قلايات الرهبان بدير الأنبا مقار - ويكميديا

شهادات من المستشفى حيث يرقد فلتاؤس المقاري.. فصل جديد في دراما الأنبا مقار

تجيبني موظفة الاستقبال بعد برهة من التردد "هو بخير". لكن الرحلة إلى المستشفى أثبتت -للأسف- أنه ليس بخير.

خلال ساعات، ينتهي اليوم الثاني للراهب فلتاؤس المقاري في غيبوبته العميقة، التي سقط فيها عقب ما نقلته الأنباء عن "محاولة انتحاره" في دير الأنبا المقار بوادي النطرون. وهو الدير نفسه الذي عُثر فيه على جثمان الأنبا إبيفانيوس مقتولاً صباح الأحد 29 يوليو/ تموز المنقضي.

أصبح دير أبو مقار مسرحًا للأحداث المفاجئة، التي تتسارع وتيرتها بشكل يكاد يكون يوميًا؛ بداية من مقتل أسقف ورئيس الدير مرورًا بشلح وتجريد الراهب أشعياء المقاري من رهبانيته، وصولا إلى محاولة انتحار الراهب فلتاؤس المقاري أمس الإثنين.

"انتحار" راهب

استيقظ رهبان الدير صباح الإثنين 6 اغسطس/ آب على فاجعة جديدة، حين وجدوا الراهب فلتاؤس المقاري وقد "ألقى بنفسه من مكان مرتفع" بحسب رواية أحد الرهبان في اتصال مع المنصة. ونتحفظ على ذكر اسم الراهب لكونه غير مسموح له بالتحدث للإعلام.

قال الراهب إن فلتاؤس المقاري "حاول الانتحار" بقطع شرايينه، ثم ألقى بنفسه من مكان عال. كان ذلك في الصباح الباكر، وفي محاولة لإنقاذه تم نقله للمستشفى.

في البداية تحفَّظ الراهب على ذكر اسم المستشفى، ثم قال إنها مستشفى وادي النطرون. لكن راهبًا آخر قال إنه تم استقباله بمستشفى ذكر اسمها تقع بضاحية الزمالك في القاهرة "نظرا لخطورة حالته". لم تكن هيئة الإذاعة البريطانية قد نشرت اسم المستشفى بعد، عندما قمنا بالاتصال للتأكد من وجوده هناك. وبعد التأكد انتقلنا إلى المستشفى للتعرف على تفاصيل حالته الصحية ولنحاول مقابلته.

قمنا بالاتصال بالراهبين دون أن يعرف أيهما أننا تحدثنا للآخر، مراعاة للقواعد الصحفية للتواثق من الأخبار عبر مصدرين مستقلين ليسا على صلة ببعضهما. ولصعوبة ان نعثر على راهبين في دير واحد ليسا على صلة ببعضهما اكتفينا بعدم ذكر حقيقة الاتصال برهبان آخر للمصادر الذين تواصلنا معهم حتى يصعب التنسيق بينهم.

من وادي النطرون للقاهرة

قلايات رهبان من أحد أديرة وادي الريان

اتصال هاتفي بالمستشفى قطع الشك باليقين. يجيبني صوت نسائي متشكك عند السؤال عن الراهب "إنتي مين؟" أجيبها أنني أحد محبي الراهب، وأريد الاطمئنان على صحته. تجيبني موظفة الاستقبال بعد برهة من التردد "هو بخير". لكن الرحلة إلى المستشفى أثبتت -للأسف- أنه ليس بخير.

تأكدت من وجوده في تلك المستشفى وتوجهت إليها. كنت أتوقع صعوبة في الدخول لخبرة الصحفيين في التعامل مع المستشفيات، عند الوصول إليها للتقصي عن حالة مريض تعده الأجهزة الأمنية "ذو طبيعة حساسة".

بالفعل وجدت تشديدًا أمنيًا في السماح بالدخول، فبخلاف الإجراء المعتاد بسؤال كل زائر عن وجهته واسم المريض الذي ينتوي زيارته، استحدثت الجهات المسؤولة عن تأمين المستشفى والراهب وسيلة جديدة للتأكد من عدم دخول صحفيين، وذلك بقيام فرد أمن باصطحاب الزائر إلى غرفة المريض أو العيادة التي يدعي القادم زيارتها، والتأكد من صحة وجهته وإدعائه.

المستشفى من الداخل بها 3 مباني وحديقة واسعة وكافتيريا وسيارة ميكروباص تتبع الشرطة المصرية. ومن الواضح أن الموظفين هناك قد تلقوا تعليمات بعدم الحديث عن الراهب، وإن كانت ملامح وجوههم تفضحهم كلما ادعوا أنهم لا يعرفون بوجود الراهب في المستشفى.

أفادت النيابة أنه فشل في محاولته الأولى للانتحار بقلايته، فاستقل سيارته وتوجه لمبنى العيادات الطبية وصعد إلى الطابق الرابع وقفز من أعلى.

