إثبات النسب.. حقائق العلم والأسئلة الأخلاقية

كل شخص يلقي ببصمته الوراثية في كل مكان. في خلاياه وإفرازات جسده التي تتساقط منه على سطح أريكته وعلى مقاعد الحدائق وفي وسائل المواصلات وفي سلال المهملات والمجارير، لكن من يحق له جمعها وتحليلها؟

تبدأ محكمة الأسرة يوم الأحد المقبل نظر أولى جلسات الاستئناف في القضية التي حركتها صحفية بالأهرام، ضد فنان تشكيلي، لإثبات نسب ابنتها له، بعد أن رفض الاعتراف بأبوته للطفلة التي يبلغ عمرها سنة واحدة.

وتطالب الصحفية سماح عبد السلام في دعواها بأن يخضع الفنان عادل السيوي لفحوصات الحمض النووي (DNA) باعتباره "شهادة لا تقبل التزوير.. شاهد عدل موثوق في شهادته وده مطلبي الأساسي من قضائنا العادل" حسبما كتبت على حسابها في فيسبوك، بينما من جانبه يتمسك السيوي بحقه في الصمت إلى أن ينتهي القضاء من نظر القضية.


قضايا إثبات النسب إحدى أكثر القضايا الشائكة التي تُطرح بمناسبتها الكثير من الأسئلة الأخلاقية والقانونية والاجتماعية الشائكة، عن العلاقات الجنسية الآمنة وعمّن يتخذ قرار الإنجاب، وعن الإجهاض الآمن، وعن التبعات التي سيتحملها الطفل نتيجة لخطأ أحد والديه؛ إما أب ينكر نسبًا حقيقيًا، أو أم تختلق نسبًا مزعومًا.

العلم القاطع

لا يجيب العلم عن كل الأسئلة الاجتماعية والأخلاقية، ولكنه يحدد أمورًا معينة لا ينبغي تجاوزها، فالعلم يخبرنا أن الأجنة تستطيع أن تحيا بعد 22 أسبوعًا خارج الرحم إذا ما وضعت في بيئة مناسبة كالحاضنات، ويمكن للعلم أن يثبت أن الأجنة تبدأ في الشعور خلال الثلث الأخير من الحمل، وهو ما يطرح تساؤلات حول شرعية الإجهاض خلال هذا الوقت.

يمكن للعلم أن يجمع المعلومات، إلا أن مدلولها سيبقى دائمًا متروكًا للمرجعيات الأخلاقية والعقائدية والأيديولوجية للأشخاص، والجدليات التي لا تنتهي حول حدود حرية الفرد وإلى أي مدى يصح تجاوزها لصالح مصلحة المجتمع، العلم يقدّم لنا المعلومات، لكن مدلولها يبقى متروكًا للمعتقد والأيديولوجيا، فماذا قدّم لنا العلم حول اختبارات الحمض النووي؛ الـ دي إن إيه؟

العلم وإثبات النسب

من أبرز النجاحات العلمية التي تحققت خلال القرن الماضي، القدرة على إثبات النسب بدقة عالية جدا تصل نسبتها إلى 9999 لكل عشرة آلاف حالة.

قديمًا، كان إثبات النسب يعتمد على الصفات الظاهرية، وهي مسألة تفتقد بالتأكيد إلى الدقة، ما جعلها وسيلة تحيط بها شكوك كبيرة، ولكن في بدايات القرن الماضي ومع اكتشاف فصائل الدم واكتشاف الطريقة التي تُورّث بها، ظهر السؤال، هل يمكن استخدام تلك الفصائل لإثبات أو نفي النسب؟

لقد تبين أن هناك أربعة فصائل شهيرة للدم A, B, AB, O ذات نمط وراثي معروف، ويمكن ببساطة من خلال تحليله إثبات استحالة نسب طفل لأب محتمل. على سبيل المثال يستحيل أن يولد طفل فصيلة دمه O لأب فصيلة دمه AB . كان العيب الأكبر لهذه الطريقة أنها وسيلة نفي جيدة لكن لا يمكنها إثبات أي شيء.

