أيام المونديال | من سيفوز بالكأس؟ أنت تسأل والذكاء الصناعي يجيب

إن الاحتمال الأكبر يعني حظوظا أوفر لكنه لا يعني تفوقا أبديا بأية حال.

في مونديال روسيا 2018 وبعيدًا عن نتائج المباريات وتحليل مستويات الفرق المختلفة، طورت جامعة كامبردج في بريطانيا برنامج ذكاء اصطناعي اسمه باولو، يستطيع من خلال تحليل آلاف المعلومات عن المنتخبات المشاركة في البطولة ولاعبيها ومدربيها وفترات إعدادها وتصنيفها بل وحتى طبيعة طقسها، توقع نتائج كل مباريات البطولة وصولًا إلى نهائي بين البرازيل وإسبانيا.

باولو ليس الوحيد، فقد طور باحثون في الجامعة الألمانية التقنية في دورتموند برنامج ذكاء اصطناعي آخر خلص إلى نتائج مختلفة بعض الشيء عن باولو، وانحاز إلى مسقط رأسه ألمانيا ومنحها أفضلية الحفاظ على لقبها لتكون ثالث فريق في تاريخ المونديال يحقق ذلك الإنجاز بعد إيطاليا (1934 - 1938) والبرازيل (1958 - 1962).

من بول إلى باولو.. شغف المعرفة

معرفة المستقبل رغبة مترسخة في الإنسان. ربما لأن المعرفة تضمن الحماية والأمان متى تم استغلالها بالشكل الأمثل، لذا لم يكن غريبا أن تقاس أهمية المعلومة بندرتها.

انعكست هذه الحقائق على عالم المراهنات. ليس مفاجئا أن يستفيد أولئك الذين يأخذون مخاطرات أكبر بأعظم المكاسب. كلما ابتعدت عن الاختيارات الآمنة المعتادة للجمهور، كلما كانت احتمالات خسارتك أعلى على الأغلب لكنك متى كنت محقا فيما ذهبت إليه فستحصد أرباحًا هائلة. إن هذه حقيقة مؤكدة لا تخص عوالم المراهنات بل الحياة بشكل عام، لا يدانيها غير حقيقة أنه مهما كانت النتائج فهامش ربح نوادي المراهنات ثابت ومؤكد ومضمون.

في 2010 عندما استعانت اللجنة المنظمة لمونديال جنوب أفريقيا بأخطبوط اسمه بول لأغراض تسويقية. كان الأخطبوط عشوائيًا تمامًا فيما يذهب إليه والحدث لا يحمل أي دلالات أو أهمية علمية، ولكن الكاميرات جميعها موجهة إليه ترصد كل حركاته؛ لتسجل راية البلد الذي سيستقر عنده؛ ليكون هو الرابح بالمباراة.

لقد حقق بول حينها نجاحات كبيرة، ما فتح بابًا لظهور الكثير من الحيوانات المتنبئة في دورات كأس العالم وكأس اوروبا بل الدوريات الأوروبية التالية؛ لنشاهد السلحفاة كابيساو والبقرة السايكو والخنزير السايكو وحيوانات السرقاط وأخيرا القط أخيل الذي يعيش في متحف الأرميتاج بمدينة سانت بطرسبرج.

يشبه الأمر ربما ما كانت تقوم به الشعوب الأولى من إطلاق الطيور قبل الحرب ورصد الجهة التي سيطيرون نحوها وبناء على تلك الجهة يتحدد أمر تلك الساعة، إن كانت مواتية للخروج أم ساعة نحس.

إلا أن هذا العام قد شهد تطورا مغايرا، فبعد بول لدينا أخطبوط من نوع آخر، يملك أذرعًا عديدة إلا أنه يعيش على شاشة جهاز كمبيوتر وتتحكم في حركته خوارزمية تحلل الفرق وفقا لعوامل متعددة قبل أن تشير إلى الفرقة الفائزة.

