أيام المونديال | تشكيلة كوبر: الأفضل أم الأنسب؟

قد يفسّر لنا هذا المنطق، منطق "الأنسب لا الأفضل"، اختيارات كوبر لبعض اللاعبين في قائمة المونديال.

هناك أزمة كبيرة تتعلق بتعامل الجماهير مع الأرجنتيني هيكتور كوبر، المدير الفني للمنتخب المصري لكرة القدم. تنتظر الجماهير دومًا أن يتخلى المدرب عن أفكاره وقناعاته ويستمع إليها وينفذ ما تريده، بينما كوبر، على الجهة المقابلة، لا يكترث مطلقًا بآرائها ولا ينفذ، مهما كانت الضغوطات، إلا ما يراه هو وحده صحيحًا. ورغم ذلك لا ينقطع رجاء الجماهير. تمنّي نفسها بأن يخضع الأرجنتيني العنيد لها في المرة المقبلة.

وهكذا، ندور في حلقة مفرغة. وعقب كل مباراة للمنتخب نرى ردود فعل مكررة كأننا نتابع حلقات مُعادة من مسلسل قديم نحفظ أحداثه عن ظهر قلب.

آخر حلقات هذا المسلسل كانت حين أعلن كوبر القائمة النهائية للمنتخب المصري المشارك في كأس العالم حيث استبعد 6 لاعبين من القائمة الأولية هم محمد عواد وعمرو طارق وكريم حافظ ومحمود عبد العزيز وأحمد حسن كوكا وأحمد جمعة.

ورغم أن الأسماء المستبعدة باستثناء كوكا لم تكن من العناصر الأساسية للمنتخب خلال السنوات الماضية، إلا أن هذا لم يحل دون توجيه النقد للمدرب. في حين رأى كثيرون أن هناك لاعبين كانوا يستحقون الانضمام للمنتخب ولم يتم استدعائهم إلى القائمة الأولية.

كيف يختار كوبر؟

حين يحاول أي منّا اختيار المجموعة الأفضل للانضمام للمنتخب يعقد مقارنة بين اللاعبين في كل مركز ثم يختار واحدًا من بينهم وفقًا لمجموعة من المعايير المتعارف عليها كالسرعة والقوة البدنية والقدرة على المراوغة إلى غير ذلك.

وهنا تكون النتيجة محددة؛ فلان هو اللاعب الأفضل من وجهة نظري في هذا المركز. لكن هل يبحث المدربون، وبالأخص مدربي المنتخبات، عن هذا اللاعب الأفضل؟

لنتجاوز قليلًا ما قد يبدو بديهيًا من أن مثل تلك التقييمات تختلف من شخص لآخر، وأن اللجوء لأسماء التفضيل المحلاة بالألف واللام (الأفضل – الأسوأ - الأذكى.. إلخ) يبدو في أحيان كثيرة علامة من علامات عدم النضج، ولنقل إن هناك مجموعة من اللاعبين استقرت الغالبية على أنها الأفضل، فهل يبدو هذا كافيًا لاستدعائها للمنتخب؟

الإجابة: لا. لأن مدربي المنتخبات لا يبحثون عن أفضل لاعب في كل مركز لكنّهم يبحثون عن اللاعب الأنسب وفقًا لخطة اللعب التي يتبناها كل منهم. ويستثنى من ذلك اللاعبون أصحاب الإمكانات الفنيّة المتميزة للغاية التي تُجبر المدرب تعديل خطة اللعب في بعض الأوقات.

وقَصْرُ الحديث هنا على مدربي المنتخبات لأنهم يجتمعون بلاعبيهم فترة زمنية قليلة تجعل الهامش المتاح لتطويرهم فنيًا وبدينًا صغير للغاية.

نعود لهيكتور كوبر. المدرب الأرجنتيني له أفكار لا يتخلى عنها مطلقًا. يعتمد على التنظيم والصلابة الدفاعية بشكل أساسي لحماية المرمى من استقبال الأهداف، ثم يلجأ للهجمات المرتدة لاقتناص الفوز من الخصم.

وسواء لعب المنتخب بطريقة (4-2-3-1) أو (4-4-1-1) أو (4-4-2) فإن كوبر لا يتخلى عن قناعاته التي بدت منذ الوهلة الأولى بعيدة تمامًا عن شخصية المنتخب المصري الذي اعتاد تقديم كرة هجومية، وهي الشخصية التي عززها الجيل السابق للمنتخب، والذي وصف بأنه الجيل الذهبي للكرة المصرية بعد أن حصد كأس أمم أفريقيا لثلاث مرات متتالية في إنجاز غير مسبوق.

