قتيلان من العناصر الإعلامية لتنظيم الدولة الإسلامية بسيناء

من الـ "جو برو" إلى الأرشيف: لماذا انهار إعلام "ولاية سيناء"؟

لقطات مصورة تفوقت على أفلام الأكشن الأمريكية في دمويتها، بمجرد بثها تحقق نسب مشاهدة مرتفعة قبل حذفها لما فيها من تحريض على العنف. هذا ملخص الإنتاج الإعلامي لتنظيم "ولاية سيناء" الذي انهار إنتاجه خلال الفترة الأخيرة بسبب ضربات أمنية متتالية للتنظيم عمومًا، وسقوط عدد من "إعلامييه".

بداية من الظهور الأول تحت اسم "أنصار بيت المقدس" كانت التسجيلات المصورة، سواء بالفيديو أو الصور الفوتوغرافية، تحمل بصمات شبه احترافية في توثق العمليات المسلحة ضد قوات الجيش والشرطة والمدنيين في محافظة شمال سيناء.

وبعد تحوله لتنظيم "ولاية سيناء" حرصت عناصره في كافة مراحل نشاطهم على التوثيق المرئي لعمليات التنظيم المسلحة، من خلال جهاز إعلامي محترف ومؤسسي اكتفى بإنتاجه الإعلامي الذاتي دون محاولة اللجوء إلى أي وسيلة إعلام خارج هذا النسق المغلق مثلما كان يفعل في السابق تنظيم القاعدة عبر الاستعانة بقنوات وإعلاميين محترفين.

لكن خلال العامين الأخيرين يتضح أن تنظيم ولاية سيناء يعاني من النقل الإعلامي السريع لعملياته المسلحة، كما انخفض إنتاج المحتويات الجديدة. فالمتابع لقنوات التنظيم على الانترنت سيكتشف أن المواد الإعلامية أصبحت تتضمن لقطات أرشيفية مكررة لحوادث قديمة يعاد تقديمها في سياق كونها عمليات جديدة.

في هذا الموضوع نستعرض ملامح الدائرة الإعلامية المغلقة لـ"ولاية سيناء"، مستعينين بشهادات السكان المحليين في مدن شمال سيناء التي يتواجد بها التنظيم، وقد كان السكان في أحيان كثيرة شهود عيان على العمليات المسلحة.

صورة لشادي المنيعي أحد قيادات أنصار بيت المقدس الذي تحول لولاية سيناء

مقاتل ومصور ملثّم

وفقا لشهود العيان من السكان المحليين، الذين تواجدوا في محيط عمليات التنظيم، في مدن شمال سيناء، فدائمًا ما صاحب العناصر المسلحة أشخاص ملثمو الوجه مهمتهم فقط تصوير العمليات بكاميرات احترافية غالية الثمن، كالتي يحملها الصحفيون والإعلاميون، بحسب مشاهدات الأهالي.

طوّر التنظيم من قدرات أعضائه عبر تزويدهم بتقنيات تصوير احترافية مثل كاميرات "Go Pro" مثبّتة على الخوذات أو فوق البنادق، لتعطي بعدًا آخر للتصوير يحقق لدى المشاهد تأثيرات نفسية عن قدرات التنظيم ونوعية عملياته واحترافيتها.

ومع ذلك فإن دور عناصر ولاية سيناء يقتصر على التصوير فقط قبل إرسال المواد المصورة إلى الخارج، نظرًا لقلة الأدوات المحيطة بدوائر الاشتباكات، فعلى الأقل غياب الكهرباء في مناطق تواجدهم يشكل أحد تلك المعوقات مما يدفعهم لشحن بطاريات كاميراتهم وهواتفهم من خلال بطاريات السيارات.

شبكات إسرائيلية

تقول مصادر محلية أن مرحلة إنتاج الإصدارات كانت تتم في البداية عن طريق نقل الموادة المصورة إلى قطاع غزة حيث يوجد العناصر الأكثر احترافية في عمليات المونتاج، ومن هناك تنطلق إلى فضاء الإنترنت، وتشير المصادر إلى أن الفيديوهات المصورة أصبحت تنتقل فيما بعد إلى مضارب التنظيم في العراق وسوريا، بعد مبايعة "ولاية سيناء" للدولة الإسلامية في العراق والشام "داعش".

بعكس مسألة انقطاع الكهرباء، فمسألة نقل المواد المصورة من خلال الإنترنت ليست مسألة صعبة، فرغم أن نقلها إلى معامل إنتاج خارج سيناء يحتاج إلى شبكات انترنت فائقة السرعة؛ تشير المصادر إلى اعتمادهم على شرائح الهواتف النقالة الإسرائيلية التي يتم التقاط بثها بسهولة في المناطق الحدودية الشرقية بسيناء ومنها شبكات "أورانج وسلكوم".

يستطيع أي شخص في المناطق الحدودية خصوصًا المحيطة بمدينة رفح أن يلتقط شبكات الاتصالات الإسرائيلية، وهي الوحيدة التي تعمل في المناطق الحدودية بسرعات كبيرة، ويستخدمها المهربون أيضًا.

