حلم الخلود قد يصبح واقعًا: ثلاث طرق علمية لتجنب الموت

يا صاحبة الحانة، هل بوِسْعِي ألَّا أرى الموت الذي أخشاه؟

هكذا كان يتوسل جلجامش إلى سيدوري، إلهة الخمر وصاحبة الحانة، أن تدله على طريق الخلود، لكنها أبت وأخبرته أن حياته أمامه ليستمتع بما شاء خلالها، ليذق طعم ملذات الحياة؛ أطعمة شهية وملابس جميلة، ليكن سعيدًا في دنياه.

ولكن جلجامش يأبى إلا أن يصل إلى أوتنابشتم، الإنسان الوحيد الذي استطاع أن يكون خالدًا، فحتمًا يمكنه تقديم المساعدة. يخبر أوتنابشتم جلجامش أن يبقى متيقظًا ستة أيام وسبع ليالٍ، وسيصبح خالدًا، ولكن يفشل جلجامش، فيدله على طريق أخرى، وهي أن يبتلع العشب السحري الآتي من أعماق البحر في أرض الخلود، ولكن ما أن حصل عليه جلجامش، حتى سرقته منه الأفعى أثناء عودته إلى بلده أوروك، فرضخ جلجامش للأمر الواقع، وظل فانيًا، قانعًا بحياته.

هكذا تحكي أقدم الملاحم الإنسانية، ملحمة جلجامش، تناقش فكرة الموت، والخوف منه، والخلود، والأمل في الخلود. هاجس ظل يراود الناس لمئات بل آلاف السنين، فقبل جلجامش كان قدماء المصريين يعتقدون في خلود الجسد والروح بعد الموت في عالم مواز داخل المقابر، فأبدعوا التحنيط، ومن بعدهم كان الدجالون والمشعوذون والسيميائيون يتفننون في اختراع تواليف يظنون أنها تجلب الخلود، يخدعون بها الناس، فيصنعون إكسير الحياة، أو يبحثون عن حجر الفلاسفة، ومؤخرًا عن الزئبق الأحمر.

ولكن بحث كل هؤلاء لم يذهب سدى، فيبدو أن العلم في القرن الحادي والعشرين، سيستطيع الإجابة عن بعض هذه الأسئلة، وأن يجد لجلجامش ضالته، ويضع أمامه على الطاولة ثلاثة اختيارات لثلاث طرق للخلود الحقيقي والفعلي للجسد، لا وقت للمزاح أو النصب، بل إننا على أعتاب الخلود.

روبوتات النانو 2029

بحسب المخترع راي كروزويل وهو مدير الإدارة الهندسية لشركة جوجل، والذي اشتهر بتنؤاته العلمية الصائبة، فإن النانو تكنولوجي ستتمكن من صنع روبوتات في منتهى الصغر بمقياس النانو متر (1 على مليار من المتر) وهو نفس حجم كرية الدم الواحدة. بحقن هذه الروبوتات في الأوعية الدموية، والتحكم بها بأجهزة كمبيوتر، ستقوم الروبوتات بعمل صيانة دائمة لخلايا الجسم التالفة، واستئصال الأورام، وعمل مراجعات دورية على جميع خلايا الجسم، فحسب كروزويل، سنتمكن من علاج السرطانات بدءًا من مطلع العقد المقبل، بفضل تقنية روبوتات النانو، وأنه في المستقبل القريب، ستتمكن الروبوتات من معالجة السبب الرئيسي للشيخوخة، وبقاء الجسد في حالة شبابية، نضرة، مفعمة بالحيوية.