إن أي محلل حقيقي يستعين في توقعاته بعوامل يحددها هو كي يخلص إلى الفريق الفائز، هذه العوامل تتضمن النتائج القريبة، اللاعبين وجاهزيتهم، عوامل الأرض والجمهور، الجهاز الفني وربما التوفيق وغيره وما إلى ذلك ثم يستخدم ذلك المحلل حدسه ويخرج بنتائج يعلنها غير أن باولو الأخطبوط يحول تلك العوامل إلى أرقام ويجري حسابات مطولة محاولا أن يكون دقيقا ليعلن عن نتائجه بمنطقية ودقة.

ما الذي توقعه الأخطبوط باولو؟

لقد باولو،

مع كل التكهنات والتوقعات التي منحت المنتخب المصري فرصًا أكبر للفوز على روسيا ومن ثم التأهل إلى الدور الثاني في كأس العالم، توقع باولو أن تخسر مصر وتخرج من دور البطولة الأول، وهو ما حدث.

يقبع المنتخب السعودي في المركز 67 في تصنيف فيفا للمنتخبات، بينما المنتخب الروسي في المركز 70 وهما أضعف فريقين يشاركان في بطولة كأس العالم، إلا أن برنامج الذكاء الصناعي الذي دخل حلبة التكهنات والتوقعات هذا العام كان متيقنا من أن ظاهرة هذا العام اللاعب الفذ محمد صلاح -حتى وإن شارك بكامل لياقته ومستواه- لن يكون قادرا على صناعة الفارق بمفرده وأن مصر ستخرج من الدور الأول ولن يدعم تواجدها في هذه المجموعة السهلة من حظوظها في التأهل.

كما أشرنا، خروج المنتخب المصري والسعودي من الدور الأول وصعود منتخبي أوروجواي وروسيا، وأيضًا أن تكون المغرب هي الحصان الأسود للمجموعة الثانية، ربما أدى الفريق المغربي بشكل رائع بالفعل إلا أن باولو قد توقع وصول المنتخب المغربي وخروج البرتغال.

خوارزميات باولو الدقيقة لم تستطع فيما يبدو التنبؤ بالهزيمة الغريبة للمنتخب المغربي من نظيره الإيراني والتي لم تكن معبرّة بكل تأكيد عن سير أحداث المباراة، مثلما لم يتوقع أيضًا هزيمة المغرب من البرتغال والتي كانت بسبب تألق غير عادي لكريستيانو رونالدو.

يبدو أن الذكاء الصناعي لا يؤمن كثيرا بأن شخصًا واحدًا قادر على صنع الفارق.

أيضًا أشار باولو إلى صعوبة المجموعة الثالثة غير أنه تنبأ بتمكن فرنسا من المرور بخمس نقاط فقط، رفقة بيرو صاحبة ثاني أفضل الحظوظ في التأهل من هذه المجموعة.

ربما يكون الذكاء الصناعي محقا في صعوبة المجموعة لكن يبدو أن نتائج ما لعب من مباريات في الدور الأول من دوري المجموعات يمنح بعض التفوق للدنمارك على حساب بيرو خاصة بعد أن تلقت بيرو هدفا في مرماها، ربما على غير سير الأحداث كذلك.

المجموعة الرابعة التي تضم كل من الأرجنتين وكرواتيا وأيسلندا ونيجريا، توقع الذكاء الصناعي وصول كرواتيا كأول المجموعة بسبعة نقاط، تليها الأرجنتين التي ستمر بصعوبة بأربع نقاط. قدمت أيسلندا مباراة قوية جدا ربما لم يتوقعها الذكاء الصناعي فقد عقد رهاناته على المنتخب النيجيري الذي أشار إلى أن سينافس بقوة لكنه سيخرج بعد أن يحل ثالثا.

توقع باولو أن تكون المجموعة الخامسة بلا مفاجآت، توقع صعود البرازيل على رأس المجموعة ومجئ صربيا ثانيا غير أن تعادل البرازيل مع سويسرا في أولى المباريات ربما يمثل تحديا كبيرا لهذا التوقع.

