هل أنت حر حقًا؟

تشير معظم التجارب إلى أن أولئك الذين يعتقدون في الحتمية يُظهرون عدم تعاطف ولا مبالاة أكبر تجاه الآخرين، كما أنهم أكثر عدوانية ونزوعا للإيذاء مقارنة بمن يؤمنون في حرية الإنسان وفي قدرته على الاختيار.

ربما تظن أنك اخترت بإرادتك أن تستذكر دروسك، أو أن تضيِّع الوقت في ألعاب الفيديو، أو تظن أنك اخترت أن تطيع رغبة والديك أو تتحداها في اختيار كليتك. ربما تؤمن أنك اخترت زوجتك أو اخترتِ زوجك، أو ترتاح لفكرة أنك اتخذت قرارًا سليما بعدما فاضلت بين فيلم سهرة الأمس ومباراة الكرة واخترت أحدهما. ربما تظن أنك قد اخترت عملك أو مكان قضاء إجازتك، أو امتلكت المفاضلة بين أن تأكل وجبة دسمة أو ترغم نفسك على الرجيم، أو تعتقد أنك اخترت التبرع لأعمال الخير أو قررت سرقة أموال زميلك، أو حتى اللوذ بالمسجد والبكاء تضرعا طلبا للتوبة.

كذلك ربما تظن أن إكمالك لهذا المقال أو الانصراف عنه يعود قراره لك. هل تريد أن تعرف؟ أعتقد أن عليك أن تستكمل قراءة المقال إذا.

تاريخ من الحيرة

لقد أرق ذلك السؤال الفلاسفة، هل الإنسان يمتلك إرادة حرة؟ أم أن كل خياراته تقع ضمن حدود ناموس كوني أكبر؟ هل اختيارات الإنسان التي تبدو ظاهريا حرة، هي مجرد استجابة لقوانين ثابتة وردة فعل على قواعد صارمة لا مجال للاختيار فيها، وتنفيذ لإملاءات صارمة وإن تبدَّى للإنسان العكس؟

لقد بدأ إدراك الإنسان لتلك المعضلة الفكرية مبكرًا جدًا، تاريخ الأفكار الإنسانية يمتلئ باجتهادات في هذا الشأن، بدأت منذ الفلسفة الإغريقية، وامتدت حتى الفلاسفة المعاصرين وأثرت فيها النظرة العلمية لفهم أبعاد العالم بصورة كبيرة.

ينقسم الفلاسفة وأصحاب الرأي إلى قسمين كبيرين: القسم الأول يؤمن في حرية مطلقة للإنسان، فهو الذي يختار ولا سلطان لشيء عليه، بالطبع يكون ذلك متى تعددت الاختيارات أمامه، ومتى لم يكن أحدهم يصوب مسدسا إلى رأسه بينما يفاضل بين الخروج في نزهة أو البقاء في المنزل، بين الانتحار هربًا من الفقر أو سرقة المارة بالإكراه.

أشهر الفلاسفة الذين تبنوا فكرة حرية الإرادة، كان الفيلسوف المثالي إيمانويل كانط. يرى كانط أن الطبيعة البشرية تقوم على ثنائية المادة والعقل (الجسد والعقل). تخضع المادة (الجسد) إلى حتمية السبب والنتيجة وهي خاضعة تمامًا للقوانين. أما العقل فيقع خارج تلك السلسلة، لذا ففي مقدوره الاختيار. وبالتالي فالإنسان يمتلك حرية الاختيار والإرادة.
قليل من الفلاسفة المعاصرين ما زالوا يؤمنون في تلك الحرية المطلقة، على رأسهم على سبيل المثال فيلسوف العلم الشهير كارل بوبر، الذي ظل يعتقد في تلك الثنائية، ويهاجم بشدة كل حتمية أو دلائل تاريخانية ترجح العكس. فالمادة عنده تتبع القوانين التي كشف عنها العلم، لكن شأن العقل مختلف.

القسم الثاني يعتقد في وجود حتمية تحكم كل تصرفات الإنسان، فأنت في الحقيقة لا تختار وإنما تفعل قوانين العالم وملابسات الأحداث وطبيعتك التي خُلقت عليها فعلها، فتُقدِم على ما تظن أنك قد اخترته. أنت لا تختار لكن كيمياء دماغك تفعل، وكذلك فيزياء الكون والفسيولوجيا.

