وزيرا التعليم والانتاج الحربي ومحافظ القاهرة في إحدى المدارس المصرية. صورة من أرشيف جريدة الأخبار

تعليم القهر: تابلت طارق شوقي في مواجهة فلسفة باولو فريري

لا يوجد تعليم محايد؛ بل تعليم يَقهر أو يُحرّر.

خلال الشهر الأول من العام الدراسي الجديد 2018، كانت الخطة التي وضعتها وزارة التربية والتعليم المصرية لتطوير التعليم لا تسير على ما يرام.

أدت الكثافة الطلابية في المدارس لوفاة طفل في أول يوم دراسي بسبب التدافع على اللحاق بالصفوف الأولى، وأنتجت مشكلات البنية التحتية بالمدارس مشادات بين الأهالي، بالإضافة إلى قرارات فردية اتخذها مديري بعض المدارس الحكومية تجاه الطلبة بضرورة حلاقة شعرهم، واستبدال صور ميكي ماوس بصور الشهداء في فصول الأطفال لتكريس الروح الوطنية لدى الأجيال الجديدة.

لهذا؛ قد تكون قراءة كتابات الفيلسوف البرازيلي باولو فريري (1921- 1997) حول قضية التعليم وتربية الأطفال في المدارس، مفيدة. خصوصًا أن كتابات فريري خرجت من المجتمع البرازيلي أثناء رحلة التحول الديمقراطي بعد فترة من الانقلابات العسكرية، أدت لطرد فريري نفسه لسنوات خارج الوطن.

تتشابه تجربة فريري ومشروعه التعليمي في البرازيل، كثيرًا مع المشهد المصري فهو يقدم قراءة عميقة لتجربة التعليم الجديدة في بلاده يمكن اسقاطها على التجربة الجديدة لوزير التعليم طارق شوقي. وتعتمد نظرية فريري على نظرة نقدية للتعليم من أجل تقليل تبعية شعوب العالم الثالث، وهو الذي كان طيلة حياته يؤمن أنه لا يوجد تعليم محايد، بل تعليم يقهر، وآخر يُحرر.

التكنولوجيا من الممكن أن تشل الحياة البشرية ويصبح الأفراد متعاملين مع أجهزة أكثر تطورًا من نضجهم العقلي "التابلت نموذجًا"، مما يجعلهم مُستعبَدين أو قابلين للإستعباد من الأنظمة السياسية والاقتصادية.

بريق التابلت على حساب المشاركة

بحسب تصريحات وزير التربية والتعليم المصري، طارق شوقي، فإن الوزارة تستهدف في الخطة الجديدة "توسيع استخدام التكنولوجيا في التعليم". ويعد التابلت ركيزة أساسية في خطة الوزارة، لكن يجب التفكير في أن التكنولوجيا قد لا تظهر سلبياتها في العملية التعليمية خصوصًا التي تقوم على التلقين، ما قد يزيد من خطورة الرهان على الأثر بالإيجاب أو السلب في تكوين عقلية الأجيال الجديدة.

هذا ما حاول باولو فريري الإشارة له في كتابه "تربية القلب في مواجهة الليبرالية الجديدة"، ونقد ما قد يجري للطلاب في إطار العولمة، حيث أوضح فريري أن التكنولوجيا من الممكن أن تشل الحياة البشرية ويصبح الأفراد متعاملين مع أجهزة أكثر تطورًا من نضجهم العقلي "التابلت نموذجًا"، مما يجعلهم مُستعبَدين أو قابلين للإستعباد من الأنظمة السياسية والاقتصادية.

تضخم مساحة الفضاء الإلكتروني في التعليم، ربما يعمل على فصل الطلاب عن بعضهم البعض، حتى وهم داخل فصل دراسي واحد. لهذا يجب أن يأخذ المسؤولون عن تنفيذ خطة الوزارة في الاعتبار عدم اختزال الفكر التعليمي في تشجيع المنافسة الفردية المُنعزلة التي لا تحترم أي اعتبارات إنسانية، على حساب دمج الطلاب في فصول تشاركية ونشاطات طلابية تعتمد فيها على التحليل النقدي والتفكير المشترك بين الطلاب.

فالدولة ممثلة في وزارات التربية والتعليم، في نظر فريري، تنجح عندما تحمي شعبها من خطر السوق الحر وتجاوزاته، خصوصًا في مجال التعليم، وعليها تقديم وسائل ومناهج تساعد الطلاب على تشكيل الاقتصاد والاشتراك فيه بشكل فعال كأيدي عاملة قادرة على عملية تراكم الرأسمال، بعيدًا عن عملية الإستغلال وعدم المساواة التي تنتج عنها الطبقية.

لهذا طمح فريري في نموذج مضاد وبديل للنموذج التعليمي الآلي، تكون أولويته في الأساس قائمة على التربية النقدية والتشاركية ثم الترابط عبر شبكات الإتصال التي وفرتها العولمة حتى يبتعد عن سلبيات التكنولوجيا التي تتراجع فيها قيمة النقد والحرية في ظل ثقافة تريد إنتاج أيدي عاملة لا مواطنين أحرار.

التربية بالقهر قد تأخذ مسارين؛ الأول تخريج قطيع ليس عليه إلا أن يطيع ويسمع. والثاني تشكيل وعي مضاد يحاول رفض أي قيمة وطنية عند الطفل حينما يكبر ويصطدم بالحياة.

نربي الانتماء أم نربي القهر

بعد أيام من العام الدراسي بدأت تنهال فيديوهات من داخل مدارس في القاهرة والمحافظات تكشف ما يحدث داخل الأسوار، إذ قرر مدير مدرسة، بمحافظة الغربية، اصطحاب حلاق لقص شعر عدد من الطلاب وصفهم بغير الملتزمين.

