بشاي وأوباما من فيلم يوم الدين - الصورة: شركة فيلم كلينك

رومانسية الفقر: أو كيف سقط يوم الدين في فخ الاستشراق السينمائي

لكن حماسي هذا انتهى إلى خيبة أمل كبيرة.

يحكي فيلم يوم الدين قصة بشاي مريض الجذام الذي يعيش في مستعمرة جذام في محافظة البحيرة، والطفل اليتيم أوباما ذا الأوصول النوبية، صديق بشاي، والذي سيرافقه في رحلته الطويلة للبحث عن أسرته بعد وفاة زوجته في المصحة النفسية.

يخرج بشاي بـ "عربية كارو" يجرها حمار يُطلق عليه اسم حربي، ويبدأ رحلته التي سيمر من خلالها على محافظات صعيد مصر، ولا يعرف سوى أن عليه التوجُّه إلى محافظة قنا، وأن يسير بجوار النيل، ويفاجأ بإصرار الطفل أوباما على مرافقته في رحلته.
يمر بطلا الفيلم بعدة مغامرات ويقابلان في طريقهما العديد من الأصدقاء حتى يصلا الى وجهتهما النهائية، بيت أسرة "بشاي".

بشاي وأوباما ومعهما الحمار - من فيلم يوم الدين 

الفيلم في الرحلة

الفيلم قصة وإخراج المخرج المصري النمساوي أبو بكر شوقي، وهو أول تجاربه الروائية الطويلة. ينتمي يوم الدين إلى "أفلام الطريق" Road Trip Movies. وهي افلام تتمحور أحداثها حول ما يراه ويتعلمه البطل في خلال رحلته عبر طريق طويل، يمر فيه بصعوبات ويقابل نماذج إنسانية مختلفة. وقدمت السينما العالمية عددًا من الأفلام المميزة التي تدور حول هذه الفكرة مثل Stand by me للمخرج روب رينر وSide ways الذي ترشح لعدد من جوائز الأوسكار والإيمي والجولدن جلوب ونال كثير منها بالفعل.
يوم الدين يبدو كقصة حقيقية، لكنه ليس كذلك على الإطلاق، قد يكون بطل الفيلم مريض جذام حقيقي، ولكن هذه هي كل الصلات بين الفيلم والواقع.

لم أتحمس لمشاهدة فيلم قبل عرضه كما تحمست لـ "يوم الدين"، خاصة أن تجربة إنتاجه وما مر به من صعوبات ونجاحات، ثم عرضه الأول في محافظة المنيا مسقط رأس بطل الفيلم؛ جعل منه عملا نبيلا. لذا كان يوم الدين هو الفيلم الذي دفعني لدخول صالة عرض سينمائي لأول مرة منذ عام 2010. وكنت قد قاطعت السينما استياءً من أحوالها.

لم ير بشاي وأوباما في رحلتهما سوى الفقر والتشوه، لا يوجد سوى وجه قبيح مؤلم لكل مكان يمرون به، ما جعل إيقاع الفيلم متوقعًا وخاليًا من التشويق والمفاجآت.

لكن حماسي هذا انتهى إلى خيبة أمل كبيرة. فمع أن فكرة الفيلم تعد جديدة على السينما المصرية؛ ومن فرط بساطتها تبدو فكرة بالغة النجاح، خاصة عندما يحكي لك مخرج الفيلم (وكاتبه) أبو بكر شوقي بحماس عما يدور في خياله؛ ولكن عندما ترى الفيلم على الشاشة تجد شيئًا آخر، وكأن المخرج لم ينجح في أن ينقل الفيلم الذي خططه داخل رأسه إلى شريط السينما. حتى انني في وقت ما أثناء المشاهدة في قاعة العرض الباردة؛ اعتقدت أن الفيلم لم يُكتب اصلاً، ولكنه ارتجال قام به الممثلون في كل موقف.

