فرانسيس فوكوياما - ويكيبديا

منظِّر الرأسمالية فرانسيس فوكوياما.. حتمية الاشتراكية ونهاية التاريخ

يسعى فوكوياما في كتابه الجديد، التاسع، "الهوية: المطالبة بالكرامة وسياسات الغضب"، للاشتباك مع القوى "غير الليبرالية" الصاعدة.

يُعد فرانسيس فوكوياما أشهر منظري الرأسمالية والليبرالية الجديدة المعاصرين. ولا يزال مُؤلَّفه "نهاية التاريخ والإنسان الأخير" من الكتب التي يعود إليها المنظرين الحكوميين ممن يؤيدون توجه دولهم نحو النظام الاقتصادي النيوليبرالي (الذي تبنته مصر بقوة في عهد الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي). في هذا الحوار الذي أجراه معه جورج إيتون محرر القسم السياسي في صحيفة "نيوستايتسمان" يراجع فوكوياما أفكاره ويتحدث عن الاشتراكية باعتبارها ضرورة لتصحيح أخطاء الرأسمالية المطلقة.


ينتقم التاريخ من فرانسيس فوكوياما. ففي عام 1992، وفي ذروة الليبرالية في فترة ما بعد الحرب الباردة. كتب المُنظِّر السياسي الأمريكي في كتابه نهاية التاريخ والإنسان الأخير "إن ما نشهده ربما هو نقطة النهاية للتطور الأيديولوجي للبشرية، وعولمة الديمقراطية الليبرالية الغربية، باعتبارها الشكل النهائي للحكومة البشرية".

فبعد ستة وعشرين عامًا، ومن الولايات المتحدة إلى روسيا، من تركيا إلى بولندا، ومن المجر إلى إيطاليا، تتقدم "اللا – ليبرالية" دوليًا. ويسعى فوكوياما في كتابه الجديد، التاسع "الهوية: المطالبة بالكرامة وسياسات الغضب"، للاشتباك مع هذه القوى. لكن عندما قابلت الأكاديمي خريج جامعة ستانفورد والبالغ من العمر 65 عامًا، في مقرنا بلندن، كان حريصًا على التأكيد على استمراره على منهجه الفكري.

"ما قلته في ذلك الوقت [1992]، هو أن واحدة من مشكلات الديمقراطية الحديثة، هى توفيرها للسلام والازدهار، في حين أن الناس تريد أكثر من ذلك. الديمقراطيات الليبرالية لا تحاول حتى تحديد ما هي (الحياة الجيدة)، ويصبح الأمر متروكًا للأفراد الذين يشعرون بالعزلة وبالعدمية، وهذا هو السبب في الانضمام إلى مجموعات الهوية التي تمنحهم بعض الشعور بالانتماء إلى مجتمع أكبر".

أما عن منتقديه، فهم – على حد تعبيره – ربما لم يقرأوا كتابه المؤسس "نهاية التاريخ" حتى النهاية، وتحديدًا الجزء الخاص بـ"الإنسان الأخير"، والذي تعلق في الحقيقة ببعض التهديدات المحتملة للديمقراطية.

ولد يوشيهيرو فرانسيس فوكوياما في شيكاغو عام 1952 (يعيش الآن مع زوجته في ولاية كاليفورنيا) لأب ياباني أمريكي وأم يابانية – هاجر جده لأبيه إلى الولايات المتحدة في 1905، خلال الحرب الروسية اليابانية –. لم يتعلم أبدًا لغة أسلافه، ويصف نفسه ببساطة بأنه أمريكي، "لم يكن الفخر بأصولك أمرًا مستحسنًا خلال نشأتي".

فوكوياما الذي درس الفلسفة السياسية وتتلمذ على يد بروفيسور آلان بلوم، مؤلف كتاب "إغلاق العقل الأمريكي"، في جامعة كورنيل – كان يرى في حركة المحافظين الجدد وجهة معبرة عنه، حيث كان بول وولفويتز هو معلمه ومرشده، في الوقت الذي كان فيه (وولفويتز) مسؤولاً حكوميًا في إدارتي ريجان وبوش. ولكن بحلول أواخر عام 2003؛ تراجع فوكوياما عن دعمه لحرب العراق، الذي يعتبره الآن خطأ محوريًا جنبًا إلى جنب مع إلغاء القيود المالية والقرار "الأخرق" باستخدام العملة الأوروبية الموحدة. "هذه كلها سياسات موجهة للنخبة، واتضح أنها كارثية. إذ أن هناك أسباب حقيقية لاستياء الناس العاديين".