إلا أن هؤلاء الحتميين ينقسمون إلى قسمين: الأول منهم حتميته حتمية صلبة، لا مجال فيها للاعتراف بأي حرية للإنسان؛ والثاني حتميته مرنة، تنظر إلى الكون باعتباره محكوم بقوانين لا يمكن خرقها توجه أحداثه؛ لكن الإنسان قد يكون فاعلا بطريقة أو أخرى. أحد أشهر وأقدم من اعتنق وجهة النظر هذه كان أرسطو.

تمثال أرسطو في حديقة أرسطو باستاجيرا اليونانية - موقع جامعة بيركلي

يرى أرسطو أن الإنسان محكوم بقواعد وقوانين، وبطبيعته هو ذاته. لكنه كذلك يملك خيارًا ضمن تلك الحدود المفروضة عليه من الكون، ومن طبيعته الشخصية. ليس ذلك فقط؛ بل يمكن للإنسان مع التعلم أن يغير من طبيعته تلك التي تفرض عليه خياراته، وبالتالي يطور منها ومن خياراته التي تتاح له.

قد ينتقد البعض وجهة النظر تلك باعتبارها صورة أخرى من صور حرية الإرادة، وإن اختفت خلف نظرية تؤمن في جوهرها بالحتمية.

لم تكن الأديان بعيدة عن ذلك المعترك. فمن جهة يهم الدين أن يُسلِّم الناس بقوى ربانية لا يمكن لشيء أن يخالفها أو يخرج عليها، وبالتالي فهي تفرض الحتمية. ولكن من الجانب الآخر؛ فالإنسان يجب أن يمتلك حرية الإرادة كي يكون مسؤولا عن اختياراته، وبالتالي تصير هناك عدالة في محاسبته وإثابته أو عقابه بعد الموت. حاول الكثيرون حل تلك المعضلة، منهم القديس توما الأكويني على سبيل المثال.
وفي الدين الإسلامي كانت لفرق المتكلمين الكثير من الاجتهادات، على سبيل المثال المعتزلة والأشاعرة وغيرهم.

الصلاة - جون ليون جيروم 1865

العلم ينصر الحتمية

رغم أن التأريخ لبداية العلم والتفكير العلمي هو أمر من المستحيلات، لكن ربما تكون أول صورة قُدِّمَت للكون وفق نظرة علمية شاملة هي تلك التي قدمها نيوتن. لقد حولت قوانين نيوتن للحركة الكون كله إلى آلة ضخمة، يمكن التنبؤ بمواضع أجرامه في المستقبل والماضي وفق قوانين ثابتة، سطرها نيوتن.
هذه الصورة للكون زادت من الاعتقاد في حتمية الكون وهو ما دفع لابلاس الرياضي والفلكي الفرنسي إلى تبني فكرة أن كل ما ينقصنا هو المعلومات، لكننا لو عرفنا موضع كل جرم في الكون فبإمكاننا التنبؤ بكل حركة مستقبلية، ومعرفة ماضي كل شيء.. كل شيء محدد مسبقا وحتمي.

هذه النظرة الكلية للكون وفق قوانين راسخة حدت بالعلماء إلى تحقيق نجاح في وضع العديد من النظريات المهمة. لم يكن غريبا إذن أن يصل دارون إلى نظريته حول الانتخاب الطبيعي. فالكائنات تتطور وتتفاعل وفق قوانين بيولوجية ثابتة أيضا، وهي مجبرة على السير في طرق تفرضها تلك القوانين.

لم يكن غريبا أن تنتقل تلك النظرة إلى نشاطات الإنسان الاجتماعية والسياسية والاقتصادية كذلك. بدأ الأمر عند فرويد على الأغلب، الذي حاول أن يثبت أن الانسان لا يختار، بل عقله الباطن وقوانينه تفرض عليه خياراته. صحيح ثبت تهافت فرويد، فالعلم لا يعرف مصطلح العقل الباطن ولا يمكن له أن يثبت وجوده أو ينفيه، فهو مفهوم يبدو ميتافيزيقي وغير علمي، كما أن أغلب افتراضات فرويد وتفسيراته فضفاضة بشكل يجعلها غير قابلة للاختبار العلمي لإثبات صحتها من خطأها. لكن افتراضات فرويد هذه تم استبدالها بأشياء أخرى كالجينات وكيمياء الدماغ، ففي النهاية ربما يكون الإنسان محكوم بجيناته التي قد تدفعه لاختيار جانب الخير، أو تؤدي به إلى طريق الإجرام.

هكذا أنت لم يفرض عليك فقط طول قامتك أو لون شعرك بل سلوكك كذلك تفرضه عليك جيناتك، أنت سجين ما فرض عليك.

فيزياء الكم تؤيد حرية الاختيار.

