سلامة كيلة.. القفز فوق حبال اليسار الواهية

حلل كيلة الوضع العربي بدقة ولم تنزلق قدمه في معسكر أي ديكتاتورية، أو معسكر إمبريالية مقابل أخرى بالمصطلح اللينيني

في مطلع الشهر الجاري غاب عن عالمنا المفكر الماركسي الفلسطيني سلامة كيلة في العاصمة الأردنية عمّان، بعد سنوات من الصراع مع مرض السرطان، ليُسدل الستار على حياة استمرت 63 سنة قضى منها سنوات في سجون الأسد، بينما ذاع صيته خلال العقود الثلاثة الأخيرة بفضل كتاباته وتحليلاته الماركسية.

ولد كيلة في بلدة بير زيت في الضفة الغربية في العام 1955، وحصل على بكالوريوس العلوم السياسية من كلية القانون والسياسة في جامعة بغداد عام 1979، لينتقل للعيش في سوريا منذ عام 1981.

سجن الرئيس السوري السابق حافظ الأسد كيلة منذ العام 1992 ولمدة ثمان سنوات بتهمة "مناهضة أهداف حزب البعث"، خلالها تعرض لتعذيب شديد، وبعد الأفراج عنه أصر على البقاء في سوريا، في 2011 أحيا الأسد الابن سنّة أبيه واعتقل كيلة مرة ثانية عقب انطلاق الاحتجاجات عام 2011 ثم طرده لاحقًا من سوريا ليستقر بين القاهرة وعمان.

كتب كيلة ما يزيد عن 30 عملًا فكريًا عن الاشتراكية واليسار، حلل في كثير منها ما نتج عن الثورة البلشفية التي أسست في روسيا عام 1917 نظامًا شيوعيًا "بدا نافرًا ومستهجنًا في عالم كانت تسيطر الرأسمالية عليه" على حد تعبيره.

لكن أثر الثورة البلشفية لم يعد قائمًا اليوم، فقد انتهى بنهاية عام 1991، مع انهيار المنظومة التي أسستها. لهذا ظلت الشيوعية منفصلة عن أي دولة في مخيلة كيلة – الثوري، الذي أدرك أنه في هذه اللحظة الحرجة من التاريخ يجب أن يسعى لإعادة بناء الثورة وفكرها، وطمح بأن يستطيع مساعدتها على الاستمرار، لا أن يريح ضميره بالقول إنها انتهت، أو إنها باتت "حروبًا ومؤامرات رجعية".

في هذا التوقيت، قد تكون إعادة طرح أبرز الخطوط الفكرية في مسيرة سلامة كيلة هي أفضل رثاء لروحه.

الحلم الثوري الواعي

حسب رؤية كيلة فنحن ما زلنا في بداية مسار ثوري، لن يتوقف قبل أن يفرض التغيير الذي يخدم الطبقات الشعبية، ونحن الآن في وضع يفرض علينا أن نعيد بناء تصوراتنا وأفكارنا، وأن نحدد الهدف الذي تريده الجماهير، وكذلك أن نعيد تنظيم الحراك المجتمعي لكي يمكنا أن نصل إلى الانتصار. فالشعب في سوريا كما في تونس ومصر والمغرب واليمن والعراق والجزائر وباقي الدول العربية، يريد التغيير، لهذا لم تنته ثورته، لقد بدأت رغم كل ما يواجهها من قنابل وانقلابات وسجون.

حلل كيلة الوضع العربي بدقة ولم تنزلق قدمه في معسكر أي ديكتاتورية، أو معسكر إمبريالية مقابل أخرى بالمصطلح اللينيني، فمن خلال النموذج السوري أدرك الأمر جيدًا حيث أن الثورة بدأت ضد نظام الأسد شعبية وعفوية من طبقات شعبية في تكرار للسيناريو التونسي والمصري. لكن سرعان ما قفزت عليها معارضة هشة، سعت لجلب التدخل الخارجي لإسقاط النظام.