ادعيت لأفراد الأمن إني قادمة للكشف في العيادة الخارجية، ثم استغللت انشغال فرد الأمن الذي اصطحبني بالرد على تساؤلات رجل بدا من تساؤلاته أنه صاحب سلطة، لأمُرّ إلى سلم قريب صعد بي إلى الطابق الأول لأتمكن من التحرك بحرية.

استطعت الوصول إلى غرفة العناية المركزة التي يخضع فيها الراهب فلتاؤس المقاري للعلاج. أمام باب العناية المركزة يجلس رجلان يبدو عليهما الأسى والترقب، علمت أنهما من أقارب الراهب.

مع العائلة

فلتاؤس المقاري يقف في الصف الأول من جهة اقصى يمين الصورة، قريبا من الأنبا الراحل إبيفانيوس

بعد وصول الراهب فلتاؤس للمستشفى بساعتين أو ثلاثة، قالت النيابة العامة بوادي النطرون في تصريحات تناقلتها وسائل الإعلام إن فلتاؤس المقاري، حاول الانتحار بقطع شرايين يده داخل مسكنه في الدير، وبعد معاينة قلايته (مكان سكنه في الدير)، أفادت النيابة أنه فشل في محاولته الأولى للانتحار بقلايته، فاستقل سيارته وتوجه لمبنى العيادات الطبية وصعد إلى الطابق الرابع وقفز من أعلى.

أمام غرفة الرعاية التي يرقد فيها الراهب في غيبوبته؛ كان يجلس عم الراهب (ف. م). عندما سألته عن حالة الراهب فلتاؤس المقاري، شك في أني صحفية، وبدأ في صب غضبه على الصحافة والإعلام كله فوق رأسي.

كان غاضبًا جدًا من الأخبار المتداولة عن انتحار ابن أخيه متسائلا في استنكار "هل سمعتي قبل ذلك عن راهب ينتحر؟ لماذا عمد الإعلام لتشويه صورة ابن أخي". أكدت له أن وسيلة الإعلام التي أعمل بها لم تنشر خبرًا يفيد بانتحار الراهب، وأنني جئت للمستشفى في محاولة لاستطلاع الحقيقة بنفسي.

بعد أن هدأ قليلا قال إن فلتاؤس المقاري وصل للمستشفى في حالة يرثى لها، وبناء عليه لم يستطع رجال الأمن استجوابه. وأضاف أن هناك جروح في يدي الراهب الاثنتين، تم تفسيرها بأنها محاولة لقطع شرايينه. مشككًا أن يُقدم شخص على الانتحار فيقطع شرايين يديه الاثنتين ثم يلقي بنفسه من مكان مرتفع. يستطرد عم الراهب "كيف لشخص قطع شرايينه ورأي نافورة دم تخرج من يديه يكون لديه المجهود ليرمي نفسه بعدها".

تابع عم الراهب "ابن أخي باحث بارع ولديه مؤلفات في تاريخ الكنيسة، ومشهود له بالالتزام. ولم تكن تواجهه أية مشكلات فكيف لشخص اختار دخول الحياة الرهبانية بنفسه أن ينتحر؟" ويؤكد أنهم لم يعرفوا ما حدث من داخل الدير وإنما علموا بـ"الخبر المشؤوم"من وسائل الإعلام. وعندما سألوا عنه في الدير قال لهم أحد الآباء الرهبان إنه قضى وقته بالأمس مع راهب آخر حتى ساعة متأخرة من الليل، ولم يكن هناك أي شيء ينذر بما حدث، ثم وجدوه في الصباح الباكر وهو مُلقى على الأرض من مكان مرتفع.

الرهبان بصحبة أخيهم فلتاؤس

رافق الراهب فلتاؤس - الذي قيل إنه حاول الانتحار- 5 رهبان، ظلوا معه في الرحلة من صحراء وادي النطرون وحتى المستشفى القاهري. كان أحد هؤلاء الرهبان طبيبًا قبل التحاقه بالحياة الرهبانية، لذا طمأن من جاء من أهل زميله، قائلا لهم إن هناك أمل كبير أن يتم إنقاذ حياته.
وقف أهل الراهب أمام غرفة العناية المركزة وعيونهم معلقة بهذا الباب، يؤكدون أنهم يحاولون حماية ابنهم، ويرون أنه مستهدف وأن ماحدث كانت محاولة لقتله وليس كما زعم من حوله إقدامًا منه على الانتحار.

وحتى لحظة نشر هذه السطور؛ تأكدت المنصة أن أسرة الراهب لا تزال ترابط امام حجرته بالمستشفى خوفًا على حياته لاعتقادهم التام بأن ما طال ابنهم كان محاولة للقتل لا الانتحار. ولا يزال الراهب في غيبوبته الممتدة حتى اللحظة، ولم يستطع رجال الشرطة والنيابة العامة استجوابه.