منذ أول يوم له مع المنتخب، بدأ كوبر البحث عن هؤلاء اللاعبين القادرين على تنفيذ أفكاره بغض النظر عما إذا كانوا هم الأفضل في مراكزهم من وجهة نظر الجماهير والنقاد. ونذكر أنه أصر على ضم محمود حسن تريزيجيه وكان يدفع به أساسيًا مع المنتخب في الوقت الذي كان لا يشارك مطلقًا مع فريق أندرلخت البلجيكي. فضّل كوبر تريزيجيه على رمضان صبحي الذي كان يشارك في المركز نفسه مع الأهلي المصري في تلك الفترة وكان يقدم مستوى مميزًا للغاية. والسبب بسيط؛ رمضان لا يلتزم بالتعليمات الدفاعية مثل تريزيجيه.

قد يفسّر لنا هذا المنطق، منطق "الأنسب لا الأفضل"، اختيارات كوبر لبعض اللاعبين في قائمة المونديال. فمثلًا يفضل كوبر أن يتمركز ثنائي المحور في وسط الملعب بالقرب من المدافعين. وأن يقدما أداءً بسيطًا يعتمد على التمريرات السريعة الآمنة دون أي مخاطرة. لا يريد لاعبًا يحاول المراوغة في قلب الملعب فيفقد الكرة وتشكل خطورة على المرمى.

هذا قد يفسر لنا تفضيله سام مرسي لاعب ويجان الإنجليزي على محمود عبد العزيز لاعب الزمالك الذي يحاول الاحتفاظ بالكرة ويركض للأمام تاركًا خلفه فراغًا كبيرًا قد يعرض المدافعين لبعض الخطر.

وكذلك في مركز الظهير، يُقيد المدرب الأرجنتيني ظهيريه بتعليمات دفاعية صارمة تجعل تقدمهما للأمام والمشاركة في الهجوم قليل جدًا، وهذا يفسر لنا عدم استدعاء لاعب مثل محمد حمدي الظهير الأيسر للنادي المصري رغم تألقه في الموسم الماضي. والسبب أن اللاعب الشاب الذي يتميز بانطلاقاته وتمريراته العرضية المتقنة لا يملك الصلابة الدفاعية اللازمة لخطة كوبر.

اللاعب الوحيد الذي لم يحكمه هذا المنطق في اختيارات كوبر، وقد يبدو الأمر غريبًا لكثيرين، هو محمد صلاح. فهدّاف الجيل الحالي من المنتخب لا يقوم بالمهام التي يطلبها كوبر عادة من الجناح المهاجم.

لا يرتد صلاح إلى الخلف ليصل إلى منطقة جزاء المنتخب حين يفقد الكرة، وهذا الأمر كان يُعرّض الظهير الأيمن لأعباء إضافية لكن هل يمكن للمدرب أن يستغني عن صلاح؟ بالتأكيد لا. لذلك بحث كوبر عن العديد من الحلول كأن يعود عبدالله السعيد ليدافع على الجبهة اليمنى بدلًا من صلاح، أو ينتقل النني لتلك الجبهة ويعود عبدالله السعيد إلى العمق بجوار طارق حامد. هنا فقط، في حالة صلاح، طوّع كوبر خطته لتناسب أداء لاعبه الأبرز والعنصر الاهم في منظومة الفريق الهجومية.

اختلال التوازن

ما يعيب تلك القائمة، من وجهة نظري، هو اختلال توازنها بسبب بعض اختيارات المدرب الأرجنتيني.

يسمح الاتحاد الدولي للمنتخبات المشاركة في كأس العالم بضم 23 لاعبًا. ما يعني أن بإمكان كل منتخب أن يوفر لاعبًا بديلًا لكل مركز داخل الملعب عدا حراسة المرمى حيث يتواجد بديلان للحارس الأساسي.

الخلل في بعض القوائم يأتي حين يُفضّل المدرب استدعاء أكثر من لاعبيْن اثنين في أحد المراكز، ومع كوبر كان هناك خلل في كأس الأمم الأفريقية، وتكرر الأمر في القائمة المستدعاة لكأس العالم.

