موكب عربات دفع رباعي لاتحاد القبائل في عملية تمشيط يوم 17 يوليو الجاري- صفحة الاتحاد، فيسبوك

العين بالعين: وقائع حرب يوليو بين داعش واتحاد قبائل سيناء

عند أقرب النقاط إلى الحدود المصرية مع إسرائيل، وفي حلبة صحراوية تكسوها الكثبان الرملية؛ بدأت جولة قتالية جديدة بين أبناء قبائل سيناء من جهة، وعناصر تنظيم ولاية سيناء من جهة أخرى، في شهر يوليو/تموز 2018، وذلك ضمن جولات قتالية متعددة بدأت مع إعلان اتحاد قبائل سيناء وقوفه بجانب القوات المسلحة المصرية.

في 8 يوليو المنقضي، نشر تنظيم ولاية سيناء صورًا لصبي من قبيلة الترابين قالت إنه من أفراد "الصحوات"، وهو الوصف الذي يطلقه التنظيم على أبناء القبائل المتعاونين مع الجيش المصري. وحملت الصورة نصا "المرتد جميل جمعة حماد الذي يعمل جاسوسًا لصحوات البرث جنوب مدينة رفح يحفر قبره بيده".

ويظهر الصبي في صورة وهو يحفر قبره في الصحراء، و الصورة الأخرى أثناء عملية ذبحه، وهي الطريقة المعتمدة للتنظيم في قتل المدنيين المتعاونين مع أجهزة الأمن، وحسب صيحتهم الشهيرة "بالذبح جئناكم".

صورة دعائية نشرتها منصات تابعة لداعش سيناء

لم يمض على تلك الواقعة سوى 11 يومًا حتى داهم أبناء القبائل منطقة العجراء التي تقع جنوب رفح بحوالي 20 كيلو مترا قبالة الحدود مع إسرائيل، والتي يمكن فيها رؤية المستوطنات الإسرائيلية بالعين المجردة وكذلك أبراج المراقبة الثابتة التي يحوم فوقها منطاد تابع لجيش الاحتلال يراقب حركة الحدود مع مصر بشكل دائم.

انطلقت فجر الخميس 19 يوليو، مجموعة من اتحاد أبناء القبائل للإطباق على مجموعة من العناصر المسلحة، كانت تتخذ من تضاريس المكان الصحراوي الذي يفصل بين قبيلتي الترابين و السواركة موقعا مفضلا للاختباء، مستغلين الكثبان الرملية المتعاقبة كأمواج البحر، كمواقع لحفر خنادق الاختباء، واستغلوا أشجار "الأثل" التي تنتشر في هذه المنطقة كسواتر طبيعية.

بحسب رواية أكدتها مصادر من اتحاد القبائل لـ المنصة؛ فإن اشتباكات عنيفة بين الجانبين أسفرت عن مقتل فرد من قبيلة الترابين وإصابة خمسة آخرين تم نقلهم إلى مستشفى السويس لاحقا، ثم إلى مستشفى آخر في مدينة القاهرة، في مقابل سقوط قتلى ومصابين في صفوف عناصر التنظيم الإسلامي المتطرف.

بعدها بيوم واحد، في 20 يوليو، نشر التنظيم نعيا تحت عنوان قوافل الشهداء، ينعي فيه عنصرًا يدعي "عبد الرحمن الأنصاري"، دون ذكر تفاصيل تخص مقتله.

ويستخدم التنظيم كنية "الأنصاري" لتوضيح أنه من سكان سيناء، بينما يستخدم "المهاجر" لتوضيح أنه من خارج حدود ما يسمى"ولاية سيناء"، بينما تشير كنية "المقدسي" إلى كونه من أبناء فلسطين المحتلة.