ورغم كونها وسيلة نفي جيدة فلم تأخذ بها محكمة في الأربعينيات وأثبتت بنوة طفل لشارلي شابلن وألزمته بدفع نفقة له، وهو ما يدل على مقدار الممانعة التي قد يلقاها الدليل العلمي، ودرجة التشكيك فيه دومًا.

تطور الأمر واستخدمت أنظمة أخرى لتصنيف فصائل الدم مثل Rh وMN وهو ما رفع من كفاءة هذا التحليل وجعله قادرًا على نفي النسب بدرجة تقترب من 40% لكنه ظل كذلك وسيلة نفي، ليس أكثر.

في السبعينيات توصل العلم إلى ما يسمى ب human leukocyte antigen HLA وهو جزيء يوجد على الخلايا يستخدمه الجهاز المناعي للتفرقة بين خلاياه وأي خلية دخيلة، لقد أدى اكتشاف هذا الجزء إلى قدرة كبيرة على نفي البنوة اقتربت من 80% وذلك نظرًا للتنوع الشديد فيه لكنه بقى مجرد نفي كذلك.

في الثمانينيات استطاع العلم أن يستخدم تتابعات ال DNA لتحديد النسب، حيث أن مقارنة درجة التشابه بين هذه التتابعات يستطيع أن يحدد النسب بدقة تقترب كما بينا إلى 9999 لكل عشرة آلاف حالة، ومثّل ذلك قدرة ساحقة للعلم على تحديد درجة النسب. لم يقف الأمر عند إثبات البنوة بل يمكن لمقارنة التتابعات أن نحدد درجة القرابة، الجدود والأعمام وأبناء العم.

بل يمكن أيضا زيادة دقة هذا التحليل. عادة تجري تتبعات معينة فقط لكن لو تمت مقارنة كل الجينوم فسيؤدي ذلك إلى زيادة الدقة لكن ذلك يستلزم وقتا أطول وجهدا أكبر وأموالا أكثر ويؤدي إلى زيادة في الدقة ربما لا نحتاجها، خاصة وأن الإجراء المعتاد يحمل دقة كبيرة جدا بالفعل.

لقد كان ذلك انتصارا ساحقا، يمكن بقطرات قليلة من الدم بل ببصيلة شعرة أو حتى بعض اللعاب المتروك على فنجان قهوة تتبع المعلومات الوراثية لأي شخص.

جدل دائر

كما بينا، هذه هي حدود العلم، يمدنا بالمعلومة والوسيلة وربما تمدنا حكاياته بمعنى ومغزى لكن التطبيق والمعنى يبقى سؤالًا مجتمعيًا بحاجة لمساءلة قيم كبرى تتعلق بالعدالة والأخلاقية.

هل هذه المعلومات هي حكر على صاحبها؟

كل شخص يلقي ببصمته الوراثية في كل مكان. في خلاياه وإفرازات جسده التي تتساقط منه على سطح أريكته وعلى مقاعد الحدائق وفي وسائل المواصلات وفي سلال المهملات والمجارير، لكن من يحق له جمعها وتحليلها؟

إن الوصول للمعلومات عن أي شخص أسهل مما نتخيل لكن من يستطيع أن يلزمه بما جاء مكتوبًا فيها ومن يملك الحق أساسًا في تتبعها وفرض الدليل الذي أشارت به؟

كل هذه أسئلة تحتاج إلى مجتمع نشط وصحيح وصادق ليجيب عليها ويلزم نفسه أخلاقيًا بما سيتوصل إليه، أيا كانت العواقب بعد ذلك، وهذه كلها تساؤلات تبدو الإجابة عنها أمرًا مُلحًا، لأن ديالا ومن هم مثلها، يستحقون معرفة آبائهم.