أيام المونديال | شبح البرازيل يخيّم على روسيا: هل تنتصر موسكو اقتصاديا في كأس العالم؟

الدول المستضيفة للمونديال في النسخ السبع الأخيرة حققت نموا متفاوتا في الناتج الإجمالي المحلي بنهاية عام البطولة عدا حالة واحدة: البرازيل 2014. قد تمثل الحالة البرازيلية نذير شؤم للروس في الجانب الاقتصادي مع وجود أوجه تقاطع كثيرة بين النموذجين.. فهل تفعلها موسكو؟

في موسكو وحول العالم، تحول العد التنازلي إلى الساعات والدقائق عوضا عن الأيام في انتظار إطلاق صافرة البداية لمونديال 2018 على الأراضي الروسية.

وربما لا تكون طموحات منتخب البلد المضيف كبيرة في المضي بعيدا في نهائيات كأس العالم، لكن ماذا عن الربح الاقتصادي من وراء الحدث الكروي الأهم؟

روسيا فازت بشرف تنظيم المونديال بعد منافسة من ملفات مشتركة قوية كـ "بلجيكا/هولندا" و"البرتغال/إسبانيا" وملفات منفردة تستند إلى الإرث والبنية التحتية الكرويتين متمثلة في الملف الإنجليزي.

وقت إعلان روسيا عزمها على الترشح للاستضافة، كشف تقريرها المبدئي المقدم للاتحاد الدولي للعبة (فيفا) استعدادها لإنفاق قرابة 10 مليارات دولار أمريكي لتنظيم البطولة، وهو الرقم الذي زاد قرابة المليارات الأربعة خلال الفترة بين إعلان الفوز بالاستضافة وانطلاق الفعاليات.

بكلمات فيتالي موتكو وزير الرياضة في البلاد، والذي تلقى توجيها مباشرا من الرئيس فلاديمير بوتين بتجهيز ملف الترشح، في مايو 2009 "الترشح لاستضافة كأس العالم ليس قرارا بسيطا بالنسبة لوزارة الرياضة أو الحكومة حيث أن هناك مشاكل مالية".

إذا ما الذي قد يجنيه الاقتصاد الروسي من تحمل مثل هذه الكلفة؟

قبل أربعة أشهر على صافرة البداية للمونديال، أشار البنك المركزي الروسي إلى أن الإنفاق على الاستعدادات للبطولة ساعد بالفعل في دعم الاقتصاد، الذي عاد إلى النمو في 2017 بعد عامين من التباطؤ.

وأوضح في تصريحات نقلتها وكالة "رويترز" أنه "فيما يتعلق بالربعين الثاني والثالث من 2018، فإن التأثير الإيجابي القصير الأجل على الاقتصاد الروسي يتمثل في نمو في الوظائف وزيادة في الطلب على المنتجات الاستهلاكية والخدمات".

لنضع هذه التصريحات في سياق رقمي: وفقا لدراسة صدرت الشهر الماضي عن معهد جايدار للسياسة الاقتصادية، وهو مركز بحثي روسي مستقل، فإن الناتج الإجمالي المحلي الروسي ارتفع بمقدار 1.5% في 2017 عن العام السابق (ليصل إلى نحو 1.45 تريليون دولار) مع اقتراب الحدث الكروي الكبير ويقول محللون في المعهد ذاته إن المونديال سيضيف حوالي 0.2% إلى النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي في الربعين الثاني والثالث من 2018.

لكن البنك المركزي حذر أيضا من أن المونديال قد يسفر عن ارتفاع على معدلات التضخم في البلاد "هناك احتمال لزيادة صغيرة وقصيرة الأجل في أسعار بعض السلع والخدمات وهو ما سيؤدي إلى أرباح لعدد قليل من الشركات".

أكبر من مسألة حياة وموت.. واقتصاد؟

هناك مزحة شهيرة، ذات مغزى، للمدير الفني الأسطوري لليفربول بيل شانكلي تقول "البعض يظن كرة القدم مسألة حياة وموت، أؤكد لك أنها أكثر جدية من ذلك بكثير".

وبالنسبة لروسيا، قد لا تعني الفائدة الاقتصادية الكثير عندما يتعلق الأمر بكأس العالم. ورغم إصرار مسؤولي اللجنة المنظمة للبطولة على أن المونديال سيدر أرباحا اقتصادية على مدى العقد المقبل، وهو ما تعارضه تقارير المؤسسات الاقتصادية الدولية، فإن موسكو تبدو معنية أكثر بـ "شحذ الشعور الوطني داخليا" و"الخروج من حالة العزلة الجزئية دوليا" حسب تعبير إيليا شومانوف نائب مدير منظمة الشفافية الدولية في روسيا، في تصريحات لصحيفة إندبندنت البريطانية.

وعلى ذلك لا توجد أصوات روسية، حكومية، تعارض إنفاق مبالغ طائلة قد لا تدر أرباحا إذا كان هذا هو المقابل، برأي شومانوف.

وكالة "موديز" للتصنيفات الائتمانية في تقرير نشرته نهاية الشهر الماضي توقعت ألا يدوم التأثير الاقتصادي الإيجابي للمونديال على روسيا طويلا. وتقول كريستين ليندو نائبة رئيس الوكالة إن "التحفيز الاقتصادي (المرتبط بالمونديال) سيبدو باهتا بالمقارنة بحجم الاقتصاد الروسي".

وتتابع موضحة "نحن لا نتوقع أن يقدم كأس العالم مساهمة فعالة للنمو الاقتصادي (في روسيا)".

في الماضي.. من ربح ومن خسر؟

حسب بيانات لمؤسسات مالية دولية، من بينها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن الدول المستضيفة للمونديال في النسخ السبع الأخيرة حققت نموا متفاوتا في الناتج الإجمالي المحلي بنهاية عام البطولة عدا حالة واحدة: البرازيل 2014.


قد تمثل الحالة البرازيلية نذير شؤم للروس في الجانب الاقتصادي مع وجود أوجه تقاطع كثيرة بين النموذجين.

حسب دراسة نشرها "كومرتزبانك"، أحد أكبر البنوك الألمانية، الأسبوع الماضي حول التأثيرات الاقتصادية لاستضافة الحدث الكروي الكبير: البرزايل أنفقت زهاء 11.5 مليار دولار لتنظيم المونديال وهو يفوق ما أنفقته كلا من ألمانيا وجنوب إفريقيا على النسختين السابقتين (نحو 7.8 مليار دولار لكلا البلدين).

وساهم القطاع الخاص في 16% فقط من الإنفاق البرازيلي على استضافة كأس العالم وهو ما يقارب الحالة الروسية، حيث يشير تقرير لصحيفة "موسكو تايمز" في أكتوبر الماضي إلى أن نحو 28% من إجمالي الإنفاق ستغطيه شركات من القطاع الخاص أو شركات تدار من قبل الدولة. في المقابل فإن استضافة الأحداث الرياضية الكبرى، ككأس العالم والأوليمبياد، هي قرارات "عالية المخاطرة" حسبما يرى الاقتصادي المختص بالشؤون الرياضية أندرو زيمبالست في كتابه "السيرك الأعظم"، وقد يكون ذلك هو الأمل الوحيد لروسيا في الخروج بنصر اقتصادي من كأس العالم.


اقرأ أيضًا في أيام المونديال: رحلة الفرجة من التليفزيون الملون إلى الـ IPTV