إيفان الرهيب يقتل ابنه - ويكيبيديا

من زُحل لـ محمود نظمي.. قتل الأبناء ممارسة قديمة تتجدد

هذا المنطق الملتوي، وهذه المشاعر المضطربة عادت مرة أخرى للظهور ولكن هذه المرة على يد محمود نظمي السيد، في قرية ميت سلسيل بالدقهلية..

عندما طلبت الأم الكبرى "جايا" من أبنائها الانتقام من أبيهم بإخصائه عقابًا على نفيه لأبنائها الأصغر، لم يكن أيهم مستعدًا لتنفيذ رغبة الأم، عدا كرونوس الذي هاجم أبيه منفذا رغبة أمه ثم ألقى بأعضاء أبيه في البحر. يومها لعنه أبوه "أورانوس"، بأن ينقضي مُلكَه على يد واحد من أبنائه. خوف المارد كرونوس من اللعنة التي ألقاها عليه أبوه دفعه لالتهام أبنائه واحدًا تلو الآخر، لكن أقواهم "زيوس" تمكن من إزاحة أبيه الملعون ليصير كبير الآلهة اليونانية.

لوحة زحل يلتهم ابنه - جويا - ويكبيديا

في لوحة شهيرة حملت عنوان "زحل يلتهم ابنه"، صوّر الفنان الأسباني فرانشيسكو جويا عام 1823، مشهد التهام كرونوس لطفله الرضيع في سعيه لتفادي اللعنة. هذه اللوحة رغم بشاعتها (ومغالطتها بتسمية كرونوس باسم ابيه زُحل- أورانوس)، تصور منطقًا ما لجرائم قتل الآباء لأبنائهم. إنه خوف الآباء على أنفسهم من دفع ثمن جرائمهم أو خطاياهم على يد الأبناء؛ وهو ماحرص جويا على تأكيده في ملامح الحزن والخوف البادية على وجه الأب أثناء التهامه المذعور لابنه.

هذا المنطق الملتوي، وهذه المشاعر المضطربة عادت مرة أخرى للظهور ولكن هذه المرة على يد محمود نظمي السيد في قرية ميت سلسيل بالدقهلية، بعد اعترافه في فيديو - أصدرته وزارة الداخلية- بقتل ولديه محمد وريان، وإلقائهم في ترعة فارسكور بدمياط.


بحسب بيانات وزارة الداخلية فإن اعتراف الأب بالجريمة جاء بعد روايات عديدة متضاربة "حاول بها تضليل رجال المباحث عنه"، منها قصة تحكي كيف كان ينزه أولاده في أحد الملاهي احتفالًا بأول أيام العيد، ثم جاءه شخص ليسلم عليه، مدعيًا زمالته في الطفولة، ثم اختفاء الطفلين، وقصة أخرى تحكي اختطاف الطفلين بواسطة سيدة منتقبة. "تكشّف هذا الخداع" بعد تصوير الأب في محطة بنزين بصحبة الطفلين وبمكالمة تليفونية "تتبعها رجال الشرطة" زعم فيها الأب لزوجته أنه يحدثها من ميت سلسيل ليبلغها باختطاف الطفلين، وبحسب تأكيدات الشرطة أجرى الأب هذه المكالمة من دمياط.


في اعترافه المُصوَّر، قال محمود إنه ارتكب الجريمة خوفًا على مستقبل الطفلين بعد مروره بأزمة مالية ناتجة عن إدمانه للمخدرات. اعترف المتهم بأنه ارتكب تلك الجريمة "حتى يدخل الأطفال الجنة"، مؤكدًا أنه أعطاهم الحلويات وحرِص على إسعادهم وتوديعهم قبل قتلهم. تبعت هذه الاعترافات أقوال أخرى زعم فيها أن هناك "جن" يحدثه، وأن أطفاله ملائكة، لا يريد لهم أن يعيشوا حياته البائسة. كما أكد أيضًا أن علاقته بتاجر آثار دفعته لارتكاب تلك الجريمة.

