سلسلة بشرية مناهضة للتحرش في شوارع القاهرة- المصدر: الأمم المتحدة للمرأة- فاطمة الزهراء ياسين

اﻷزهر والتحرش: هل حقا هناك تياران يتصارعان على الأفكار؟

"أعتذر عن هذا الخطأ، ﻷن ما وقع في مصر اﻷسبوع الماضي لا يتحمّل أن نحمّل الفتاة أو المرأة أي مسؤولية".
الدكتور محمد عبد الفضيل، مدير مركز الأزهر العالمي للفتوى.

بدأ الأمر بفيديو يوثّق واقعة تحرش في التجمع الخامس، وسرعان ما تصاعدت حوادث التحرش والشهادات التي وثقتها الفتيات في النصف الثاني من هذا الشهر، بين استهداف فتيات عقب صلاة عيد اﻷضحى في القاهرة، وصولاً للأسكندرية حيث انتهت واقعة تحرش بجريمة قتل.

أمام تلك الوقائع، خرج الأزهر يوم الاثنين الماضي بإدانة صريحة للمتحرشين وتحريمًا للتحرش، ورفض ربط هذا الفعل بملابس أو سلوكيات الفتاة. لكن عقب بيان اﻷزهر بساعات خرجت جهة تابعة له، هي المركز العالمي للرصد والفتوى اﻹلكترونية، تدين التحرش والمتحرشين، لكنها ألقت باللوم على مَن وصفتهن بـ "المتبرّجات" وأشارت إلى الاختلاط بين الجنسين والتبرج باعتبارهما من اﻷسباب الرئيسية للتحرش، وذلك في تقرير ختامي لورشة نظمها هذا المركز لمكافحة التحرش.

أثار تقرير المركز جدلاً، ليس بسبب لومه للفتيات أو توصية الورشة بمراقبة الشاشات اﻹعلامية والإلكترونية كأحد سبل الحد من التحرش وحسب، بل ﻷنه ناقض بخطابه ما ورد في بيان المؤسسة الأم، اﻷزهر؛ ما دفع للتساؤل حول أسباب هذا التناقض، وما إذا كان ينم عن تعارض تيارات فكرية داخل المؤسسة بصورة ظهرت جلية للعلن مع أول موقف، عبر خطابين متناقضين حول مشكلة واحدة هي التحرش.

كلنا شيخ الأزهر؟

نفى الدكتور محمد عبد الفضيل، مدير مركز الفتوى الذي نظّم الورشة، وجود مثل هذه الخلافات، مشددًا على أن الباحثين والمفتيين العاملين في المركز "يتفقون بنسبة 100% مع توجّهات اﻷزهر، وعلى رأسه شيخه أحمد الطيب".

وأضاف عبد الفضيل، في تصريحات هاتفية للمنصّة "ما صدر عن المركز لم يكن بيانًا، ولم يأخذ طابع البيان لا في العنوان ولا المحتوى، وهو فقط ملخص لورشة عمل بمشاركة الباحثين والمفتين ورؤوساء اﻷقسام الستة التابعة له. ويجب التفريق بين البيان المرتبط بأحداث معينة، وبين اﻷخبار والمنشورات العامة التي لا تُعتبر بيانًا ولا حُكمًا شرعيًا".

أما الباحث عمرو عزت، وفيما يتعلق بفرضية التيارات المتعارضة داخل اﻷزهر، فأكد عدم وجودها، لكن ذلك كان من منطلق ترجيحه أن الصادر عن الورشة "غالبًا ما يُمثل الخطاب المعتاد من الأزهر، وأن البيان الذي يُدين التحرش "خرج بهذه اللغة المحكّمة، ﻷن هدفه توضيح تحريم الشريعة للتحرش كجريمة يواجهها المجتمع بأكلمه، دون الخوض في الوعظ الذي لن يوجهه اﻷزهر إلا للمسلمين فقط".

وأضاف الباحث الحقوقي، للمنصّة، أن الأزهر "رأى أن المناسب في هذه اللحظة هو خطاب ينتصر للمرأة بعد تفاقم مشكلة التحرش؛ فكان وأن دان الجريمة مباشرة دون تحفظّات، ببيان يحمل موائمات سياسية كانت صائبة هذه المرّة ولها أثر إيجابي".

لكن عزت استدرك بتأكيد أنه "من اﻷفضل بوجه عام أن يكون الأزهر جامعة لا تتدخل في السياسة أو القانون أو الحقوق والحريات، حتى ولو أتى رأيها إيجابيًا هذه المرّة".