الراهب الطبيب الذي جاء معه من الدير أفاد أنه وجد آثار حروق على ساق الراهب الخاضع للعلاج، بالإضافة لمعاناته من الكسور والسحجات نتيجة لسقوطه من مكان مرتفع، كما وجد بجسده جروحًا عند منطقة الرسغ في يديه الاثنتين وهي التي تم تفسيرها على أنها محاولة للانتحار.

من هو فلتاؤس المقاري

خبر ترسيم الرهبان العشرة ومن بينهم أشعياء وفلتاؤس المقاري من مجلة الكرازة المعبرة رسميا عن الكنيسة القبطية 

فلتاؤس المقاري شاب ثلاثيني اسمه قبل الرهبنة هو "ريمون". ولد في قليوب بمحافظة القليوبية وتخرج في كلية الآداب قسم تاريخ، وعمل كمدرس لمادة التاريخ وعاش في مدينة بنها، قبل أن يقرر أن يلتحق بحياة الرهبنة في دير الأنبا مقار.

ولأن من تعلق قلبه بالتاريخ لن يستطيع أن ينساه أو ينطفئ شغفه به، فلقد ظل فلتاؤس المقاري على عهده بالتاريخ. وعندما التحق بالدير أصبح يبحث في تاريخ الكنيسة والآباء الرهبان، وصدر له العديد من المؤلفات عن القديسين والآباء الرهبان الأوائل في تاريخ الكنيسة.

التحق فلتاؤس المقاري بالدير ضمن ما يسمى (بدفعة 2010) والتي أدخلها البابا شنودة الراحل للدير، لذا يحسبه البعض على "التيار الشنودي" داخل الأنبا مقار، خاصة أنه ضمن الفريق المرتدي للقلنصوة المشقوقة المتعارف عليها في الزي الرهباني بمختلف الأديرة، والتي لا يفضلها رهبان دير الأنبا مقار من المحسوبين على تيار الأب متى المسكين.

ورغم تلك الحسابات العرفية، يعتبر الأب فلتاؤس المقاري من الرهبان المقربين للأنبا إبيفانيوس الذي وجد مقتولا أمام قلايته، ففلتاؤس "ريمون" من الباحثين المجتهدين. وقام أسقف ورئيس دير أبو مقار المتنيح (المتوفي) بمراجعة أحد الأبحاث له قبل مقتله.

فلتاؤس وأشعياء المقاري

سيلفي التقطه الراهب المشلوح أشعياء المقاري ويجلس بجواره الراهب فلتاؤس المقاري

لم تكن تجمع الراهب فلتاؤس المقاري علاقة جيدة فقط برئيس الدير ولكن جمعته كذلك علاقة جيدة بالراهب المشلوح أشعياء المقاري، وكان من ضمن الرهبان الذين وقعوا خطاب الالتماس من أجل عودة أشعياء إلي الدير مرة أخرى.

جمع الراهب فلتاؤس المقاري بين المتناقضات، فهو على علاقة جيدة بالأنبا إبيفانيوس ومقرب منه، وكذلك تجمعه علاقة جيدة بالراهب المشلوح أشعياء المقاري الذي لم يكن يحبه رئيس وأسقف الدير، وظهرت لهما العديد من الصور التي تجمعهما.

الراهب فلتاؤس محسوب على التيار الشنودي (نسبة للبابا شنودة الراحل) ومع ذلك كان مقرب من الأنبا إبيفانيوس التلميذ المخلص للأب متى المسكين.

البداية عند أكسيوس

الأحداث المؤسفة لرهبان دير الأنبا مقار لم تبدأ عند مقتل رئيس الدير الراحل؛ وإنما بدأت عند الراهب أكسيوس المقاري، الذي كان يشغل منصب "ربيتة الدير"، أي من ينوب عن رئيس وأسقف الدير - الأنبا إبيفانيوس- في غيابه.

منذ عام ونصف العام توفي الراهب أكسيوس المقاري في حادث خلال رحلة إلى مدينة دمياط لشراء أخشاب لازمة لإنهاء بناء كنيسة داخل الدير. فمات الراهب في حادث سيارة.

بعد وفاته بفترة قصيرة اندلعت المشاحنات بين الراهب أشعياء المقاري، المسؤول عن مزرعةالدواجن بالدير، والأنبا إبيفانيوس رئيس الدير. وظهرت مطالب الأنبا بنقل الراهب المتمرد، لكن رهبان من الدير جمعوا توقيعات لبقائه، ومنهم فلتاؤس المقاري، الباحث في تاريخ الكنيسة والمسؤول عن مزرعة الزيتون بالدير، والذي يرقد الآن في العناية المركزة.


اقرأ أيضًا: القصة وراء تجريد أشعياء المقاري.. كيف يشكل مقتل الأنبا إبيفانيوس بداية لتطهير الرهبنة

اقرأ أيضًا: أزمة الكنيسة المصرية.. مقتل الأنبا إبيفانيوس يفتح بابًا جديدًا للتسامح