إلا أنه إحقاقا للحق فالدليل العلمي لم يكن دائما مع الحتمية. بالرغم من أن العلم يحاول دومًا استنباط القانون الذي يحكم حركة الأشياء، وبالتالي فلا سبيل أمامه غير أن يكون حتميا؛ إلا أن بعض قوانينه جاءت لتثبت للكون شيئا من الاحتمالية وعدم التحديد.

جاءت نظرية الكم لتثبت أنه على مستوى الجسيمات متناهية الصغر لا يوجد شيء حتمي. يمكن للإلكترون أن يوجد في أي مكان، منتشرًا كموجة من احتمالات. كل هذه الاحتمالات موجودة معًا ولا تنهار تلك الدالة إلى احتمال واحد؛ إلا عند محاولة رصده والتداخل معه.

يبدو العالم غير محدد على الإطلاق، وهو ما استغله البعض لإثبات نوع من الحرية للإنسان. فمع قيام الشخص بالرصد/ الاختيار، تتلاشى كافة الاحتمالات، ويبقى ذلك الاحتمال الذي تم رصده.

للأعصاب رأي آخر

قد يبدو كل ما سبق محاولات للاستدلال الميتافيزيقي والجدل الذي لا يمكن إثباته أو نفيه بتجربة محكمة. غير أن علماء الأعصاب حاولوا أن يتدبروا تجربة إما تثبت للإنسان حريته؛ أو تؤيد حتمية العالم وتنفي عن الإنسان تلك الحرية.

في عام 1985 قام بنجامين ليبيت الباحث في علوم وظائف الأعضاء والأعصاب بجامعة كاليفورنيا بسان فرانسيسكو بتجربة مثيرة جدا، وإن ظلت محل جدل حتى يومنا هذا. طلب ليبيت من عدة أشخاص أن يقوموا بثني رسغهم مع تحديد الوقت الذي قاموا عنده بفعلهم هذا (حركة ثني الرسغ؟)، كذلك الوقت الذي بدأ فيه دماغهم ينشط للقيام بذلك الفعل (متى صدرت الإشارة من الدماغ لتحريك الرسغ؟) وأخيرًا؛ الوقت الذي قاموا فيه باتخاذ قرار تحريكهم لرسغهم (الوقت الذي ظهرت عنده إرادة تحريك الرسغ، واتخذوا عنده ذلك القرار؟).

كان من السهل جدا تحديد اللحظة التي تحرك فيها الرسغ، بالاستعانة بجهاز تخطيط كهربي للعضلات EMG، كذلك كان من السهل تحديد اللحظة التي بدأ فيها نشاط الدماغ للقيام بتلك الحركة، باستخدام أقطاب موضوعة على الدماغ EEG. الصعوبة كلها تكمن في تحديد الوقت الذي شعر فيه الشخص بإرادة القيام بالفعل واتخذ عنده قرار التحريك، لو طلبنا منه على سبيل المثال القيام بأي فعل آخر عند اللحظة التي يتخذ فيها قراره بتحريك رسغه، فستختلط إرادة القيام بالفعلين، وسيصعب الخلوص إلى أي نتيجة.
لذا كان الحل في وضع شاشة أمام كل مشترك في التجربة تتحرك عليها نقطة في شكل دائرة تشبه الشاشة، وبعد تحريك الرسغ وقياس كل شيء، يُسأل الشخص عن موضع النقطة عندما ظن أنه قد اتخذ القرار ونمت داخله إرادة تحريك رسغه.

رسم توضيحي لتجربة ليبيت

كانت النتائج مخيفة. وجد ليبيت أن الإرادة (القرار بتحريك الرسغ) تنشأ في الشخص قبل الفعل ب 200 مللي ثانية تقريبا (خمس ثانية)، لكن النشاط الدماغي كان يسبق زمن تلك الإرادة ب ٣٥٠ مللي ثانية كاملة (ما يزيد قليلا عن ثلث الثانية).
تبدو النتيجة ضد الحدس ومخيفة. الإرادة أتت بعد نشوء الحركة في الخلايا العصبية! لقد صدر أمر التحريك من الدماغ قبل أن يتخذ الشخص قراره بالتحريك. صحيح أن الحركة قد تمت بعد نمو الإرادة في الشخص؛ لكنها جاءت تالية للنشاط الدماغي الفسيولوجي الذي يعد هو نقطة البداية الحقيقية للحركة. أي أن الإرادة ظهرت بعد إجراءات القيام بالفعل.