وفي ظل هذا الإستقطاب لم يتجاوب للعمل العسكري سوى جماعات دينية – إرهابية مثل جبهة النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية، وجرى العمل على تشكيلها ودعمها أملًا في التحكم في مقدرات الشعب السوري في حال وصول هذه الميليشيات للحكم كما حدث في ليبيا.

بل ذهب أبعد من التحليل ولم يخف من مواجهة حقيقة تراجع الحراك الشعبي الثوري في الأقطار العربية – وتحديدًا في سوريا إزاء وحشية النظام وعمليات التدمير والقتل والاعتقال التي مارسها، والتي دفعت للجوء إلى السلاح من قبل شباب كان يتظاهر بالأصل لتغيير النظام. وجرى دعم هذا الميل العسكري من قبل دول إقليمية عربية وغربية.

هنا، بحسب كيلة، انتهى زخم الثورة السورية الذي بدأت به، وبالشكل السلمي الذي كانت عليه، وبدأ يتعامل مع حقيقة أنه مئات الآلاف قتلوا ومثلهم واجهوا الاعتقال، وبالإضافة لذلك بدأ كيلة بتفكيك خطاب النظام الذي اتخذ لهجة تدين المؤامرة السلفية- الإرهابية والإخوانية، ووجد هذا صدى لدى العديد من الدول الإقليمية وعلى أساسه حصل نظام بشار الأسد على دعم وتسهيلات وإمدادات عسكرية ولوجيستية تحميه من السقوط.

على ضوء هذه الحقائق تحولت الثورة إلى عمل مسلح فقط، وأصبحت المليشيات السلفية-الإرهابية هي التي تسيطر في الواقع ولها تأثير كبير على مجريات الأمور على الأرض. حيث ساعد كل من أراد تدمير الثورة في رسم هذا الواقع، سواء النظام وحلفاءه، والدول الإقليمية التي أرادت أن تفرض بديلها بالقوة، والولايات المتحدة - الخليج؛ الثنائي الذي أراد تدمير المسار الثوري الذي بدأ من تونس.

لكن بقي رهان كيلة على الشعوب، حيث رأى أنها لا زالت تريد تغيير النظام. على الرغم من تراجع فاعليتها، وأنها أصبحت تعاني من أعداء كُثر، مثل النظام وداعميه، وخطر أنظمة مثل داعش والنصرة، ومن ضغوط الدول الإقليمية كذلك.

تمحور فكر كيلة أن كل الثورات في البلدان العربية التي همدت أو هُزمت أمام الثورات المضادة قد تحولت إلى حراك طبقي ينبئ بثورة جديدة. وأن ما جرى في الربيع العربي 2011 ما هو إلا موجة انتهت لكن هناك موجات أخرى بالتأكيد. ففي العديد من البلدان كمصر والبحرين وليبيا وسوريا لا زال هناك من يفكر ويقاوم انطلاقًا من مبادئ الثورة، ربما قل عددهم، لكنهم موجودين.

اليسار المخادع

وجه كيلة سهام نقده العلمي المنضبط –نسبيًا- لليسار الممانع الذي انحاز لكل من معسكر الأسد وحلفاءه من مقاتلي حزب الله وإيران وروسيا بوصفهم ضد الإمبريالية الأمريكية. لكن أوضح كيلة أن هذا اليسار الممانع نسي أن روسيا ليست الاتحاد السوفيتي وأنها لا تحارب الهيمنة الإمبريالية. لكن صارت دولة رأسمالية تميل إلى التخلص من سيطرة دولة أخرى رأسمالية –الولايات المتحدة هنا-، ولا يهدف التدخل الروسي في سوريا سوى الاستحواذ على الأسواق ونهب المواد الأولية، وحرمان أمريكا من أرض نفوذ جديدة.