بالنظرة المجردة لهذا الفعل نجد أن المدير قرر بكل بساطة انتهاك أبسط حقوق الطلاب في حق اختيار تعاملهم مع تسريحة شعرهم والتي قد تعكس فكر وهوايات كل طفل على المدى البعيد، هذا ما يمكن أن نطلق عليه "تربية القهر" بتعميم نموذج موحد لكل الأطفال، مُهدرة أي فرصة للتميز والاختلاف، حتى وإن كانت تسريحة شَعر.

تبع ذلك الفيديو بيانًا أرسله محافظ القليوبية، اهتمت به وكالات عالمية مثل بي بي سي، لأن المحافظ قرر استبدال رسومات ميكى ماوس من على جدران الفصول الإبتدائية من أجل تعليق صور الشهداء.

يفسر ذلك الفعل رغبة الحكومة/ وزارة التربية والتعليم، من خلال خطتها، عملية إعادة بناء الانتماء الوطني، لكن هذه الطريقة المباشرة في تنفيذ الأفكار عسكرية الطابع ربما لا تؤثر بالإيجاب في ذهنية الأطفال بقدر احتمالية أن تأخذ مسار وطريقة تربية قطيع ليس عليه إلا أن يطيع ويسمع، ويمكن أن يتشكل ضدها وعي مضاد يحاول رفض أي قيمة وطنية عند الطفل حينما يكبر ويصطدم بالحياة.

لهذا أكد فريري أنه "لا" يجب أن يكون محرك فلسفة التعليم في العالم النامي (يمكن اتخاذ مصر نموذجًا) هو الأهداف العسكرية أو الإقتصادية. فأبدع فريري العديد من المفاهيم النظرية مثل القضاء على الاستعباد، والتعليم من أجل المقاومة، والمعلم الفنان، والمعلم المفكر.

يسهل الاستنتاج بعد قراءة فريري بأن الأزمة ليست تربوية بقدر ما هي أزمة مجتمع، وأنه ليس بالتعليم وحده يمكن تغيير المجتمع، فمع استمرار الأفكار القديمة يسهل صناعة مجتمع مختلًا، يستخدم فيه التعليم كأداة لتكريس الخلل والمفاهيم الخاطئة مثل: الطبقية، الفقر، التسلط، الظلم، التحرش.

البنية التحتية للتعليم: مدرسة ومدرّس

كشفت الصور والفيديوهات التي يتداولها المواطنون على مواقع التواصل الاجتماعي أن المشكلة البنية الأساسية للمدارس والتي يمكن أن نضعها كأكبر المشاكل التي تواجه التعليم في مصر، لهذا يجب على الدولة أولًا العمل بشكل جادي لبناء مدارس جديدة، وتوفير مقاعد أكبر للتلاميذ لتقليل كثافة التلاميذ في الفصل الدراسي، لكي يحصل كل طفل على الرعاية التربوية اللازمة لتنشئة عقله بصورة سليمة.

فالتواصل المباشر بين الطالب والمعلم في بيئة دراسية مُعدة جيدًا من حيث النظافة والتهوية ومراعاة زوايا الرؤية داخل الفصل الدراسي يساعد الطلبة كي يصبحوا أكثر تفاعلًا مع محيطهم والعمل فيه بشكل أنشط، ليفكر الطالب فيما يدرس، ولا يفكر في جرس انتهاء الحصة والرحيل من المقبرة الجماعية المسماة بالفصل الدراسي.

ولهذا حرص فريري على التأكيد بأن تطوير الأسلوب التعليمي يمكّن البشر من استعادة الحرية والتوازن النفسي، والانتقال من حال الخضوع إلى التمرد و المجابهة. والذي دائمًا ما يظل رهينا بتبديد عوائق في التكوين النفسي والعقلي للمُتعلم فرضها عليه سياسات التبعية المجتمعية والسياسية والإقتصادية للمستعمر أو الطبقة العسكرية - الإقتصادية الجديدة المسيطرة.

على سبيل النهاية

يبقى هدف الدولة الرسمي لمشروع التعليم الجديد سعيًا إلى تحسين جودة التعليم، ووضع نظام موثوق به لتقييم أداء الطلاب، وتنمية قدرات المعلمين، واستخدام التقنيات الحديثة في التدريس والتعلم، وجمع البيانات، وكذلك التوسع في استخدام موارد التعلم الرقمية.

لكن يبدو أن الأمر يحتاج للكثير من البحث والدراسة والعمل على صنع بنية تحتية للعملية التعليمية أفضل من المتوفرة الآن. وعدم الاكتفاء ببريق دخول التكنولوجيا للحقل التعليمي حيث من المهم إنشاء رؤية أكثر عمقًا وتجذرًا للتعليم، والعمل بشكل أكبر لزرع العقلانية عميقًا في عقل الطفل الصغير عبر تغيير أسس ومفاهيم العملية التعليمية والتربوية لكي يتمكن الانسان خصوصًا في العالم النامي من تكوين فكر نقدي حر يساعد في تحسين ظروفه المعيشية والسياسية.

فالفكر التربوي/ التعليمي النقدي تحديدًا كما يؤكد باولو فريري ليس ضربًا من الطوباوية ولكنه حجر زاوية هام في حل مشكلات الإنسان المجتمعية.


اقرأ أيضًا: وداعًا للغات: المدارس الحكومية والكورسات حل الأهالي في مواجهة الأزمة الاقتصادية