أطفال المريوطية عند العثور عليهم - الأهرام

في مقال بعنوان خمس أنواع من الآباء القتلة؛ تحدد الباحثة بجامعة سويمبرن الاسترالية "ليليان دي بورتولي" دوافع متكررة لدى الآباء لقتل أبنائهم، من خلال دراسة 155 حالة قتل من الآباء للأبناء وقعت في استراليا. هذه الدوافع التي صنفتها في خمس أنواع يتبين منها أن الآباء (الذكور) يميلون للقتل بطرق عنيفة، عادة ما يوجهون عدة طعنات أو طلقات لبطون وصدور الأبناء، وأنهم إما اعتادوا ضرب أطفالهم أو استغلالهم جنسيًا، وتظهر جثامين الأطفال مقتولين إصابات في الرأس والظهر نتيجة ضرب الأباء القتلة لهم. وفقًا للدراسة؛ فالأب الذي لا يزال مرتبطًا بالأم يقتل ضحية واحدة من الأبناء أما الأب المنفصل فيميل لقتل أكثر من طفل.

محمود نظمي مع ابنه ريان - من صفحته الشخصية على فيسبوك

لم تصدر أية تقارير تشهد بأن محمود نظمي من الأباء الذين يمارسون العنف والضرب، بل تُظهِر الصور المتعددة له مع أبنائه، والتي كان ينشرها بوتيرة شبه منتظمة على صفحته الشخصية، علاقة قريبة حانية. لكن الدراسة الاسترالية ليست كافية لدعم الشكوك والشائعات التي دفعت أبناء قريته "ميت سلسيل بالدقهلية" للقيام بتظاهرات يطعنون فيها في اعترافه، ويتهمون أجهزة الأمن بـ"تلفيق" تهمة قتل الأبناء له.

ليست حالة فريدة

تأتي هذه الجريمة بعد مرور حوالي شهر على جريمة أخرى أثارت اللغط، حيث قامت أم لثلاثة أطفال، بإلقاء جثث أطفالها بجوار ترعة المريوطية بالجيزة، وهو ما أثار الشائعات حول عصابات خطف للأعضاء. ولكن جاءت التحقيقات لتكشف عن دور الأم بإلقاء جثامين الأطفال بعد وفاتهم خوفًا من المسؤولية، بعد وفاتهم في حادث حريق بشقتها أثناء عملها بملهى ليلي في منطقة الطالبية.

تلقي هذه الجرائم الضوء على تغير نوعي في جرائم قتل الأبناء والأباء، بعدما حفلت سجلات الشرطة، بالعديد من هذه الجرائم بأسباب متنوعة، مثل نوبات الغضب أو الاعتداء الجنسي.

من أحدث هذه الجرائم مثلًا، حادثة قتل موظف على المعاش لابنته بسبب 200جنيه رفضت زوجته إقراضها له، فقام بطعنها وقتل ابنته أثناء دفاعها عن أمها. أو حادثة المنيا، حيث قتلت أم ابنها وشرعت في قتل الثاني انتقامًا من زوجها الذي رفض السماح لها بزيارة أسرتها في عيد الأضحى. تزايدت هذه الحوادث في الفترة الأخيرة، وظهرت بوضوح على صفحات الجرائد، ودائمًا ما تبدأ كتابة هذه الأخبار بجمل توضح ندرتها لكن هل الأمر بهذه الندرة؟

في الأشهر الثمانية الأولى من العام الجاري وقعت بمصر 57 جريمة قتل فيها آباء أبناءهم، وتنوعت الأسباب بين الغضب والاضطراب النفسي والانتقام والخوف على الأطفال من الفقر.

تكشف نوعية الجرائم المتتالية في الفترة الأخيرة أن الأسباب تتنوع من الغضب إلى الانتقام، ولكن هناك سبب أخر يفسر هذه الجرائم؛ يقول الخبير التربوي كمال مغيث إن الفقر الشديد هو أول أسباب هذه الظاهرة، وثانيًا عدم ثقة الآباء في المستقبل، وقدرتهم على توفير حياة كريمة لأبنائهم.

كما يتبين أيضًا تكرار مثل هذه الحوادث، في مواسم معينة كل عام، فشهر سبتمبر/ أيلول من العام الماضي، شهد أكثر من 5 جرائم قتل أب لأبنائه في عشرة أيام فقط، أي بمعدل جريمة كل يومين.

تاريخ طويل

لا تقتصر حوادث قتل الآباء لأبنائهم على مصر؛ فصفحات الحوادث يتكرر فيها نقل هذه الحوادث عن جرائد عالمية، لما وراءها من حكايات ومآس تثير شهية القراء.

ودائمًا ما تغطي القنوات التليفزيونية جرائم قتل الأبناء بمساحات بث خاصة ومكثفة، بل وقبل ظهور الإعلام بشكله الحالي، رصدت اللوحات الفنية، مثل هذه الحوادث، وذكرتها الكتب التاريخية؛ فمثلًا تستدعي الذاكرة لوحة "إيفان الرهيب يقتل ابنه" (الصورة الرئيسية لهذا التقرير). وعلى خلاف كرونوس الذي التهم أبناءه في الأسطورة اليونانية؛ فإن القيصر إيفان الرهيب اكتفى بقتل ابنه والحزن عليه.