مجاهد أنت أيها الإعلامي

فيما بعد، أصدر تنظيم داعش كتيب بعنوان "مجاهد أنت أيها الإعلامي" كان الغرض من ورائه تشجيع عناصر التنظيم في العراق وسوريا وولاياته المختلفة في مصر وليبيا على الاهتمام بالإعلام واعتباره إحدى "أدوات الجهاد" التي يمكن أن تتسبب في إلحاق هزيمة نفسية بالعدو قبل الهزيمة العسكرية.

عمل التنظيم وفق الكتاب على "إعداد جيل جديد يتفانى في أداء عمله الإعلامي، ويفهم ما هو مطلوب منه ولا يرضى من الأعمال إلا بما يرتقي لمستوى الخلافة الإسلامية"، ومن هنا تشكلت دوائر إعلامية تساعد التنظيم في توثيق عملياته.

الدائرة المغلقة ضد الاختراق

شادي المنيعي في صورة بثها التنظيم منذ ثلاثة أعوام

في مصر، فشلت جميع الوسائل الإعلامية المصرية أو حتى العالمية في التواصل المباشر مع عناصر تنظيم "ولاية سيناء"، كثيرًا ما جرت أحاديث بشكل فردي بين صحفيين محليين مع عناصر متفرقة من التنظيم، لكن قوبلت طلباتهم بالرفض المتكرر للتواصل "مؤسسيًا" مع الصحفيين.

تنصاع جميع العناصر لتعليمات قيادية داخلية صارمة، والاكتفاء بما يبثه التنظيم مستقلا بجهازه الإعلامي الذي كان يتولى أمره القيادي "شادي المنيعي" قبل أن تختفي آثاره تارة بالإعلان عن مقتله أو إصابته دون أي تأكيدات حكومية. وقد شوهد شادي نفسه وهو يحمل كاميرا ويلتقط صورًا قرب قسم الشيخ زويد عام 2013 عندما تعرض سور القسم لتفجير عبوة ناسفة.

حمل كاميرات التنظيم شخصيات مختلفة اللهجات، وفقًا للروايات المحلية، فتارة كانوا يسمعون لهجات فلسطينية من تلك العناصر، و آخرين من لهجات المحافظات المصرية أو اللهجات البدوية المحلية، وكانت العناصر تحرص على عدم كشف الوجه وارتداء نفس ملابس المقاتلين، فيما حرص المصورون على إبراز العناصر القتالية بأسلحتهم المتطورة والملابس العسكرية الاحترافية مع الحرص على تظليل الوجوه خلال عمليات المونتاج.

المنشورات

الجهاز الإعلامي لداعش سيناء لا يكتفي بالوسائل المتقدمة، بل يلجأ من وقت لآخر إلى توزيع المنشورات المطبوعة، والتي تحمل غالبًا تهديدات للمتعاونين مع قوى الأمن، و يتم توزيعها باليد خلال الكمائن المسلحة للتنظيم على المارة من الأهالي كجزء من إعلانهم فرض السيطرة على الأرض.

لكن مع تصاعد عمليات الجيش ضد التنظيم؛ سقط عناصر من الفريق الإعلامي خلال المواجهات حيث نعى التنظيم في أكثر من مناسبة عناصر من جهازه الإعلامي وتبين أن من بينهم عناصر محلية وأخرى من خارج شمال سيناء.

عدد الخميس

بجانب التصوير وتوزيع المنشورات باليد، يستخدم التنظيم في حربه الإعلامية الصحافة الإلكترونية من خلال صحيفة "النبأ" التابعة للتنظيم المركزي في سوريا والعراق والتي تصدر مساء الخميس من كل أسبوع، وتتضمن أنباء عن عمليات فرعهم في سيناء وحوارات من أهمها "حوار مع قائد الحسبة في التنظيم"، والحوار الشهير مع قائد التنظيم "أبو هاجر الهاشمي".

الحوار الذي هدد خلاله قائد الحسبة بعملية مسجد الروضة

ضبطيات أمنية

تدل البيانات التي يصدرها المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة عن ضبط أدوات متطورة تستخدم في العمل الإعلامي لداعش سيناء منها أجهزة الحاسب الآلي والكاميرات بأنواعها وأجهزة التقاط الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية، بالإضافة إلى تفجير قوات الجيش مراكز يستخدمها التنظيم في متابعة نشاطاته الإعلامية.

يعتقد مراقبون أن إصدارات التنظيم المصورة تستخدم كمنافذ تجنيد عناصر جديدة، حيث يتم مزج الصور بالجرافيك مع المؤثرات الصوتية وتقنيات المونتاج الحديثة، مما حقق للتنظيم ما يريد من بث الرعب والخوف في نفوس المتابعين خاصة مشاهد الذبح والإعدام والإمعان في عمليات القتل والتفجير لتحييد الأطراف المدنية من التعاون مع الأمن.


اقرأ أيضًا: شهود: الجيش يضبط سلعا غذائية مهربة إلى مخابئ ولاية سيناء جنوب الشيخ زويد