في عام 2016 قام آدم بير وبول بلوم الباحثين بجامعة يال بتجربة مثيرة للجدل كذلك. قاما بوضع شاشات أمام المشاركين، بحيث تظهر عليها خمسة دوائر، ثم تتحول واحدة من تلك الدوائر إلى اللون الأحمر.

كان على المشاركين أن يختاروا دائرة من تلك الدوائر قبل أن تتحول إلى اللون الأحمر، ثم يعلنوا ما إذا كان توقعهم واختيارهم قد صادف الصحة. كان عليهم كذلك أن يبلغوا إذا ما كان تحول الدائرة للأحمر أسرع من الوقت الذي كان متاحا لديهم للاختيار، فلم يستطيعوا القيام باختيارهم ذلك.

عنت تلك النتائج أنهم بطريقة أو أخرى يتوهمون أنهم قد اختاروا الدائرة التي تحولت للأحمر.

تُرِك الأمر للكمبيوتر كي يحدد الدائرة التي تتحول إلى الأحمر بشكل عشوائي تماما، وهو ما يعني لو طبقنا قوانين الاحتمالات أن أي شخص في التجربة ستصادف توقعاته الدائرة الصحيحة في واحد على خمسة من المرات 20%.

إلا أن النتيجة لم تأت أبدا على النحو الذي تفترضه الاحتمالات الحسابية؛ بل قال المشاركون أنهم اختاروا الدائرة التي أضيئت بالأحمر فيما يزيد عن 30% من المرات. لم يقف الأمر عند ذلك، بل كلما كانت الفترة الزمنية المتاحة لهم كي يختاروا قصيرة؛ كلما زادت نسبة صحة توقعاتهم.
عنت تلك النتائج أنهم -بطريقة أو أخرى- يتوهمون أنهم قد اختاروا الدائرة التي تحولت للأحمر.

لو أن التجربة الأولى نفت عن الإنسان إرادته على اعتبار أنها تأتي تالية على الفعل؛ فالتجربة الثانية تؤيد رأي بدأ يحظى بالكثير من الوجاهة بين العلماء والفلاسفة، وهي أن الإنسان يظن أن الاختيار الذي فُرِضَ عليه هو اختياره ووليد إرادته. أي أن الفعل يحدث، ثم يظن الإنسان أنه اختاره بشكل مسبق.

قد يقول البعض أن نتائج تلك التجربة الثانية بلا أهمية، فذلك الخداع لا يحدث إلا في الفترات الزمنية شديدة القِصَر، وربما لا نملك دليلا على حدوثه لو زاد زمن التجربة قليلا. وقد يذهب البعض إلى الطعن في التجربتين من حيث وسائل جمع المعلومات والإجراءات الحاكمة؛ إلا أنهما يبقيان علامتان هامتان في تاريخ محاولة الوصول لأصل حقيقة الإرادة الإنسانية.

سؤال الأخلاق

أحد أهم المسائل التي تثار دائما عند تناول مسألة الحتمية أو حرية الإرادة؛ هي مسألة المسؤولية الأخلاقية.
هل الإنسان مسؤول عن اختياراته وبالتالي يجب أن يُجزَى أو يعاقب عليها؟ أم أنه كغصن الشجرة متى سقط على عربة تسير على الطريق؟ بالتأكيد لن يجرجر أحدكم غصن الشجرة إلى قسم الشرطة مختصمًا إياه لإتلاف زجاج السيارة، لكنك قد تفعل لو أن أحدهم قد ألقى به على الزجاج. لكن هل فعل ذلك بكامل إرادته؟ أم قادته حتمية العالم إلى ذلك؟
أجريت تجربة كان المشاركون فيها طلاب جامعيون تم تقسيمهم إلى مجموعتين. قيل لهم أن هناك كوكب افتراضي يسمى إرتا. قيل للمجموعة الأولى أن سكان ذلك الكوكب تحركهم أفكارهم ورغباتهم وخططهم، بينما قيل للمجموعة الثانية أن سكان الكوكب تحركهم عمليات كيميائية وعصبية في أدمغتهم. ثم سُئِل أعضاء المجموعتين عما إذا كانوا يعتقدون أن سكان كوكب إرتا يجب مجازاتهم على أفعالهم. 77% من المجموعة الأولى (مجموعة سيناريو الأفكار والرغبات المحركة) رأت أنه يجب مجازاتهم على أفعالهم، بينما كانت نسبة 19% فقط من المجموعة الثانية (مجموعة سيناريو العمليات البيولوجية الدماغية) تراهم مسؤولين. علاوة على ذلك رأى 72% من المجموعة الأولى أن سكان إرتا يملكون إرادة حرة بينما كانت النسبة 18% فقط في المجموعة الثانية.

