شبهات مخالفة الدستور تلاحق مشروع قانون تحصين كبار ضباط الجيش

خروج عن الشرعية القانونية والدستورية للدولة المصرية، ومعها الشرعية الجنائية لقانون العقوبات.. لا محل له من الإعراب

- فؤاد عبد النبي، أستاذ القانون الدستوري بجامعة المنوفية

بات إقرار مشروع قانون معاملة كبار قادة القوات المسلحة الذي يمنح حصانة قضائية ومميزات مالية لبعض قادة الجيش الذين يحدد الرئيس أسماءهم، وشيكًا، وذلك بعد أن وافق عليه مجلس النواب بصورة مبدئية عصر أمس الثلاثاء، رغم شبهات عدم دستورية بعض مواده، حسبما ذكر فقيه دستوري لـ المنصّة.

ويمنح مشروع القانون، الذي يتكون من ست مواد، رئيس الجمهورية حق تحديد أسماء قادة الجيش المخاطبين بالقانون، والذين يلتزمون بخدمتها طوال حياتهم، مقابل منحهم المميزات المقررة للوزير ما لم يكن أحد هؤلاء القادة قد شغل منصب الوزير أو منصبًا أعلى، كما يمنع ملاحقتهم قضائيًا عن أي فعل ارتكب خلال فترة تعطيل العمل بالدستور إلا بموافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ويمنحهم الحصانة المقررة للدبلوماسيين أثناء تواجدهم خارج البلاد.

وأثناء تعطيل العمل بالدستور منذ الثالث من يوليو/ تموز 2013، وقعت عدة أحداث عنف بين محتجين وقوات من الجيش والشرطة راح ضحيتها أكثر من ألف شخص، كان أبرزها مذبحة فض اعتصامي رابعة العدوية وميدان نهضة مصر، واشتباكات الحرس الجمهوري.

مَن الكبار؟

ينص القانون في أولى مواده على استدعاء الضباط من كبار قادة القوات المسلحة الذين يصدر بأسمائهم قرار من رئيس الجمهورية، لخدمة القوات المسلحة مدى حياتهم. ويكون الاستدعاء لمن يشغل منهم منصبًا أو وظيفة خارج القوات المسلحة فور انتهاء شغله لهذا المنصب أو تلك الوظيفة.

ذكر مشروع القانون عبارة "كبار القادة" دون توضيح للرُتب العسكرية التي تنطبق عليها هذه الصفة، ما دعا أستاذ القانون الدستوري بجامعة القاهرة، رأفت فودة، للتحذير من "عيب تشريعي"، خاصة لو لم يكن اﻷمر مُحددًا مِن قبل في قوانين عسكرية أخرى، على حد قوله في تصريحات هاتفية لـ المنصّة.

لكن فودة أثنى، في الوقت نفسه، على هذه المادة "التي تجعل كبار رجال القوات المسلحة تحت الطلب والاستدعاء في أي وقت، للاستفادة من خبراتهم الطويلة وتسخير جهودهم بما يرفع مستوى التدريب والجاهزية".

في المقابل، تساءل الفقيه الدستوري فؤاد عبد النبي، أستاذ القانون الدستوري بجامعة المنوفية، عن الهدف من استدعاء كبار القادة من اﻷساس، مُرجحًا أن يكون للأمر صلة بما وقع قبل شهور مع الفريق سامي عنان، الذي اتُهم بمخالفة القانون العسكري، مُضيفًا "وحتى في هذه الحالة، القانون لن يُطبق بأثر رجعي، بحسب المادة 95 من الدستور".

واتفق الفقيهان الدستوريان على وجود صلة ما بين مادة الاستدعاء لكبار القادة وبين ما كان منذ أشهر مع الفريق عنان، الذي كان يشغل منصبًا قياديًا هو رئيس اﻷركان، إذ قال فودة إن مشروع القانون يُعالج نقطة مهمة أثارت جدلاً حين ظهرت أزمة عنان، حول الوضع القانوني للمستدعى "هل يحق له ممارسة حقوقه الدستورية منفردًا، أم لابد له من الرجوع واستئذان المجلس اﻷعلى".