تحدث الشيخوخة نتيجة فقدان الجينات لحيويتها، فلا تعود بنفس كفاءتها في أعمال الصيانة والترميمات لدى المادة الوراثية والحمض النووي، فالجسم البشري دوره في الحياة – شأنه شأن بقية الكائنات الحية – التكاثر، فتكون الجينات في أكفأ حالاتها في فترة الشباب، حتى يتكاثر الكائن الحي، ولما يؤدي دوره، تتراجع كفاءة الجينات، لأنها أدت دورها ووظيفتها. ولكن مع تكنولوجيا روبوتات النانو، سيتم تحسين أداء الجينات، وستكون لها حيوية دائمة، ما من شأنه إطالة عمر الإنسان، هذا بالإضافة إلى تمكن الإنسان من فعل أشياء خارقة لم يكن يستطيع أن يفعلها، كالركض 20 دقيقة دون تنفس، والغطس 4 ساعات دون أكسجين.

هذا بالإضافة إلى البيوتيكنولوجي، بتجديد أعضاء الجسم التالفة بأعضاء ميكانيكية حيوية، وهذه التقنية، مع مساعدة روبوتات النانو، يمكن للجسد العجوز المتجدد باستمرار، أن يعكس المسالة، فيصير العجوز شابًا، ويبقى نضرًا، لا يشيخ أبدًا، وربما هذه التقنية تم تجسيدها في فيلم Ghost in the shell لسكارليت جوهانسن.


الأڤتار 2045

حسب كروزويل أيضًا، فإن العام 2029 السابق ذكره لن يكون عام تكنولوجيا روبوتات النانو فحسب، بل سيكون بداية التفرد، إذ سيمكن حينها صنع إنسان آلي تساوي قدرته العقلية ذكاء الإنسان، بحيث لن نستطيع أن نحدد الفرق بينهما في اختبار تورنج (نسبة إلى العالم آلان تورنج) حيث يسأل المحكمون عدة أسئلة للإنسان وللروبوت، اللذين يكونا مختفيين، وعليه، يحدد المحكمون من البشري ومن الآلي. أما في 2045، فسنصل إلى حالة التفرد singularity ، التي يصل فيها الروبوت إلى مستوى أعلى بكثير من ذكاء الإنسان.

وسيكون كل هذا التطور في مجال الذكاء الاصطناعي، هو القالب الذي يمكننا من خلاله تحقيق الخلود، ولكن كيف؟

تجيب مبادرة 2045 عن هذا السؤال، وهي مبادرة تم تأسيسها عام 2011 على يد رجل الأعمال الروسي دميتري إتسكوف ، بمشاركة متخصصين في عدة مجالات تقنية، كالواجهات العصبية، والروبوتات، والأعضاء الصناعية، وهدف المبادرة هو تحقيق خلود الإنسان عبر نقل شخصية الإنسان إلى جهاز غير بيولوجي، إنسان آلي أو كمبيوتر، ورسمت المبادرة خطتها الزمنية صوب الخلود، بحيث قسمت الخط الزمني للوصول للخلود خلال 4 مراحل تنتهي في 2045، وهي كالآتي:

  1. من 2015 إلى 2020، وفيها ظهور واستخدام واسع النطاق لروبوتات شبيهة بالإنسان، يتم التحكم بها عن بعد عن طريق واجهات الدماغ الحاسوبية، وقد تم تفعيل تلك التقنية في مجالات الألعاب.
  2. المرحلة الثانية من 2020 إلى 2025، وسيتم فيها خلق الأفتار، وهو الجسد الآلي، الذي سيحل فيه الدماغ البشري، بحيث أن كل مريض بداء ما مميت في جسده، ولكن مخه يعمل بكفاءة، سيتم نقله إلى أفتار خاص به، كي ينجو بحياته بدماغه، وهذه المرحلة ستعزز من إمكانات ظهور واستخدامات الأجهزة البيولوجية الإلكترونية، وستكون ثورة في تكنولوجيا المعلومات.
  3. المرحلة الثالثة من 2030 إلى 2035، وفيها، سيتم تكوين نموذج إلكتروني (رقمي) من شخصية الإنسان ووعيه وذاكرته وعقله، أي أن كل ما مر به من خبرات وتجارب انعكست على حياته وشخصيته ووعيه وذاكرته، سيكون مُحَمَّلًا على فلاش ميموري، وجاهزًا للتحميل على أي أفتار، في أي وقت، فإن مات الجسد، فالشخصية مازالت محفوظة في هارد وير، يمكنها أن تظهر من جديد في أفتار، فيكون الروبوت الجديد (الأفتار) هو الجسد الجديد للإنسان، وبهذه الطريقة، يمكنه أن يعيش إلى الأبد. وقد تم تصوير تلك الفكرة سينمائياً في فيلم Transcendence لجوني ديب عام 2014.
  4. المرحلة الرابعة والأخيرة في 2045، وهي بداية عصر جديد، فبعد دمج العقل البشري بالإمكانيات الاصطناعية العليا، سينتقل البشر من التطور بشكل كامل من الإنسان المألوف ، إلى إنسان خارق، يمتلك قدرات تفوق قدرات البشر العاديين بمراحل.