تعكس تلك النتيجة العلاقة القوية بين الإرادة الحرة والمسؤولية الأخلاقية، وبالتالي الحكم العادل على الأعمال بالثواب والعقاب. لكنها في ذات الوقت تبيِّن الفصل الذي يقوم به البشر بين الفكرة والعملية المترتبة عليها، وهو ما يعلل اختلاف الأحكام.

من المنطقي أن الفلاسفة الذين يؤمنون بحرية الإنسان؛ يعتقدون في مسؤوليته الأخلاقية الكاملة عن أفعاله، فهو الذي اختار؛ وبالتالي تقع عليه تبعات اختياره.
أولئك الذين يعتنقون الحتمية المرنة يرون كذلك أن على الإنسان أن يتحمل تبعات أفعاله، وهم يبررون ذلك عن طريق إضعاف مبدأ الحتمية بتحديد دور للاختيار الإنساني وإن كان محدودا وقاصرا. فصحيح أن الإنسان -في نظرهم- محكوم بالقوانين والظروف المحيطة به، لكنه يملك اختيارا ولو بسيطا بين اختيارات محدودة تفرضها الحتمية؛ وبالتالي فلا زال الإنسان بحسبهم يملك شيئا من الحرية وإن كانت مقيدة.

أما أولئك الذين يعتنقون الحتمية في صورتها الصلبة، فيؤمن بعضهم أن من الواجب تغيير كافة القوانين والمعايير التي نحكم بها، وأن نخلص إلى نظام جديد مغاير لا يضع على أي أحد مسؤولية أخلاقية عن أفعاله وقراراته، فالإنسان في النهاية لا يختار إلا ما تفرضه عليه جيناته واستعداده النفسي وقوانين العالم.

رغم ذلك؛ أكثر معتنقي الحتمية يعتقدون في ضرورة إنزال العقاب بالمخطئ حتى وإن لم يكن مسؤولا عن أفعاله، يعتقدون أن في تطبيق الثواب والعقاب ضرورة لاستمرار المجتمع ويرون في ذلك مصلحته.

وفقًا لهذه الرؤية قد لا يكون الثواب والعقاب عادلا لأن الإنسان مُسيّر؛ لكنه مبرر ففي ذلك صالح المجتمع. قد يبدو ذلك انتهاجا للمذهب النفعي سيء السمعة، لكن هناك من برر ضرورة إنزال العقاب أو الثواب رغم أن الإنسان لا يملك أن يختار، انطلاقًا من أن الثواب والعقاب أطراف في معادلة الحتمية التي تجبر قوانينها على الإقدام على اختيار معين. يشبه الأمر التفاعلات التي لا تجري إلا في وجود عامل محفِّز، التفاعل حتمي ومحكوم بقانون ثابت، لكنك لو نزعت ذلك العامل المحفِّز فلن يتم التفاعل.

نظرة أخيرة

تشير معظم التجارب إلى أن أولئك الذين يعتقدون في الحتمية يُظهرون عدم تعاطف ولا مبالاة أكبر تجاه الآخرين، كما أنهم أكثر عدوانية ونزوعا للإيذاء مقارنة بمن يؤمنون في حرية الإنسان وفي قدرته على الاختيار.

هل كان ذلك هو السبب في تطوير الإنسان لذلك الشعور الكاذب بحريته وامتلاكه لإرادته.
يذهب المؤمنون في حتمية العالم إلى أن الشعور بالقدرة على الاختيار هو مجرد إحساس زائف منحه التطور والانتخاب الطبيعي للإنسان، وهو إحساس تال على الفعل يعطي الإنسان شعورا زائفًا بالسيطرة، لكنه شعور ضروري للاستمرار. تخيل إنسانا يدرك يقينا أنه مجبر على كل فعل كترس آلة، سيشعر بالعدمية واللاجدوى، وسيفقد كل رغبة في الحياة.

تبدو الأدلة متضاربة وإن كانت الدراسات الأخيرة خاصة في مجالات الجينات والفسيولوجيا العصبية تميل بالكفة نحو الحتمية ونفي حرية الاختيار، لكن نظرية غاية في الأساسية مثل نظرية الكم تفرض وجهة نظر مغايرة كذلك، ربما تنفي عن العالم حتميته تلك.
إلا أن الأكيد أنه في كل الأحوال يبقى الإنسان مسؤول أخلاقيا عن أفعاله، سواء لأن الاختيار يبرر المسؤولية، أو لكون وهم الاختيار طرف أصيل في معادلة الحتمية.