بعد العملية بـ 3 أيام، خرجت الصفحة الرسمية لاتحاد قبائل سيناء على موقع فيسبوك يوم 22 يوليو ، لتؤكد تلك الرواية بنشر معلومات عن عملية نوعية لأبناء القبائل، قُتل فيها 4 عناصر من التنظيم بينهم قيادي، قالت أن كنيته "أبو جعفر"، بالإضافة إلى القبض على مصابين وتسليمهم إلى جهات التحقيق الأمنية.

صفحة إتحاد القبائل تشير للعملية النوعية يوم 22 يوليو 2018

لم تكد تمر 24 ساعة على هذا الإعلان، حتى خرجت المنصات الإعلامية التابعة لتنظيم داعش يوم 23 يوليو لتنعي "أبو جعفر المقدسي"، دون أي توضيحات إضافية لظروف مقتله، ليؤكدوا بذلك معلومات اتحاد القبائل التي نشروها على صفحتهم بفيسبوك.

ونقلت وكالة رويترز عن مصادر أمنية لم تسمها أن "أبو جعفر المقدسي" هو واحد من قيادات تنظيم داعش في شمال سيناء، بينما قالت وسائل إعلام فلسطينية أن الاسم الحقيقي للمقدسي هو "محمد أبو جزر"، وأنه انضم لولاية سيناء منذ 3 أعوام. وتابعت المنصة عددًا من المصادر الفلسطينية أكدت صحة الاسم بعد أن تعرفت على القتيل.

24 ساعة أخرى مرّت؛ خرجت بعدها وكالة أعماق التابعة للتنظيم المسلح، لتنشر يوم 24 يوليو صورًا قالت إنها غنائم حصلت عليها في كمين أمني في منطقة البرث، في هجوم نفذه "جنود الدولة" ضد اتحاد قبائل سيناء، أو مَن تسميهم "صحوات الردة". ويظهر في الصور سيارة ربع نقل وسلاح آلي وحزامين للذخيرة.

أسبوع ساخن شهد حربا مصغرة بين داعش وقبائل سيناء

وينشط مقاتلو اتحاد القبائل في مناطق قبيلة الترابين في قرية البرث جنوب منطقة العجراء بحوالي 10 كيلومترات، ويسيطرون على دروب تلك المناطق تحت إشراف قوات الجيش، حيث يستقلون سيارات دفع رباعي طرازات "تويوتا كروز- بيك أب" تثبّت في صندوقها الخلفي المدافع الرشاشة عيار 500 ملم، ويحمل الأفراد البنادق الآلية "الكلاشينكوف"، والمناظير المكبرة لرصد الدروب والمدقات من نقاط مرتفعة أعلى الكثبان الرملية.

عضو من اتحاد القبائل، ويظهر في الخلفية النقطة الشهيرة بـ "قصر المنسي" حيث عملية كمين البرث الشهيرة يوم 7 يوليو 2017

تنظيم ولاية سيناء -أنصار بيت المقدس السلفي الجهادي سابقًا- ينشط على الأرض في سيناء منذ العام 2011، يظهر الآن في وضعية سيئة مقارنة بالسنوات الأخيرة. فمع انطلاق العملية العسكرية الشاملة سيناء 2018، في 9 فبراير الماضي؛ خسر التنظيم عناصر مهمة، كما تقلصت مناطق نشاطه الجغرافية.

وتسببت العملية الشاملة في تراجع حدة العمليات الكبيرة لداعش، رغم استمرارهم في استهداف عناصر قوات الأمن في عمليات أصغر.

.. وفي مواجهة الجيش أيضًا

الأيام الساخنة بين داعش واتحاد القبائل في شهر يوليو، شهدت بالتزامن عددًا من عمليات التنظيم ضد قوات الأمن. إذ نشرت وكالة أعماق التابعة للتنظيم أخبارًا عن عمليات تفجير واشتباكات في منطقة الكيلو 8 والكيلو 17 غرب العريش، بالإضافة إلى هجوم على كمين "أبو الوليد"، مشيرة إلى أنه نتج عن تلك العمليات سقوط قتلى ومصابين من أفراد الأمن المصري، بينهم ضابط ومجند في منطقة الغراء غرب الشيخ زويد، ومنطقة الأرشدات غرب العريش. كما أسفرت العمليات القتالية بين الجانبين عن مقتل جندي وتفجير كاسحة ألغام قرب بوابة رفح.