العالم الافتراضي 2050 وما بعدها

هذه الطريقة هي نتاج ما يترتب على ثورة الأفتار، فعندما يتم تحويل شخصية الإنسان، وخبرته، ووعيه، وذاكرته، وكل شيء عن كينونته، إلى معلومات إلكترونية، سيصير بالإمكان أن يصبح المرء على (الكلاود)، أي مرفوعًا على الإنترنت، كأي موقع أو تطبيق، أو ملف، ومنه إلى واقع افتراضي من خلق الإنسان نفسه – أو من خلق أحد الروبوتات فائقي الذكاء – يمكنه أن يكون في معايشة للعالم، مع أقرانه من الخالدين الآخرين، في أي مكان يشاؤون، يفعلون ما يريدون.. إنها الجنة.

تخيل أنك جزء من لعبة عن محاكاة العالم على الإنترنت، في الحقيقة، لا يوجد أي فارق بين العالم الحقيقي والعالم الافتراضي، وفرضيات أن العالم الحقيقي هو عالم افتراضي لها احتمالات واسعة بالأساس، فلذلك لا ضير من العيش في عالم افتراضي من خلقنا، فكل إنسان يمكنه أن يختار شكله، ووالديه، والمكان الذي سيعيش فيه، وتلك الأشياء التي لا يختارها الإنسان في واقعه.

يقول إيان بيرسون، وهو مخترع يتوقع مستقبل العلم "يمكنك أن تقضي معظم وقتك في العالم الافتراضي، في أي كمبيوتر في العالم" وهذا يحيلنا كذلك لشيء عظيم في طريقة الأفتار، فيمكنك كذلك أن تحمل نفسك على أفتار في أستراليا، بينما انت جالس في البيت، وربما كان هذا أول ظهور منطقي للـ Teleportation أو الانتقال الآني.

بحسب بيرسون يمكنك أن تقضي "وقتًا ممتعًا جدًا في العالم الافتراضي، أي شيء تريده سيكون عندك، 72 فتاة عذراء إن أردت، فكل شيء من وحي الخيال" ويقول أيضًا "يمكنك ربط عقلك بملايين العقول الأخرى، ويصبح لديك ذكاء خرافي، ويمكنك أن تتواجد في أماكن كثيرة متفرقة في الوقت نفسه".

بعض تلك الأفكار تثير قشعريرة في النفس، وتدعو للخوف والقلق أحيانًا، وطالما تجسدت في العديد من الأفلام والمسلسلات الخيالية، ولعل أكثرها دقة مسلسل Black Mirror الذي يصور الجزء المظلم والسوداوي للتكنولوجيا، ويحتوي على أفكار تعالج فكرة الأفتار، أو نقل الوعي في عالم افتراضي، ولكن في النهاية، سيبقى الخيار بيد الإنسان، فإما أن يصنع مستقبلًا قاتمًا ومظلمًا، كما تصوره الأفلام والقصص الخيالية، أو يخلق جنته الخاصة، ويعيش فيها.


اقرأ أيضًا: الذكاء الاصطناعي.. عهد جديد من البطالة