وأمام تلك النقاط غير المحسومة، أكد الفقيه الدستوري شوقي السيد، أن فلسفة القانون لا بد وأن تخرج للنور، وفي أسرع وقت، عبر مذكّرته الإيضاحية، لكي توّضح حيثيات هذا التشريع، وهل نحن بحاجة لاستدعاء ضباط للقوات المسلحة بعد انتهاء خدمتهم؟ وهل هم بحاجة ﻷن تكون لديهم حصانة ومزايا؟

مزايا متعددة

عدد القانون المزايا التي ستُمنح للعسكريين الذين تشير إليهم المادة الأولى، فنصّ في مادته الثانية على أن "يُعامل المعاملة المقررة للوزير كل من لم يشغل من كبار قادة القوات المسلحة المشار اليهم فى المادة الأولى من هذا القانون منصب الوزير أو منصبًا أعلى، ويتمتع بجميع المزايا والحقوق المقررة للوزراء فى الحكومة".

أقر مجلس النواب، منتصف أبريل/ نيسان الماضي، تعديلات على القانون رقم 100 لسنة 1987 الذي كان يحدد مرتبات نائب رئيس الجمهورية، ورئيسي مجلسي الشعب والشورى، ورئيس مجلس الوزراء ونوابه، والوزراء.

بموجب هذه التعديلات ارتفع راتب الوزير إلى 42 ألف جنيه، وفقًا لما كشفته تقارير صحفية نقلاً عن الموازنة العامة الجديدة للدولة.

ونصّت المادة الثالثة على أن "يحدد بقرار من رئيس الجمهورية المزايا والمخصصات الأخرى التي يتمتع بها المخاطبون بأحكام هذا القانون. ويجوز الجمع بين المزايا والمخصصات المقررة بناءً على أحكام هذا القانون، وبين أي ميزة مقررة بموجب أي قانون آخر".

في إطار المزايا التي تُمنح للعسكريين، وافق مجلس النواب المصري، في أوائل يونيو/ حزيران الماضي، على مشروع قانون قدمته الحكومة أيضًا، بزيادة معاشات العسكريين بنسبة 15%، بدءً من يوليو/ تموز الجاري.

أما المادة الرابعة من القانون المقترح، فنصّت على "منح المشار إليهم فى المادة الأولى بقوة هذا القانون الأوسمة التى يصدر بتحديدها قرار من رئيس الجمهورية".

وأكد رئيس مجلس النواب علي عبد العال، خلال الجلسة العامة التي شهدت الموافقة المبدئية على القانون، إنه إذا كان به تمييز فإن هذا التمييز "إيجابي"، وطالب بعدم مقارنة مشروع القانون بالتشريعات الأجنبية "ﻷن لكل دولة خصوصيتها".

وفي الوقت نفسه، رفض اللواء ممدوح شاهين، مساعد وزير الدفاع، وصف القانون بأنه تمييزي، ودافع عنه قائلاً إنه "ليس به أي تمييز"، ودلل على ذلك بالقانون رقم 35 لسنة 76 الذي صدر إبّان حُكم الرئيس أنور السادات، لتكريم قادة حرب أكتوبر.

وعلى المنوال نفسه، دافع عن القانون أعضاء اللجنة البرلمانية المشتركة التي ناقشته، وكانت تتألف من أعضاء في لجان الدفاع والخطة والموازنة والتشريعية والعلاقات الخارجية، إذ ذكروا في تقريرهم، حسبما نقلت صحيفة اليوم السابع، أن كبار القادرة العسكريين "قدموا أرواحهم فداءً ﻷمن واستقرار الوطن ومصالحه العليا خلال أيام تاريخية (30 يونيو 2013)؛ ومصر لا تبخل عليهم بأي عطاء وتكريم وتأمين يستحقونه".

يقول الدكتور رأفت فودة عن مواد القانون من الثانية إلى السادسة إنها "لم تأت بواجبات أو قيود على كبار قادة القوات المسلّحة، وإنما تغدق عليهم العديد من المزايا، وإن كان مفهومًا أنها مقابل الاستدعاء".

.. وتحصين مزدوج

أكثر نصوص القانون إثارة للجدل، كانت التي أوردتها المادتين 5 و6، واللتين تنطويان على تحصين مزدوج، قضائي ودبلوماسي، لكبار القادة العسكريين.