ومن خلال متابعة الأخبار المنشورة في وسائل الإعلام المصرية؛ تأكدت المنصة من هذه المعلومات، إذ بلغ عدد القتلى 6 من المجندين وضابط، تم نشر أخبار تشييع جنازاتهم في محافظات المنيا ودمياط والشرقية والدقهلية وكفر الشيخ بحسب صحف الوطن، واليوم السابع، والأهرام، والبوابة نيوز.

في مقابل ذلك؛ أطلقت القوات المسلحة وتشكيلات الشرطة عملية أمنية شملت عدة مناطق في مركز الشيخ زويد.

وبحسب شهادات شهود العيان، فإن العملية أشبه بالكماشة التي تطوّق قرى "الشلاق، والغراء، وأبو العراج، والتومة"، حيث تُجري قوات إنفاذ القانون عمليات تفتيش للبيوت ومسح للأراضي الزراعية لتطهيرها من العبوات الناسفة، وكذلك قطع جميع طرق الإمداد لعناصر التنظيم، من خلال منع أي وسائل نقل بالمنطقة وخاصة عربات الكارو التي تم رصد بعضها ينقل مواد غذائية إلى مناطق غير مأهولة سكانيا.

وأحرقت قوات الأمن جميع عربات الكارو التي تمت مصادرتها وفقا لروايات شهود عيان.

وتجري عمليات التمشيط هذه تحت غطاء جوي من طائرات "إف 16"، وإسناد من بطاريات المدفعية "الهاوتزر" بعيدة المدى.


اقرأ أيضًا: شهود: الجيش يضبط سلعا غذائية مهربة إلى مخابئ ولاية سيناء

كيف تكوّن الاتحاد؟ متى؟ أين؟ لماذا؟

التاريخ: في 9 إبريل 2017. المكان: سوق البرث (موقع السوق موضح في GIF بنهاية الفقرة). السبب: حادثة قتل أحد شباب قبيلة الترابين في "خناقة عادية".


يعتبر سوق البرث الذي يقام يوم الأحد من كل أسبوع، هو الوجهة المفضلة لعناصر التنظيم للتزود بالمؤن، إلا أن مشادة حدثت بين أحد أبناء قبيلة الترابين وعناصر التنظيم تطورت لقيام العناصر بإطلاق الرصاص عليه وقتله، مما أدى لإطلاق شرارة تكوين تنظيم قبلي مضاد في 9 أبريل من العام 2017.

هذه التحركات من أفراد القبائل لم تكن بعيدة عن أعين أجهزة الأمن التي لم تعارض مشاركة أبناء القبائل في مواجهة المسلحين الإسلاميين للاستفادة من قدراتهم في معرفة التضاريس الجبلية والطرق الفرعية، وقدرتهم على التمييز بين أبناء سيناء والغرباء من خارج المحافظة، بالإضافة لمهاراتهم في اقتفاء آثار الأقدام.

وأظهرت التحركات اللاحقة لقوات الجيش تواجد أفراد من الاتحاد في الحملات الأمنية وفي الأكمنة، مثل كمين البرث الذي كان يقوده العقيد أحمد المنسي قبل تعرضه لهجوم انتحاري متعدد في 7 يوليو 2017، ردا من التنظيم على الجيش والاتحاد على تضييق مساحات انتشار عناصر التنظيم المتطرف، وقطع طرق الإمداد عنهم من الجهة الجنوبية، بالإضافة إلى عدم حرص قيادات "ولاية سيناء" على الحفاظ على العلاقات الودية مع سكان المنطقة الجنوبية في البرث.