اليسار في نظر كيلة يجب أن يكون ضد الإمبريالية بالضرورة، لكن الإمبريالية ليست دولة وسياسة فقط، إنها بالأساس نمط اقتصادي، وتكوين رأسمالي يسعى الى التوسع والسيطرة والاحتلال وفقًا للتعاليم والأفكار الماركسية. وهذا ينطبق على أميركا كما ينطبق على روسيا، وينطبق على أوروبا واليابان كما ينطبق على الصين. الاقتصاد هو أساس التصنيف وليست السياسة، بل إن السياسة هي التعبير المكثّف عن الاقتصاد،

وبهذا فسر كيلة الوضع في سوريا في ضوء الأممية الثانية المُفلسة في نظر لينين، فالواقع السوري ما هو إلا صراع بين الإمبرياليات، وخصوصاً الأميركية والروسية، ولا يصل إلى مرحلة حرب عالمية ثالثة، بل الميل العام لدى أطراف النزاع هو التفاهم لأن كليهما يخشى من إمبريالية ثالثة هي الصين، بسبب تغلغلها في العالم بشكل إقتصادي. فأميركا تحتاج إلى روسيا لتطويق الصين، وروسيا تحتاج إلى أميركا لكي تضمن سيطرتها في العديد من القضايا السياسية والإقتصادية بدل من السيطرة الصينية.

حاول كيلة جاهدًا أن يعيد ضبط اليسار والأفكار اليسارية التي فضحت ثورات الربيع العربي عجزها. ووجدت الجماهير الحركات اليسارية من أوائل من تخلو عنها وعن مطالب الثورات لعقد تحالفات جديدة مع الأنظمة بشروط استعبادية أقل حدة أو حجز مقعد مع الثورات المضادة. كما حاول أن يجد حلولًا لمعضلة اليسار الذي اصطف مع القوى الأكثر تطرفًا ووحشية، وانحاز لقوى يمينية متطرفة وعسكرية في الكثير من الأحيان.

فدعى كيلة لتأسيس يسار جديد - حقيقي، يؤثّر في المسار الثوري ويقود الصراع الطبقي الى الانتصار. بالإضافة للقطيعة مع اليسار المنحاز لمعسكر بشار الأسد وما يسمى محور الممانعة، لكي يكون اليسار مع الثورة، ومع التغيير. ويستطيع أن يؤسس قوى جديدة توحد الطبقات الشعبية من أجل هزيمة الرأسماليات التابعة المسيطرة المتمثلة في الأنظمة العربية الهرمة، وهو الأمر الذي يمثل هزيمة فعلية للإمبريالية.

ورسم كيلة الخط الواجب اتباعه على الحركات اليسارية الجديدة عبر الدعوة إلى يسار جذري، يعالج المشكلات من الجذور عبر تأسيس جمهوريات ديمقراطية، وفصل الدين عن الدولة والتزام العلمنة، ومواجهة كل الفكر الأصولي الموروث والمؤدلج، ورفض كل تسييس للدين، الذي يجب أن يصبح شأنًا شخصيًا. بالتالي يعني كنس تراث من التخلف الفكري والثقافي والمجتمعي الذي جرى تكريسه من قِبل الرأسمالية.

ولا يجب أن يقبل اليسار التبعية لفئات وسطى أو تيارات ليبرالية أو قومية أو إسلاموية. وهذا –تحديدًا- يعني مواجهة الإسلام السياسي بكل أشكاله، بغض النظر عن الشعارات التي يطرحها، من خلال صراع أيديولوجي يكشف المصالح التي تكمن تحت الشعارات الدينية. ويجب أن يسقط شعار المقاومة الذي يخفي مصالح هيمنة وسيطرة طائفية، ونهب رأسمالي، وتبعية لدول تريد السيطرة والهيمنة.