كان كتاب نهاية التاريخ توبيخًا للماركسيين، الذين اعتبروا الشيوعية بمثابة المرحلة الأيديولوجية النهائية للإنسانية. سألت فوكوياما؛ كيف رأى عودة اليسار الاشتراكي في المملكة المتحدة والولايات المتحدة؟ "كل هذا يتوقف على ما تعنيه بالاشتراكية. فإن امتلاك وسائل الإنتاج – باستثناء المطلوب بشكل واضح مثل المرافق العامة – لا أعتقد أنه شيء قابل للنجاح.

"ولو كنت تعني برامج إعادة التوزيع التي تحاول تصحيح هذا الخلل الكبير في الدخل والثروة؛ إذن نعم! لا أعتقد فقط أنه (اليسار الاشتراكي) يمكن أن يعود؛ بل إنه حتمًا سيعود. فهذه الفترة الممتدة التي بدأت مع ريجان وتاتشر، حيث ترسخت مجموعة معينة من الأفكار حول فوائد الأسواق غير المنظمة (لا تتدخل فيها الدولة)، لها تأثير كارثي على نواحٍ كثيرة".

"فيما يتعلق بالمساواة الاجتماعية، فقد أدت هذه الإجراءات إلى إضعاف النقابات العمالية وإضعاف قدرة العمال العاديين على المساومة، وصعود طبقة النخبة (الأوليجاركية) في كل مكان تقريبًا. هذه النخبة تمارس سلطة سياسية لا مبرر لها. ومن حيث دور التمويل، فإذا كان هناك أي شيء تعلمناه من الأزمة المالية (2008) فهو أنه يجب عليك تنظيم قطاع التمويل (البنوك) بكل شراسة، لأنه في النهاية سيُحمِّل الجميع دفع ثمن ممارساته".

"هذه الأيديولوجية صارت مغروسة بعمق داخل المنطقة الاقتصادية الأوروبية، حيث كان التقشف الذي فرضته ألمانيا على جنوب أوروبا (اليونان وإسبانيا وإيطاليا) كارثيًا".

لدهشتي، أضاف فوكوياما: "في هذه المرحلة، يبدو لي أن بعض الأشياء التي قالها كارل ماركس صحيحة. فقد تحدَّث عن أزمة الإفراط في الإنتاج، وأن العمال سيكونون فقراء، وسيكون هناك نقص في الطلب". مع ذلك، لم تكن الاشتراكية هى المنافس النظامي الوحيد المعقول للديمقراطية الليبرالية، بل كان نموذج رأسمالية الدولة في الصين.

فليدخل التنين - نيويوركر

"يرى الصينيون ويعلنون بلا مواراة أن نموذجهم هو الأكثر تفوقًا، فهو نموذج قادر على ضمان الاستقرار والنمو الاقتصادي على المدى الطويل، وهو ما لا تضمنه الديمقراطية. لو بعد 30 سنة أخرى، أصبحت الصين أكبر من الولايات المتحدة، وأصبح الشعب الصيني أكثر ثراءً والبلد مازال متماسكًا، سأقول حينها أن لديهم حجة حقيقية". لكنه يحذر: "الاختبار الحقيقي للنظام السياسي" هو كيف ينجح في الإدارة خلال الأزمات الاقتصادية.

عبّر فوكوياما عن اضطرابه من احتمال الحرب الأمريكية – الصينية، أو " فخ ثوسيديدس" كما يصفه الأكاديمي بجامعة هارفارد جراهام أليسون، في وصفه للصدام بين قوة قائمة وأخرى صاعدة. يقول فوكوياما "أعتقد أن الناس سيكونون أغبياء للغاية إن استبعدوا هذا الاحتمال. يمكنني التفكير في الكثير من السيناريوهات التي من خلالها يمكن لهذه الحرب أن تبدأ. ولا أعتقد أنه سيكون هجومًا متعمدًا من بلدٍ على آخر – كما في غزو ألمانيا لبولندا في 1939، ولكن من الأرجح ستأتي الحرب نتيجة نزاع محلي حول تايوان، أو كوريا الشمالية، أو ربما تصعيد لمواجهة (بين أمريكا والصين) في بحر الصين الجنوبي".

التقيت فوكوياما في يوم كانت الحكومة البريطانية فيه كانت قد فشلت مرة أخرى في الاتفاق على صفقة "بريكست" مع الاتحاد الأوروبي. قال فوكاياما "إجراء استفتاء في بلد ذي نظام برلماني؛ هو حقا خطأ كبير". وأضاف متأملاً "هناك أسباب وجيهة لوجود حكومة تمثيلية. لو تمسك كاميرون (رئيس الوزراء البريطاني الذي نظمت حكومته استفتاء البريكزيت) بذلك، لما وقعت هذه المشكلة الحالية".

لكل هذا، نصح فوكوياما الليبراليين بعدم "الإفراط في التصحيح"، أو افتراض أن الديمقراطية غير الليبرالية هي نهاية التاريخ الجديدة. "أعتقد أنه يجب على الناس أن تهدأ قليلا".