أما المجموعة السادسة فقد راهن الذكاء الصناعي على فوز منطقي لمنتخب ألمانيا، الماكينات التي لا تتوقف أو تعطل بكل النقاط كاملة ليأتي على رأس مجموعته بتسع نقاط كاملة بينما تأتي السويد ثانية بست نقاط. لم يتوقع باولو وأرقامه أبدا أن تصنع المكسيك المفاجأة المدوية وتتفوق على المنتخب الألماني وتقتنص هي النقاط الثلاث الأولى لتتعقد هذه المجموعة كثيرا.

انعقد رهان باولو في المجموعة السابعة على منتخب إنجلترا حيث توقع فوزه على كل من تونس وبنما قبل أن يتعادل مع بلجيكا ويصعد كأول المجموعة بفارق الأهداف فقط عن منتخب بلجيكا المتألق والمفعم بالنجوم. علينا أن نعرف أن باولو هذا يدين في وجوده إلى جامعة كامبريدج ففريق بحثي منها هو الذي قام ببرمجة خوارزميته.

توقع باولو للمجموعة الثامنة كان عبور اليابان أولا وكولومبيا ثانيا رغم تأقلهما الكبير في المونديال السابق. وقد شهدت هذه المجموعة تألقا حتى الآن لمنتخب السنغال قد يغير من الحسابات لم تتنبأ به الخوارزمية.

الأدوار الأخرى

بحسب تلك التوقعات افترض الذكاء الصناعي أنه في الدور الثاني ستفوز فرنسا على الأرجنتين، والأورجواي على المغرب، وإسبانيا على روسيا، وكرواتيا على بيرو، والبرازيل على السويد، وكولومبيا على إنجلترا، وصربيا على ألمانيا، واليابان على بلجيكا.

وفي دور الثمانية ستفوز فرنسا على أورجواي والبرازيل على كولومبيا واليابان على صربيا وإسبانيا على كرواتيا، لتفوز إسبانيا على اليابان في نصف النهائي، بينما تقصي البرازيل فرنسا ثم إسبانيا في النهائي، لتفوز بكأس العالم.

النسب والمعوقات

إن تلك التوقعات قائمة على حساب الاحتمالات. عندما تلقي بقطعة نقدية للأعلى فهناك احتمال أن يكون الوجه المكشوف بعد سقوطها على الأرض هو وجه الملك أو الكتابة بنسبة خمسين بالمائة.

هكذا مباريات كرة القدم أو أي تنبؤ هناك احتمالات. إن قلنا مثلا إن احتمالات فوز مصر بمباراتها مع روسيا هي 30 بالمئة، فمعنى ذلك أننا لو أقمنا تلك المباراة مائة مرة فستفور روسيا في سبعين مباراة بينما ستقتنص مصر الفوز في ثلاثين، تبدو هذه النتيجة في صالح روسيا بشكل كبير لكن في أحيان كثيرة تكون هذه النسب متقاربة جدا.

إن الاحتمال الأكبر يعني حظوظا أوفر لكنه لا يعني تفوقا أبديا بأية حال وكلما كان فارق النسب أكبر كلما كانت حظوظ صاحب الفارق لصالحه أوفر.

إحدى أكبر المعوقات تكمن في أن متغيرات بسيطة من غير المستطاع أخذها في الحسبان قد يكون لها أثر عظيم. إصابة غير متوقعة في كتف محمد صلاح تخرج بالمنتخب المصري من الأدوار الاولى، ذبابة تهاجم عين ميسي بينما يسدد ضرية جزاء تطيح بمنتخب الأرجنتين، خفقة جناح فراشة في الصين تتسبب في إعصار في الولايات المتحدة الأمريكية، دور برد يصيب الحضري يتسبب في هزيمة مصر في المباراة النهائية في بطولة أفريقيا، سباب يتلقاه زيدان يفقد على إثره أعصابه فيعتدي على لاعب الفريق الخصم ليُطرد وتخسر فرنسا مباراتها النهائية في كأس العالم.