تنص المادة الخامسة من القانون المقترح على أنه "لا يجوز مباشرة أي إجراء من إجراءات التحقيق أو اتخاذ أي إجراء قضائي فى مواجهة أى من المخاطبين بأحكام هذا القانون عن أى فعل ارتكب خلال فترة تعطيل العمل بالدستور وحتى تاريخ بداية ممارسة مجلس النواب لمهامه أثناء تأديتهم لمهام مناصبهم أو بسبها، إلا بإذن من المجلس الأعلي للقوات المسلحة".

بدأ تعطيل العمل بدستور مصر (نسخة 2012)، في 3 يوليو 2013 ، بإعلان من القيادة العامة للقوات المسلحة، ألقاه- آنذاك- وزير الدفاع الفريق أول عبد الفتاح السيسي، في ظل ما كانت تشهده البلاد من أحداث.

وفي تلك الفترة، ولمدة شهور تلتها، شهدت البلاد أحداث عنف واشتباكات بين قوات الجيش والشرطة وقطاع من اﻷهالي من جانب، وبين أنصار جماعة الإخوان المسلمين من جانب آخر، وكانت ذروة اﻷحداث هي فض اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، في منتصف أغسطس/ آب من العام نفسه، والتي لاقى النظام بسببها انتقادات دولية جرّاء عدد القتلى والمصابين والمقبوض عليهم في تلك الأحداث.

يشرح فودة هذه المادة من القانون بقوله إن اﻷمر لا يعدو كونه "حصانة إجرائية وليست موضوعية، إذ أنها تجعل من أمر محاكمة كبار القادة هؤلاء قرارًا بيد المجلس اﻷعلى للقوات المسلحة".

لكن عبد النبي يشير إلى أن تقييد إجراءات المحاكمة، يتنافى والمادة 94 من الدستور التي تؤكد خضوع الدولة كلها للقانون، والمادة 5 التي تُقرّ مبدأ تلازم المسؤولية مع السلطة، باﻹضافة إلى أنه نصّ "يُصادر حقوق القضاء المكفولة في المواد 184 وإلى 199 من الدستور".

وحذر الفقيه الدستوري من أن هذه المادة تهدد بـ"خروج عن الشرعية القانونية والدستورية للدولة المصرية، ومعها الشرعية الجنائية لقانون العقوبات"، واصفًا مشروع القانون ككل بأنه "لا محل له من اﻹعراب".

بذكر هذه المواد الدستورية جميعها، التي يشتبه بأن المادة الخامسة تخالفها، قال الفقيه الدستوري شوقي السيد "النص ده طبعًا فيه شبهة عدم دستورية".

تنص المادة السادسة على أن "يتمتع المخاطبون بأحكام هذا القانون أثناء سفرهم خارج البلاد بالحصانات الخاصة المقررة لرؤساء وأعضاء البعثات الدبلوماسية طوال مدة خدمتهم وكذا مدة استدعائهم، وعلى وزارة الخارجية اتخاذ كافة اﻹجراءات اللازمة لذلك".

وتمنح اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية1961، العديد من المزايا للدبلوماسيين، من بينها حظر سجن أو اعتقال أو تقييد حُرية أحد أعضاء البعثات الدبلوماسية والقنصلية، إلا تنفيذًا لقرار قضائي نهائي.

وطالب السيد اللجنة التشريعية بمجلس النواب بإعادة النظر في هاتين المادتين، بينما أكد عبد النبي أن الحصانة الدبلوماسية تُمنح لأشخاص يقومون بمهام معينة، بينهم مثلاً المستشارين العسكريين للسفارات، وذلك خلال فترة عملهم فقط، واعتبر مد مظلة الحصانة لفئة معينة "يخلق نوعًا من التمييز، يخالف المادة 53 من الدستور. والمادتين 9 و19 الخاصتين بمفاهيم المواطنة والمساواة وعدم التمييز".

لكن على العكس من رأي الفقيهين، نفى فودة أي شبهة لعدم الدستورية، بقوله إن هذه النصوص وإن كانت تُعطي مزايا لكبار القادة، إلا أنها لا تعطيها لشخص معين بذاته بالمخالفة لمبدأ المساواة، بل لكبار القادة، أي فئة محددة بأمر موضوعي وليس شخصي، ما يجعل القانون يتماشى والدستور.