رحمة حسن وميشيل فوكو والرأسمالية ثالثهما

الأمر هنا لا يتعلق بصور تبدو في غاية البساطة والجمال، بقدر ما يمثل معركة متجددة باستمرار داخل المجتمع، وصراعًا طويلًا من أجل صياغة مفاهيم المساحات الشخصية للأفراد، وبناء حائط صد ضد حملات التنمر والحصار النفسي والمادي التي يقوم به أفراد خاضعون للسلطات المهيمنة بتنويعاتها.

جدليات مطولة شهدتها منصات التواصل الاجتماعي إثر انتشار صور للفنانة رحمة حسن من تصوير سلمى الكاشف، تظهر فيها على شاطئ البحر وترتدي المايوه، عدا صورة واحدة كانت عارية وتخفي صدرها بيديها.

كان مفترضًا أن يمر الأمر بشكل طبيعي، دون الحاجة إلى تبرير من أصحاب الصور، أو هجوم من شرطة الأخلاق، لكن الأمر تعلق بجسدٍ شبه عارٍ، في وسط فكري يرى الجسد في مختلف التصورات موطنًا للشرور وبؤرة للدنس والرذيلة، وما زال مفهوم "العورة" بأشكاله الدينية والمجتمعية والسياسية والاقتصادية يعاد إنتاجه دائمًا، بصيغ مختلفة.

في عالم عربي تنافس دوله بعضها في معدلات التحرش والاعتداءات الجنسية، يشعر بعض الناس أن الجسد العاري شيء يجب إخفاءه وطمسه عن الفن وحتى عن الدراسة العلمية في المجالات الطبية. فالجسد وخصوصًا جسد المرأة يبدو للوهلة الأولى مصدر إزعاج للمعتقدات والعادات والتقاليد، فتحاول سلطات المجتمع متمثلة في أفراده المطيعين لمنع الآخرين "المتمردين" من المشاهدة أو التعلم من الشكل البشري، وبالتالي التعدي على حقوق الآخر في إنتاج واستهلاك الفن في الشكل الذي يليق مع أذواقهم.

الجسد المروض والمطيع

أكد ميشيل فوكو على أن تاريخ المجتمعات الإنسانية يتأسس على ظاهرة الهيمنة، أي على علاقات القوة وإرادة الإخضاع. ويتزامن هذا مع مع أفول قوى التنوير، والإبداع الفني. فتملأ هذا الفراغ تحالفات قوى الرجعية الفكرية بشقيها الأبوي والديني، ويتملك أفراد المجتمع الرغبة في الهيمنة والتوسع على حساب مساحات الآخرين الشخصية، وهذا يفتح الطريق بشكل مستمر أمام ابتكار وسائل وأفكار سلطوية جديدة وتكنولوجيا تأديب ومراقبة موضوعها الجسد.

ميشيل فوكو

شكل الجسد وخصوصًا العاري هو فضاء لنزاع بين السلطة الدينية - الأبوية وبين حرية الإنسان، فالأديان تقوم ببناء جسر يربط جسد المرأة بالخطيئة، وتصوّرها منبعًا لكل الخطايا، وأصل الشعوذة والشرور والسحر. وقد شنت أوروبا المسيحية في القرون الوسطى حربًا شعواء على المرأة باعتبارها مصدر الغواية للرجال ومن تسقطهم في مستنقع الرذيلة، كما غُلِّف الجسد الإنساني بطابع أخلاقي في الفلسفة الإسلامية، فهو شهواني غريزي معرض للوقوع في الرذيلة في أي لحظة يغيب فيها العقل الإنساني أو الوازع الديني، الأمر الذي يجعل منه جسدًا إغوائيًا غافلاً عن القيم الثقافية.

