جند الإسلام.. بقايا القاعدة المرابطين في سيناء

يطرح ظهور جماعة جند الإسلام كثيرًا من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات تحدد موقعها بين حركات الجهاد الإسلامية ومدى جديتها وقدرتها على وضع قدم ثابتة على الأرض.

بخطاب كلاسيكي قديم، بثت جماعة جند الإسلام التي تنشط في سيناء تسجيلًا مصورًا تصدرته قضية القدس والمسجد الأقصى، كما أعلنت فيه استراتيجية عملها وتمسكها بـ"الرباط طويل المدى" بدلًا من التورط في القتال دول تدريب وترتيب مسبق، لتجذب الاهتمام إلى تنظيمات إسلامية جهادية أخرى تنشط في سيناء بعيدًا عن ولاية سيناء الذي يبايع تنظيم الدولة الإسلامية، والمسؤول عن معظم عمليات العنف في شبه الجزيرة خلال السنوات الأخيرة.

وتعمل جماعة جند الإسلام، التي يربطها خبراء الجماعات الإسلامية بتنظيم القاعدة، في سيناء منذ عام 2012، وتبنت عدة عمليات لتفجير خطوط الغاز بين مصر وإسرائيل، كما نفذت عملية الهجوم على مقر المخابرات الحربية في رفح عام 2013. ولكن الجماعة لم تشر سابقًا في أي من إصداراتها صراحةً إلى هذه الصلة.

ولكن في عام 2014 أصدرت الجماعة تسجيلًا مصورًا يوثق استهداف مقر المخابرات الحربية، استخدمت فيه مقطعًا من خطبة لأيمن الظواهري استعانت بها الجماعة كمرجعية لخطابها.

جند الإسلام التي سبق وأن أعلنت معارضتها لنهج ولاية سيناء، الفصيل الأكثر عنفا و انتشارا في شبه الجزيرة، أطلت في الآونة الأخيرة إعلاميًا مرتين، من خلال بيانين نشرتهما على مواقع التواصل الاجتماعي في إحدى غرف موقع تليجرام، جاء الأول لتهنئة المسلمين بعيد الأضحى، بينما كان الثاني تنظيميًا لإعلان قرار فصل أحد عناصر الجماعة ويدعى أحمد العرجاني بسبب عدم التزامه بتعليمات الجماعة وتوجهه للعمل الفردي رغم تحذيره مسبقًا.

ويبدو من لقب العنصر المفصول أنه من عشيرة العرجاني إحدى عشائر قبيلة الترابين التي تتزعم اتحاد قبائل سيناء المناوئ لولاية سيناء، وهي نفس عشيرة رجل الأعمال إبراهيم العرجاني، أكبر داعمي اتحاد القبائل ماديًا ومعنويًا.

وفي وقت سابق أعلنت جند الإسلام عن مجابهتها لعناصر تنظيم داعش، في مناطق جنوب الشيخ زويد، فيما أعلنت في بيان آخر رفضها لعملية قتل سائقي شاحنات نقل الاسمنت بوسط سيناء، و استنكارها لعملية مسجد الروضة.

بيان لجماعة جند الله يدين استهداف ولاية سيناء لسائقي سيارات النقل

التنظيم الوظيفي

خلال العقد الأول من الألفية اعتنق أغلب أبناء التيارات الجهادية في سيناء فكر تنظيم القاعدة، حتى أن التنظيم المحلي الذي ألقت أجهزة الأمن بمسؤولية تفجيرات طابا وشرم الشيخ عام 2004 عليه، واسمه "التوحيد و الجهاد"، كان متهمًا بحمل أفكار القاعدة، وظلت تلك الأفكار هي الحاكمة لتوجهات العناصر المحلية حتى ظهور تنظيم أنصار بيت المقدس عام 2013.

كانت تلك الفترة مفترق طرق عقائدي عندما بايع معظم جهاديي سيناء تنظيم داعش الأم في سوريا والعراق وكان وقتها يسيطر على مزيد من الأراضي ويبسط مساحة دولته أكثر فأكثر، ولكن حتى في تلك الأثناء وبحسب الروايات المحلية للأهالي، فإن وجود عناصر جهادية غير مرتبطة بداعش كان ملحوظًا بإعداد قليلة، وعرف بعضهم نفسه للأهالي بأنه ينتمي لجند الإسلام و آخرين قالوا إنهم ينتمون لجبهة النصرة التي كانت تنشط في سوريا حينها قبل أن تعلن قبل سنتين ولاءها للقاعدة.

ويطرح ظهور جماعة جند الإسلام كثيرًا من الأسئلة التي تحتاج إلى إجابات تحدد موقعها بين حركات الجهاد الإسلامية ومدى جديتها وقدرتها على وضع قدم ثابتة على الأرض.

وباستعارة المصطلح الذي أطلقته جماعة جند الإسلام على الحكومات العربية؛ الأنظمة الوظيفية، يمكن اعتبار جند الإسلام "تنظيمًا وظيفيًا" له هدف محدد لصنع حائط صد أمام طموحات ولاية سيناء ومن خلفه تنظيم الدولة الإسلامية، والذي يصدر نفسه كبديل للأنظمة العربية، أما جند الإسلام فلم يطرح نفسه أبدًا كبديل لهذه الأنظمة قدر ما حرص على نقدها خاصة فيما يتعلق بقضية القدس، وهو ما قد يمنحها بعض الرضا الأمني المرحلي، مثل "اتحاد قبائل سيناء" الذي حارب داعش و ينال رضا الأجهزة الأمنية.