ونجح الاتحاد بالفعل في الحد من تواجد عناصر داعش بالسوق، حسب شهادات حصلت عليها المنصة من شهود عيان.

داعش والاتحاد: الصراع مستمر

في المقابل، رد التنظيم على تواجد تشكيلات أبناء القبائل في قرية البرث، بمنع أي سيارات أو أفراد من قبيلة الترابين بالانطلاق إلى منطقة العجراء (موقع مسارات التهريب في منطقة العجراء الموضحة في GIF بنهاية الفقرة) وهي المنطقة التي يسلكها مهربو السلع والبضائع إلى رفح ومنها إلى أنفاق التهريب وصولًا إلى قطاع غزة.


الضربة الاقتصادية التي وجهها تنظيم داعش لأفراد من رجال القبائل نقلت الصراع بين الطرفين لمنطقة أكثر خطورة، لا يمكن التراجع بعدها، حسب قول متابعين للشأن القبلي في شمال شبه الجزيرة.

وزير دفاع الاتحاد

يشار إلى أن اتحاد قبائل سيناء تعرض في 10 مايو 2017، بعد تشكيله بشهر واحد، لفاجعة كبيرة بفقدان القائد الميداني سالم لافي، في كمين مزدوج أعده عناصر تنظيم داعش في منطقة البواطي جنوبي الشيخ زويد عندما كان في طريقه لدعم 3 من أفراد الاتحاد تعرضوا للحصار، إلا أن التنظيم كمن لسالم لافي وقتله مع عنصرين من الاتحاد.

ووفقا لإجماع مقربون من الاتحاد؛ فإن سالم لافي كان بمثابة وزير دفاع قبيلة الترابين التي يشكل أفرادها العدد الأكبر في الاتحاد، بخلاف عضويات أخرى فردية من باقي قبائل وعائلات شمال سيناء.

سالم لافي بصحبة العقيد أحمد منسي، قائد كمين البرث الذي قتلته داعش في 7 يوليو 2017

وزير اقتصاد الاتحاد

ويعتبر الداعم المعنوي والمالي الأكبر للاتحاد هو رجل الأعمال إبراهيم العرجاني، من قبيلة الترابين أيضا، والذي يقيم حاليا في القاهرة لإدارة شركات مقاولات يملكها.

العرجاني بدا حاسمًا خلال حواره مع موقع المصري اليوم بتاريخ 6 مارس 2018، عندما أشار إلى الطريقة الوحيدة لمواجهة داعش من وجهة نظره بالقول "لا طريقة للتعامل مع الداعشى سوى إيقاظه من النوم وسلاحك موجه صوب رأسه، وقيادات هذه العصابات الإرهابية تمت تصفيتها بالفعل".

في المقابل، يحرص اتحاد القبائل على عدم اعلان اسم القائد الميداني الجديد بعد مقتل لافي كإجراء وقائي.

اتحاد واحد وليس اثنين

يخلط المتابعون عادة بين اتحاد قبائل سيناء الذي بدأ نشاطه المسلح في 2017، وبين كيان آخر يحمل نفس الاسم، لكنه كيان سلمي تأسس عقب ثورة 25 يناير ولا تربطه أي علاقة بالأول. أسس اتحاد القبائل (السلمي) الناشط والروائي مسعد أبو فجر، وعدد من أبناء القبائل برئاسة الناشط إبراهيم المنيعي، ولكن هذا الاتحاد سرعان ما خفتت آثاره ولم يشهد فعاليات أخرى بعد تفرق مؤسسيه.

وغادر رئيس اتحاد القبائل (السلمي) سيناء إلى جهة غير محددة، بعدما هدمت قوات الأمن منزله في قرية المهدية عندما أدلى بتصريحات مناهضة للعمليات الأمنية من خلال قناة الجزيرة عام 2013.


اقرأ أيضا: 40 يومًا من الحرب: كيف يشرب ويأكل أهالي شمال سيناء؟