ومن هنا ظهرت أهمية فكرة الفصل بين الجنسين والتمييز بحسب أجسادهم، وتم تكريس فكر الانضباط في التعامل مع الجسد، حيث نعثر على كثير من الأساليب الانضباطية منذ زمن بعيد في الأديرة، في الجيوش وفي المصانع أيضا. وأصبحت الممارسات الانضباطية خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر صيغًا عامة للسيطرة، فهي تختلف عن العبودية، وعن الخدمة المنزلية، وعن التبعية السيادية، وعن التنسك وعن "الانضباطات" من النمط الرهباني، لتتحول إلى "فن للجسد البشري" مع دخوله ضمن آلية للسلطة، التي تهدف إلى صنع أجساد خاضعة وطيعة. ومن هنا يمكن تبسيط مفهوم فوكو "الإكراه الانضباطي" الذي يفرض على الجسد علاقة ضابطة بين كفاءات متزايدة للاستغلال في العملية الاقتصادية وبين سطوة متزايدة لسهولة طاعة الأوامر.

فالجسد في مجتمع الإنضباط، يخضع لما يُعرف بـ "داعي المصلحة العليا". وهذه المصلحة تمنع أي فرد من امتلاك جسده، فالجسد صار ملك الدولة الحديثة ويتم التعامل معه كموضوع استثمار. فأصبح كل ما هو حسي وجسدي أكثر أهمية بالنسبة للسلطة السياسة/ الدينية لدى المجتمع الرأسمالي.

الرأسمالية حسب ميشيل فوكو، أدخلت الجسد في جهاز الإنتاج، وأنتجت ما يُعرف بـ "التكنولوجيا السياسية للجسد"، وعملت على ترويض الجسد، وزيادة قدراته وانتزاع قواه الفعالة، وضبط حركاته وقواه في الزمان والمكان، من أجل ضمان طاعته، ودمجه في أنظمة مراقبة فعالة واقتصادية، كل ذلك تحميه شبكة إجراءات دينية/ أخلاقية يمارسها الأفراد بعضهم على بعض دون وعي مباشر بهذا الأمر.

هكذا تطورت أشكال تأديب الأفراد، وتم فرض رقابة منتظمة ومستمرة على الجسد وبالتالي على المجتمع بأكمله، بشكل متزامن مع تطور الدولة الحديثة ونظامها الإقتصادي والسياسي والديني، وسعي الدولة إلى تحقيق "نظام رأسمالي خالص وحقيقي"، ، وصارت الأساليب السلطوية تعمل لا بواسطة الحق بل بواسطة التقنية، لا بواسطة القانون بل بواسطة الضبط، ولا بواسطة العقاب بل بواسطة الرقابة، والتي تمارس على مستويات وحسب أشكال تتجاوز الفرد لإنتاج شكله جسده الخاص او فكره الخاص بعيدًا عن المنظومة السائدة للدولة ومؤسساتها.

التعري كتمرد

يتم إنتاج كل ما سبق من أنماط فكرية، في كل البيئات المحيطة بالفرد ابتداءً من العائلة، المدرسة، المستشفى، المصنع، دور العبادة.. الخ.

وهذا المناخ يقضي على كيفية تعلم الفن بشكل أفضل أو العمل على خلق شكل فني جديد يختلف عن البيئة المحيطة، وهذا ما شكلته صور رحمة حسن، أنها جاءت غريبة عن وسطها الاجتماعي، رغم أنه سيكون مستحيلًا في الواقع تعليم شخص ما كيفية تشريح جسد إنساني بشكل دقيق، أو رسم العظام والعضلات تحت الجلد بدون صورة عارية لهذا الجسد. حتى لتصوير شخص يرتدي ملابس، يحتاج المرء إلى فهم كامل لآليات ما هو تحتها. فيشكل هنا التعري السبيل الوحيد لإنتاج مفهوم شامل عن الإنسان.

باستثناء المسائل التعليمية الطبية، تُقدم الشخصيات العارية أدوات معبرة هامة للفنانين. يمكنهم من خلالها إظهار البشر بطرق ذات قيمة فريدة. فتعبيرات العراة هي النقيض الشديد للتعبير عن الشخصيات التي ترتدي الحجاب أو القبعات أو الخمار أو حتى التنورة القصيرة. فالجسد العاري أكثر موضوعات الفن تحديًا للواقع، وأحد وسائل الربط بين الروح والجسد بشكل قوي، حيث يقول سبنسر في "نشيد على شرف الجمال" إن "الروح هي الشكل وهي ما يقدمه الجسد".