ولكن ثمة تساؤل يبقى معلقًا حتى اللحظة، حول سعي هذه الجماعة، وما إذا كانت تطرح نفسها بديلًا لخلافة ولاية سيناء في شبه الجزيرة والذي لم يعد بالقوة التي كان عليها خلال السنوات الماضية، أم أنها تطرح نفسها كحل وسط للأزمة على غرار الوضع فترة حكم الرئيس الأسبق محمد مرسي، عندما طرحت الجماعات المسلحة في سيناء نفسها كجماعات تقاتل إسرائيل وأن سلاحها لن يرتد إلى الداخل المصري.

ولكن التنظيم في كل الأحوال يسعى إلى تأكيد أنه يمتلك سندًا قبليًا وانتشارًا بين أبناء القبائل، ففي التسجيل الأخير يستعرض صورًا لـ 14 شخصًا بعضهم بصورته الحقيقة وبعضهم الآخر برسوم تعبيرية، قالت إنهم "شهداء" ينتمون إليها، تحمل أسماءهم ألقابًا تبين أنهم ينتمون لقبائل شمال سيناء.

والقتلى الـ 14 الذين ينتمون للجماعة هم ياسر بدران ويوسف التركماني وسليمان أبو جرير ومحمد سليمان بلاهين ومصطفى أبو عرادة وناصر أبو جهيني وأبو همام المقيطعي من قبلية السواركة، وعاصم الرميلات وأبو أنس الحسينات وأبو البراء الرميلات من قبيلة الرميلات، وسياف أبو رياض من قبيلة الرياشات، وأبو فهد الترابين من قبيلة الترابين، إضافة إلى أبو مروان المهاجر ويتبين من لقبه أنه من خارج سيناء، وأبو ريان الأنصاري ويتبين أنه من العناصر المحلية في سيناء، وهذان الأخيران هما من بثت الجماعة تسجيلًا مصورًا لهما في السابق كمنفذي الهجوم على مقر المخابرات الحربية في رفح بسيارتين مفخختين.

عدد من القتلى الذين أعلن تنظيم جند الله انتماءهم إليه

مواقع الجهاد شاغرة

يبدو واضحًا في الفيديو الأخير أن الجماعة وضعت عدة نقاط متسلسلة لتكوّن بنية التسجيل المصور، تخاطب بها جمهورًا غير محدد بغية كسب أنصار و عناصر كما هي الدعوة الصريحة في نهاية التسجيل، كما يبدو لافتًا توجيهها نقدًا سياسيًا حادًا للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي دون ذكر قوى الأمن المصرية.

واستهلت الجماعة تسجيلها المصور بقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس، وموقف الحكام العرب الذين سمتهم الجماعة "الأنظمة الوظيفية"، وأدانت غياب رد الفعل على قرار ترامب قبل الانتقال للحديث عن صفقة القرن.

وبعد ذلك يتحدث التسجيل المصور عن قضية هدم المنازل و تجريف المزارع في رفح وسيناء ليعزز فرضية أن تلك الأفعال هي لتحقيق صفقة القرن، و يصف المعلق الصوتي في التسجيل العملية العسكرية الشاملة التي تشنها القوات المسلحة "سيناء 2018"، بـ "العملية الماكرة".

وهنا ينتقل الخطاب إلى عنوان الفيديو الصريح "ورابطوا" بعد أن قدمت دفوع مشروعية وجودها بما تعتبره أدلة شرعية، استعارت فيها كلمات مسجلة لرموز الخطاب القاعدي ومنهم الشيخ عبد الله عزام فلسطيني الأصل، ثم الشيخ عبد الحميد كشك ثم رمز التيار الجهادي الشيخ عمر عبد الرحمن الذي توفي في محبسه بالولايات المتحدة.

وترى الجماعة أنها في مرحلة استراتيجية وهي مرحلة "الرباط طويل المدى"، بدلا من التورط في القتال دون الإعداد الجيد أو دخول مرحلة رباط استباقية. وفي هذا المفصل يؤكد المعلق الصوتي على تميز هذه الجماعه عن غيرها من الجماعات الإسلامية التي تنشط في سيناء دون أن يسمي جماعةً بعينها.

وتعرف الجماعة نفسها نصًا في الفيديو بأنها "طائفة ظاهرة على الحق من مهاجرين و أنصار.. وضع لهم القبول بين أبناء قبائل سيناء.. وكان لهم دور عصمة الجهاد من الانحراف و الانزلاق في متاهات الغلو و التكفير" ولم تنسَ الإشارة إلى تصدي مقاتليها"لمخططات اليهود في سيناء".

وتنهي الجماعة التسجيل المصور المصور الذي تصل مدته إلى 16 دقيقة بدعوة صريحة "يا أهل مصر إن مواقع الجهاد والدفاع عن بيت المقدس في سيناء شاغرة"، ثم ينتهي التسجيل بعبارة مكتوبة؛ "قادمون يا أقصى".