المركز يعتذر

لم تمض ساعات على منشور "التبرّج والاختلاط" إلاّ وكان محذوفًا من موقع وصفحة المركز على فيسبوك "في اعتذار ضمني لمن ولّد عنده المنشور سوء فهم"، على حد تعبير مدير المركز الدكتور محمد عبد الفضيل الذي قال "بعد نشره لاحظنا سوء فهم كبير جدًا من بعض القرّاء، نتيجة تعرضه للفتاة المتحرَش بها، إذا كان مظهرها أو لباسها يبدو عليه أنه سبب للتحرش؛ فسارعنا بحذفه فورًا. ولولا أننا نخاف أن نعطي اﻷمور أكبر من حجمها لنشرنا اعتذارًا على الصفحة الرسمية".

وأكد عبد الفضيل تحريم وتجريم التحرش، ورفض الحديث عن ملابس الفتيات كأحد أسبابه، في تكرار لما ورد في بيان اﻷزهر، وقال "أعتذر عن هذا الخطأ، ﻷن ما وقع في مصر اﻷسبوع الماضي لا يتحمّل حقيقةً أن نحمّل الفتاة أو المرأة أي مسؤولية أيًا كانت".

وتقف مصر في مصاف الدول الأولى بقوائم التحرش، إذ كشفت دراسة صادرة عن اﻷمم المتحدة، عام 2013، أن "99% من المصريات تعرّضن للتحرش"، فيما كشفت دراسة أجرتها مؤسسة تومسون رويترز عام 2017، أن القاهرة "أكثر المدن الكُبرى خطرًا على النساء في العالم".

يقول عبد الفضيل إن "صفحة المركز على فيسبوك احتفظت ببيان إدانة التحرش اﻷول حتى هذه اللحظة" في إشارة ضمنية إلى أن هذا هو البيان الرسمي المعبّر عن صوت وحيد للمؤسسة ، وذلك بعد حذف تقرير الورشة.

أما الباحث بالمبادرة المصرية فعلّق أيضًا على حذف المنشور بقوله إن ورائه قناعة بأن "بيان شيخ اﻷزهر هو الصوت الوحيد للمؤسسة"، لكنه أشار إلى أن عدم حذف المنشور "ولو اختلفنا مع مضمونه، سيكون له بعدًا إيجابيًا يتمثل في تعبير مختلف المجموعات والقواعد اﻷزهرية عن آرائها، لاسيما وأنها تتعامل مع المواطنين بدرجة أكبر من المشيخة التي تتحدث باسم اﻷزهر بجامعته وتياراته ومشايخه".

خلاف على الملابس

كان سرّ حفاوة كثيرين ببيان اﻷزهر هو تأكيده أن تجريم التحرش والمتحرِش "يجب أن يكون مطلقًا ومجردًا من أي شرط أو سياق"، بل ومطالبته بتفعيل القوانين التي تُجرّمه.

واعتبر البيان تبرير التحرش بسلوك أو ملابس الفتاة "يعبّر عن فهم مغلوط، لما في التحرش من اعتداء على خصوصية المرأة وحريتها وكرامتها، فضلًا عما تؤدي إليه انتشار هذه الظاهرة المنكرة من فقدان الإحساس بالأمن، والاعتداء على الأعراض والحرمات".

أما التقرير الختامي للورشة، الذي لاقى نقدًا واستهجانًا، فكان مما ورد فيه أن "من أسباب ودواعي التحرش الجنسي الاختلاط مع التبرُّجُ وما له من أثرٍ في وجود التحرُّشِ"، بل وأضاف نقلاً عن حضور الورشة "ونحن إذ نُدين الشباب، فإننا لا نُخلي الفتاة من المسؤولية؛ رغم إدراكنا أن المتحرّش لا يُفرّق بين متبرِّجة أو غير متبرّجة؛ إلّا أن التبرج أدعى لوجود هذه الظاهرة".

وعلى الرغم من تلك العبارات، دافع مدير المركز المنظم للورشة عن التقرير، بقوله إن اتهام المنشور بمخالفة بيان اﻷزهر "حكم عام وغير دقيق. ﻷن المحتوى المختلف عما جاء في بيان اﻷزهر يمكن اختصاره في جملتين أو ثلاثة فقط من مجموع صفحتين أدانتا التحرش وفاعله، لاسيما وأن نتائج الورشة تناولت كل ما طُرح فيها من وجهات نظر ، وجميعها حكم على التحرش بأنه مخالف للشريعة، مثلما جاء في بيان اﻷزهر".

ورأى عزت رأى في الاختلافات بين البيان وتقرير الورشة مؤشرًا آخر على أحد احتمالين "اﻷول أن الرأي الإيجابي الذي حرّم وجرّم التحرش ورفض لوم للفتيات، لم يتعد تأثيره مكتب شيخ الأزهر فقط؛ ما يعني أن التعويل عليه في أن يؤثر في المجتمع بأكمله أمر صعب، أو الاحتمال الثاني وهو أن هناك مشكلة في التواصل والحوار داخل المؤسسة".


اقرأ أيضًا: الدورة الشهرية.. دماء في رقبة الدولة