ربما لأن بطل الفيلم راضي جمال/ بشاي يتحدث بصعوبة بعض الشيء، وتعمد المخرج أن يقول راضي كلمات محددة في كل موقف يمر به وكل حوار يحدث. أما ما كُتب من حوارات لباقي فريق التمثيل؛ فجاء في شكل جُمَل مُعلبة شديدة السطحية.
لم ير بشاي وأوباما في رحلتهما سوى الفقر والتشوه، لا يوجد سوى وجه قبيح مؤلم لكل مكان يمرون به، ما جعل إيقاع الفيلم متوقعًا وخاليًا من التشويق والمفاجآت.

استشراق

من الملصق الدعائي لفيلم يوم الدين

فيما عدا البطل راضي جمال (بشاي)، لم يوفق المُخرج في اختيار باقي فريق التمثيل، الطفل أحمد عبد الحافظ (أوباما) طفل ظريف وعفوي، ولكن إذا أردت أن تُظهر ملامح وطريقة كلام ابن من أبناء محافظة سوهاج، فيجب أن تختار الممثل من سوهاج بلغته وملامحه المميزة، ولكن عندما أرى شخصًا من سوهاج يتحدث مثل أبناء القاهرة، فحتمًا سيكسر هذا لعبة الإيهام الضرورية في عملية التلقي.

من المفترض أن أبو بكر درس الإخراج في مدرسة بعيدة عن نظام اختيار أبطال الأفلام المصرية، والتي يتم فيها تفصيل السيناريوهات على مقاس ممثلين بعينهم حتى في الأدوار الثانوية. فأن تُغامر براضي جمال مريض الجذام الحقيقي وأحمد عبدالحافظ اللذان لم يسبق لهما التمثيل من قبل كأبطال لفيلمك الروائي الأول؛ هذا يحتم عليك اختيار باقي فريق التمثيل بعناية شديدة، تظهر من خلالها طبيعة كل محافظة، وتنقل صورة للمكان وتكمل ما بدأته من مغامرة. ولكن أبو بكر لم يهتم بهذا.

أنقذ الموقف بعض الشيء الإخراج الجيد لأبو بكر شوقي، لكنه إخراج أكاديمي ذو حس استشراقي، انشغل بطبيعة المكان في مصر، والتي يمكنها أن تعطي صورة ممتعة تُرضي العين.

الفيلم جرى تفصيله بعناية على مقاس تلك الأحداث الفنية العالمية، ولا يهم ما يراه المشاهد المصري

هذا الإخراج بدا كأنه يعتمد على نصين مختلفين، أحدهما مصري والآخر أوروبي، فأول فصل من الفيلم -قبل بداية الرحلة- هو الأفضل، لأن النص المصري يُعرِّف المستعمرة ويعرف راضي جيدًا، أما النص الأوروبي - الرحلة التي تشكل عماد الفيلم- فلا يعرف أي شيء عن مصر خارج المستعمرة، ويخاطب الناقد والمشاهد الأوروبي الذي لا يعلم ما نعلمه عن مصر، ويرى الفقر في مادة فنية وسينمائية"Magnifique" ورائعة.

الآن أتفهم الاحتفاء بالفيلم في المهرجانات السينمائية العالمية، خاصة مهرجان كان الذي نال الفيلم فيه جائزة النقاد الفرنسيين، وكذلك الاحتفاء به في مهرجان الجونة المقام حاليا في مصر. فالفيلم جرى تفصيله بعناية على مقاس تلك الأحداث الفنية، ولا يهم ما يراه المشاهد المصري، فهذا الأخير سيكتفي بكون الفيلم قد شارك في المسابقة الرسمية لمهرجان كان العريق كي يعده فيلمًا رائعًا وغير مسبوق.

للإنصاف كل الشكر على المجهود الذي قدمه أبوبكر شوقي والمنتجة القوية دينا إمام، التي حاربت من أجل تمويل الفيلم، وفريق عمل الفيلم. وأتمنى أن يحقق يوم الدين نجاحًا جماهيريًا، يُساعد على أن نرى عملاً آخر لأبوبكر قريبًا.

أخيرًا؛ هذه المراجعة رأي شخصي تمامًا، أنصحك بمشاهدة الفيلم بنفسك ولا تغضب من رأيي. وأتمنى أن تكون تجربتك في المشاهدة أفضل.


اقرأ أيضًا: لديك الموهبة وتريد التمثيل؟ قدم في إحدى هذه الورش المسرحية