم 1982-1983وإطاحتهم به من الدور ربع النهائى للكأس، إلا أن الجانب الباسكي توّج بلقب الدوري. وفي الموسم التالي تكرر الأمر نفسه، ففاز بيلباو باللقب للمرة الثانية على التوالي رغم هزيمتين أخرتين من برشلونة، إلا أن حدثًا آخر كان أهم وأبقى في الذاكرة.

في 24 سبتمبر/ أيلول 1983، استضاف برشلونة بيلباو في ملعب الكامب نو، ودمروهم تمامًا. تبادل مينوتي ومدرب بيلباو خافيير كليمنتي الانتقادات قبيل المباراة، وعبّر كل منهما عن ازدرائه للكرة التي يقدمها الآخر، مما ساهم في مزيد من اشتعال الأجواء. ومع تقدم الفريق المُضيف بثلاثة أهداف في منتصف المباراة، فقد جويكو عقله وهو يتابع مارادونا، بعد أن أستطاع أن يصنع هدفين بالفعل، وهو يلتقط الكرة مرة أخرى في الثلث الأخير من ملعب بيلباو ليبدأ هجمة جديدة، عندها أندفع جويكو نحو مارادونا وقام بعرقلة وحشية من خلفه مهشمًا قدمه، تاركًا إياه يصرخ في ألم بعد أن كسر كاحله بشكل بدا خطيرًا.

ليس من المبالغة القول بأن تلك العرقلة كان من الممكن أن تُنهي كل شيء بالنسبة لمارادونا؛ الرجل الذي سيفوز بكأس العالم ويصبح واحدًا من أعظم لاعبي الكرة مع نابولي الإيطالي لاحقًا. واجه مارادونا فترة طويلة من البُعد عن الملاعب، وشهورًا من التأهيل قبل أن يصبح قادرًا على اللعب مجددًا. استشاط مينوتي غضبًا بعد الحادثة، ووصف جويكو بأنه واحد من عِرق "أعداء لاعبى كرة القدم"، ثم طالب بمنعه من اللعب لبقية حياته.

وتمامًا كما دمر موسم برشلونة عام 1981-1982بإصابته لشوستر، أصاب جويكو أفضل لاعب في صفوف برشلونة، وفى هذه المرة سيقتنص أتليتك بيلباو اللقب لنفسه. كانت تلك العرقلة هى السبب في تلقيب جويكو بـ"جزار بيلباو".

أستطاع مارادونا أن يعود بعد ثلاثة أشهر فقط، ولعب المباراة الثانية في الدوري ضد جويكو ورفاقه، مسجلا هدفين ليقود فريقه للفوز2-1. بعدها شارك مارادونا في نهائي كأس الملك الذي سيتصارع فيه برشلونة وبيلباو في مباراة أخرى ساخنة. قدم بيلباو مباراة رائعة، حيث أحرز أنديكا جواروتكسينا هدفًا بعد أربع عشرة دقيقة مهيئا الفرصة لفريقه لإغلاق خطوطه بقيادة أداء مميز لجويكو. بقت النتيجة على حالها حتى صافرة النهاية قبل أن تتحول خاتمة الموسم إلى صخب وعنف.

أُصيب مارادونا بجرح آخر في ساقه أثر تدخل قوى من جويكو، تبعته صيحات مستهزئة وهتافات عنصرية من الجماهير الباسكية ضد النجم الأرجنتيني، وهنا أظهر مارادونا وجهه العنيف، تحديدًا عندما تصاعدت مشادة بينه وبين ميجيل سولا عقب نهاية المباراة.

بدأت في هذه اللحظة ما قد نعتبرها أعنف مشاجرة في بطولة محلية كبرى، حيث وجه مارادونا ركبته نحو وجه سولا، فطرحه أرضا قبل أن يبدأ في توجيه عدد من الركلات للاعبى بيلباو. وفي خضم ركلات الكونج فو واللكمات التي تلت، استطاع جيوكو أن يوجه صفعة أخيرة لمارادونا بركلة طائرة.


نشبت بعض المشاجرات بين المشجعين بعد أن دُمرت أجزاء من أسوار الملعب، إلا أن معجزة ما منعت امتداد أحداث الشغب لما هو أكثر وأخطر بالنظر لتاريخ التوتر بين الفريقين.

كان ملك أسبانيا خوان كارلوس حاضرًا في المباراة النهائية، التي قُدر عدد مشاهديها في التليفزيون بنصف سكان أسبانيا، وأُصيب العشرات في المشاجرات اللاحقة للمباراة.

بعدها قرر مارادونا أن يرحل عن أسبانيا، كانت حادثة بيلباو هي السبب الرئيسي لقراره بالانتقال إلى نابولي.

لاحقًا، سينهي الرجل الذي تسبب في الكثير من العداوة بين برشلونة وبيلباو مسيرته بشكل متواضع، ترك جويكو بيلباو في 1987 قبل أن يقضى ثلاثة مواسم في أتلتيكو مدريد حتى اعتزاله.

من جانبه، أعتذر جويكو مرارًا، مدعيًا أنه لم يتعمد أبدًا إصابة مارادونا. كان من الممكن تصديق تصريحات جويكو لو لم تذكر التقارير أن الجزار ظل محتفظُا بالحذاء الذي ارتداه في ذلك اليوم الذي أصاب فيه كاحل مارادونا، في حافظة زجاجية في بيته.