في بطولة الجابون، اكتفى كوبر ببديل واحد للثنائي طارق حامد ومحمد النني في وسط الملعب وهو إبراهيم صلاح. وضم ثلاثة لاعبين في مركز الظهير الأيمن هم أحمد فتحي وأحمد المحمدي وعمر جابر.

وخلال المنافسات تعرض النني للإصابة، ولم يقدم البديل إبراهيم صلاح الأداء المنتظر فاضطر المدرب للاعتماد على أحمد فتحي في المحور بدلًا من النني ومنح أحمد المحمدي مهام الظهير الأيمن. أمّا عمر جابر فكان نصيبه من المشاركة في البطولة كلها 14 دقيقة فقط.

وفي قائمة مونديال روسيا تكرر الأمر نفسه، وفي نفس المركز أيضًا. حيث لم يضم كوبر بديلاً للنني وطارق حامد سوى سام مرسى فقط. وضم الثلاثي المذكور سابقًا في مركز الظهير الأيمن.

يعكس هذا القرار قناعة كوبر بقوة وصلابة أحمد فتحي في منتصف الملعب وقدرته على أداء المهام الدفاعية المطلوبة منه بشكل تام، لكنه في الوقت نفسه يصيب قائمة الفراعنة بقدر من عدم الاتزان فإذا لم يتعرض أي من ثنائي الوسط للإصابة أو الإيقاف خلال المونديال، وشغل أحمد فتحي مركزه المعتاد فإن لاعبًا على الأقل سيكون خارج الحسابات تمامًا وفي الأغلب سيكون عمر جابر.

وإذا كان المدرب قد قرر الاكتفاء باللاعب سام مرسي كلاعب بديل لثنائي الوسط، فكان من الأولى أن يعزّز خط هجومه بلاعب إضافي بدلًا من الظهير الأيمن الثالث. لأن القائمة لا تضم سوى مهاجمًا واحدًا صريحًا هو مروان محسن بعد استبعاد أحمد حسن "كوكا".

وكان المنتخب قد عرف مثل تلك الازمة، أقصد أزمة اختلال التوازن بسبب اختيارات المدرب، قبل 12 عامًا خلال منافسات كأس الأمم عام 2006. وقتها اكتفى حسن شحاتة ببديل واحد في مركز قلب الدفاع هو أحمد السيد علمًا بأن المنتخب كان يلعب بثلاثة لاعبين في هذا المركز وفق طريقة لعب (3-5-2). والمصادفة أن شحاتة حين كان مضطرًا للبحث عن بديل يشغل هذا المركز في المباراة النهائية بعدما أصيب وائل جمعة، ولم يكن أحمد السيد يحظى بثقة كبيرة، كان هذا اللاعب هو أيضًا أحمد فتحي الذي أكمل المباراة في مركز قلب الدفاع او المسّاك.

محسومة مسبقًا

قد يفسر البعض إصرار كوبر على مجموعة بعينها من اللاعبين على أنه خوف مبالغ فيه أو تحفظ زائد عن الحد لكنّ الحقيقة أن المنتخبات عمومًا تعاني من تلك الحالة؛ إذ أنها لا تلجأ إلى عمليات الإحلال والتجديد الجذري أو ما يُطلق عليه البعض "تغيير الجلد" بشكل مفاجئ اللهم إلا إذا قررت مجموعة كبيرة من اللاعبين الأساسيين اعتزال اللعب الدولي دفعة واحدة.

يكون التغيير في حدود ضيقة. ويرتبط بكم المواهب المتوفرة وجودتها أيضًا. ومن الممكن أن نلاحظ أن كثيرًا من المنتخبات المشاركة في المونديال الحالي لم تشهد قوائمها تغييرات جذرية عن آخر بطولة شاركت فيها.

وفي قائمة المنتخب المصري يتواجد 18 لاعبًا شاركوا مع الفراعنة في كأس إفريقيا بالجابون في يناير قبل الماضي.

لذا لا يمكن تفسير بعض الانتقادات الحادة التي توجّه لاختيارات كوبر اللاعبين، رغم أنها كانت شبه محسومة من قبل انطلاق المعسكر، إلا باعتبارها جزء من الرفض التام لكل ما يمثله المدرب الأرجنتيني من أفكار وفلسفة تدريبية، او أنها امتداد لحالة الأمل الخادع التي تصيب بعض الجماهير حين يظنون أن المدرب الأرجنتيني العنيد قد يعدّل من أفكاره استجابة لهم.