رغم أن اللوحة رسمت في ثمانينيات القرن التاسع عشر على يد الفنان الروسي إيليا ريبين، لأغراض سياسية، خاصة مع ومع وجود شكوك في صحة الواقعة التي تستند إليها اللوحة؛ إلا أن مشاعر الحزن على وجه الأب القاتل لا تزال ماثلة في أعين كل من رأى اللوحة.

كذلك نذكر، حادثة قتل جوزيف جوبلز لأطفاله وعائلته بالكامل، خوفًا من انتقام الحلفاء، بعد سقوط الرايخ الثالث، وزوجته ماجدا التي عاونته في تسميم الأطفال ثم انتحارهما.

المغني الأمريكي مارفن جاي عام 1973

في العصر الحديث، لابد من ذكر حادثة قتل المغني الأمريكي مارفن جاي ملك غناء الموتاون، الغناء الذي جمع بين موسيقى السول وموسيقى البوب الشعبية. قُتل مارفن على يد والده، ولكن الاختلاف عن الحوادث السابقة أن المغني قتل وهو يبلغ من العمر 45 عام، وكان في أوج شهرته، بسبب نقاش احتد ووصل للقتل بسبب والدة مارفن.

كما لا تغيب أيضًا حادثة قتل تيموثي جونز لأولاده الخمس بعد حصوله على حق حضانتهم، هذه الجريمة طالما استدعت التساؤلات عن سبب القتل بعد صراع للحصول على حق الحضانة. أو حادثة قتل "رجل فينيكس" لابنه، بعدما ظن أنه شيطان جاء ليأكله، فتم الحكم بإيداعه في مصحة نفسية.

بعد ذكر هذه الحوادث وأسبابها، يمكننا ملاحظة العديد من التشابهات بينها، وهي تشابهات رصدتها مجلة علم الطب الشرعي الدولية، في بحث تم إعداده على مدار 32 سنة لجرائم الولايات المتحدة الأمريكية. ولخصتها CNN. حيث قالت إن هناك 500 جريمة تحدث سنويًا من هذا النوع في الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، وتدور معظم الأسباب في فلك 5 دوائر رئيسة هي؛ الخوف على الأبناء من تبعات الفقر، والهلاوس النفسية مثل تخيل مس الأطفال والرغبة في التخلص منهم بسبب ذلك، كون الأطفال غير مرغوبين ويتصور الىباء أن وجودهم يقف عقبة بينهم وبين النجاح والثراء، والحوادث غير المقصودة، وأخيرًا، الانتقام من الطرف الثاني في العلاقة.

هذه التشابهات في الولايات المتحدة تكاد تتطابق مع الحوادث في مصر، ففي الأشهر الثمانية الأولى من العام الجاري وقعت بمصر 57 جريمة قتل فيها آباء أبناءهم، وتنوعت الأسباب حسب منشورات النيابة والمباحث العامة بين الغضب والأسباب النفسية والدوافع الانتقامية والخوف على الأطفال من الفقر.

واللافت أنه بالبحث في وسائل الإعلام المصرية منذ بداية 2018، نجد أن نصف عدد الجرائم سببها الغضب الشديد، سواء بسبب السرقة أو المشاجرة التي احتدت بين الآباء والأبناء أو بينهم وبين زوجاتهم فقُتل الأبناء في فورة الغضب. وإن كان مقياس المرض النفسي الذي اعتمد في الدراسة الأمريكية، كان مقتصرًا على حالات الهلاوس، أو المس، فبالتأكيد يمكننا أن نميز ملمح المرض النفسي المتمثل بالغضب في الحالات المصرية.

مظاهرة ميت سلسيل - الشروق

رغم هذا لا يزال الكثيرون لا يصدقون مثل هذه القسوة، ورغم هذا الرصد، إلا أن حادثة محمود نظمي، تتجدد حتى الآن، رغم اعتراف الأب، إلا أن رفض جدة الطفلين لاتهامه بالجريمة، قاد لمظاهرة في ميت سلسيل، ترفض اعتراف الأب، وتطالب بإعادة التحقيقات، وانتشرت الشائعات غير الموثوقة، ولكن في المسار القانوني، قررت النيابة إحالة المتهم إلى محكمة الجنايات، بتهمة القتل العمد.