والتعري يعدُّ مثالّا على تحول المادة إلى شكل، كما يسمح للفنان بإظهار شخصياته خارج السياق الزمني والمكاني إذا رغب في ذلك. كمثال يمكننا تحديد زمن لوحة من شكل الملابس لشخوص هذه اللوحة، وعن طريق تحديد الحقبة الزمنية يمكننا أن نحجز هذه الشخوص في قالب مكاني.

لهذا تشير رشيدة عوبدة "لم يعد الجسد ذلك العنصر الذي يشكو من النجاسة، أو ذلك العنصر الذي يعاني من النقص لأنه محتقر عند مقارنته بالروح/ العقل/ النفس، بل أضحى حافلًا بالمعاني الرمزية التي تتوارى خلف الحضور المادي للجسد، فكلما تطور تاريخ الذهنية البشرية اتسعت الآفاق الدلالية للجسد، وهنا لا ينبغي اختزاله فقط في ما يستثمر لأجله في الإعلانات أو الاستثمار الرياضي، بقدر ما أن له حمولات مرتبطة بطبيعة النظم السياسية السائدة، بل لقد أصبح أيقونة للتغيير كما هو في حالة الأجساد التي أصبحت تلتهب احتراقًا لتحقيق تغييرات في أنظمة سياسية طالما راهنت على قمع الأجساد كما العقول".

رحمة حسن ليست القضية

مما سبق، نستطيع أن نبني تصورًا لفهم آلية عمل الهجمة الشرسة ضد رحمة حسن، وتفسير المطالبات بوقف التعامل معها فنيًا وشطبها من نقابة الممثلين، وحملة التنمر ضدها على وسائل التواصل الإجتماعي، وحصارها نفسيًا بمصطلحات أخلاقية مثل نشر الفسق والفجور، واتهامها بأنها تمثل "انهيارًا قيميًا" للمجتمع، ومهاجمة كل من يدافع عنها بمصطلحات كـ"الدياثة" وانعدام الأخلاق، ومحاولة لفهم عقلية الأفراد على وسائل التواصل الإجتماعي وكيف نصبوا أنفسهم حراس للنظام وقيمه ومفهومه الخاص للفضيلة.

الأمر هنا لا يتعلق بصور تبدو في غاية البساطة والجمال، بقدر ما يمثل معركة متجددة باستمرار داخل المجتمع، وصراعًا طويلًا من أجل صياغة مفاهيم المساحات الشخصية للأفراد، وبناء حائط صد ضد حملات التنمر والحصار النفسي والمادي التي يقوم به أفراد خاضعون للسلطات المهيمنة بتنويعاتها سواء الدينية أو المؤسسية أو سوق العمل - الذي صار القائمون عليه يطلبون شروطًا أخلاقية وزيًا خاص وطريقة تفكير محددة ليتم قبولك داخله.

رحمة حسن ليست سوى مجرد مشهد يكشف لنا طريقة عمل السلطة وممارستها للهيمنة على الأفراد.

على سبيل النهاية

تكره الدولة الحديثة وأفرادها أي فن يقدم التعري لأنه يمثل تحديًا لسلطتها على إخضاع الأجساد وتسيير الحياة ضمن حيز مكاني وزماني ضيق، مُستغلين أن الإنسان العربي ما زال عالقًا فيما كان الأوربيون عالقون فيه أثناء تجربة الزهد والتقشف وكره الجسد في مسيحية العصور الوسطي، والتي قامت بقولبة مفاهيم الحشمة والعفة والطّهارة والنجاسة، فالجسد الإنساني تم ازدراءه من أجل فكرة الروح.

بالإضافة إلى ذلك، هناك العديد من الصيغ الانضباطية التي يعاد إنتاجها بصور متعددة من المنظومة الدينية الإسلامية، حيث صار الجسد عورة خصوصًا جسد المرأة، ولهذا جاء الأمر بغضّ البصر، وبتحصين الفرج -هو الواقع بين فخدي الرجل والمرأة، وكذلك وجوب إخفاء زينة النساء. بالإضافة إلى التعامل مع المرأة كوعاء منتج للأطفال الذين يشكلوا الوقود للآلية الديكتاتورية الحاكمة، والنخبة الرأسمالية التي تحارب من أجل تثبيت قواعدها. وهذا ما يستطيع أن يتحداه التعري.