فلسطين - أرض للجميع

تسبب طرح سلامة كيلة لحل القضية الفلسطينية عبر إنشاء دولة علمانية واحدة تضم كلًا من الإسرائيليين والعرب الكثير من الجدل والتهكم، لكنه دائمًا كان يبرر رفض التعاطي بجدية مع هذه الفكرة بخوف الجميع من الاصطدام بوعي الجماهير العربية. على الرغم من الكثيرين باتوا متقبلين فكرة حل الدولتين، وأن حل الدولة العلمانية الواحدة هذا طُرح في المناقشات مع الإنتداب البريطاني حول فلسطين قبل نكبة 1948، وطرح بعد نكسة سنة 1967، وأصبحت جزءاً من برنامج اليسار الذي سعى إلى "تحرير فلسطين"، ولكن اختفى النقاش حول الفكرة ما بعد حرب أكتوبر سنة 1973، خصوصًا مع برنامج النقاط العشر الذي أقرّه المجلس الوطني الفلسطيني عام 1974، ثم في قرار إقامة الدولة الفلسطينية على حدود سنة 1967، وصولاً إلى بيان الاستقلال الذي يقرر حل الدولتين، حيث تكون الدولة الصهيونية على 78% من أرض فلسطين، وتُقام الدولة الفلسطينية على 22%.

شدد كيلة أن فكرة فلسطين كدولة علمانية ديمقراطية واحدة لا تمثل تنازلاً للصهاينة، بل بديلًا عن الدولة الصهيونية القائمة بالفعل. خصوصًا أن حل "طرد اليهود" انتهى منذ زمن طويل، مثلما انتهى حل الدولتين، ولابد من أن ننطلق من الواقع ودون تجاهل الحقائق على الأرض الفلسطينية، وأن نؤسس الصراع على ضوء المستجدات وليس على أوهام لا قيمة لها.

ويستند طرحه كذلك على أن الدولة العلمانية الواحدة، التي هي دولة عربية جغرافيًا – بالإضافة إلى مسماها "فلسطين"، ستتسع للجميع دون التخلي عن حقوق الشعب الفلسطيني العامة والخاصة. وفي حدود ذلك يجري البحث عن تحقيق العدالة لسكان فلسطين عموماً، هذا سوف يعني إطلاق مشروع لتصفية المشروع الصهيوني وتفكيك قاعدة متقدمة للسيطرة الإمبريالية على هذا جزء من الوطن العربي.

حاول كيلة بهذا الطرح أن يفكك المسار الذي بدأ بالنقاط العشر ومر بإتفاقية أوسلو وانتهى بما بات يعرف بـ "صفقة القرن"، حيث فلسطين هي إسرائيل، ويصبح سكان الضفة الغربية وقطاع غزة ضمن حكم ذاتي يجعلهم خارج تكوين الدولة الصهيونية السياسي. وهذا شكل ما من نظام الأبارتهايد –الفصل العنصري-، حيث يفصل السكان في هذه المناطق عن بنية الدولة -حتى وإن كانت محتلة-، بما يجعلهم خارجها سياسيًا وإجتماعيًا رغم وجودهم تحت حكمها.

انطلاقًا من كل ذلك فإن هدف تأسيس حركة شعبية جديدة من أجل فلسطين، يتمثّل في إعادة وضع القضية الفلسطينية في سياقها "الطبيعي"، مع التأكيد على أن الاحتلال الاستيطاني يجب أن ينتهي، وأن البديل هو دولة علمانية ديمقراطية لكل مواطنيها.

وفي سبيل هذا، طَرح كيلة ما أسماه "الحلقة المركزية" وعرفها بإعادة بناء الوعي انطلاقاً من الطابع الحقيقي للقضية الفلسطينية، والسير في طريق تحقيق فلسطين علمانية ديمقراطية للجميع تقوم على أنقاض الدولة الصهيونية.

رحيل مؤلم

ناهض سلامة كيلة حيث الظلم، والقهر، وانحاز للثورات منذ اللحظة الأولى، وبذل جهدًا كبيرًا من أجل المعرفة الثورية والحرية والكرامة في هذا العالم. ومن جسده النحيل مد جسرًا لكل العابرين إلى الحقيقة. لم تخضعه زنازين الأسد، ولم يمنعه الشتات من مواصلة دربه، كإنسان وكمثقف وككاتب وكثوري، سواء من أجل القضية الفلسطينية، أو من أجل اليسار.