من المظاهرة التي نظمتها "العفو الدولية" ضد استقبال الرئيس عبد الفتاح السيسي في ألمانيا - أمنيستي كلاود

تغطية الصحف الألمانية لزيارة السيسي.. صورة مغايرة لـ"رحلة تاريخية"

مقابل تجاهل نسبي من الصحف الألمانية الكبرى؛ أظهرت التغطيات القليلة المنشورة اهتمامًا - ليس إيجابيًا بالضرورة- بالوضع السياسي والاقتصادي والأمني في مصر

عاد الرئيس عبد الفتاح السيسي اليوم للقاهرة بعد انقضاء زيارته التي استمرت ثلاثة أيام للعاصمة الألمانية برلين. وكعادتها؛ احتفت وسائل الإعلام المصرية بزيارة الرئيس الخارجية ووصفتها بالزيارة التاريخية. وهذه هي زيارة الرئيس السيسي الثالثة لألمانيا منذ تولى الحكم رسميًا في يونيو/ حزيران 2014. لكن الصحافة الألمانية، كان لها رأي مغاير.

أتت زيارة السيسي الثالثة لألمانيا في إطار المشاركة في قمة "الشراكة في أفريقيا"، وهو مؤتمر استثماري تقيمه حكومة المستشارة أنجيلا ميركل، في مبادرة تضم إلى جانب مصر 10 دول أفريقية أخرى.

وبينما حرصت الصحف المصرية على إبراز زيارة الرئيس السيسي لألمانيا (التي بدات رسميًا حسب بيان رئاسة الجمهورية يوم الاثنين)، باعتبارها زيارة استثنائية تحظى بعناية خاصة من الحكومة الألمانية، وشددت على الحفاوة التي استُقبِل بها الرئيس والوفد المصاحب له سواء من الحكومة الألمانية أو من المصريين المقيمين في ألمانيا؛ قدمت الصحف والمواقع الإلكترونية الصحفية الألمانية صورة أخرى تناقض ما تحدثت عنه الصحف المصرية. فمقابل تجاهل نسبي من الصحف الألمانية الكبرى؛ أظهرت التغطيات القليلة المنشورة اهتمامًا - ليس إيجابيًا بالضرورة- بالوضع السياسي والاقتصادي والأمني في مصر، وسط مناقشة للأوضاع نفسها في قارة أفريقيا المعنية بقمة الشراكة، وحظى وضع حقوق الإنسان في مصر بعناية خاصة.
أشارت صحيفة تسايت الألكترونية فى تقرير نشرته بتاريخ 26 أكتوبر/ تشرين أول، إلى زيارة رئيس الدولة المصرية إلى برلين الأحد، ولقائه بالمستشارة الألمانية فى خبر مقتضب نقلاً عن وكالة الأنباء الفرنسية. ونقلت فيه عن المتحدثة الرسمية باسم الحكومة الالمانية أولريك ديمر، تفاصيل برنامج السيسي خلال الأيام الثلاثة.

وظهر العنوان الصحفي الأكثر قسوة في مجلة دير شبيجل، التي وجهت انتقادات للمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل خلال مقال نُشر في 30 أكتوبر بعنوان "اجتماع القمة في برلين". ووصفته دير شبيجل بتعبير "الجمهور من أجل الأتوقراطيين الأفارقة". وتابعت "ترحب أنجيلا ميركل برؤساء 12دولة وحكومة في اجتماع القمة الأفريقي، وتتملق القادة الدكتاتوريين من أجل شركات تجارية ألمانية".

صورة نشرتها دير شبيجل تجمع بين الرئيس الاتحادي الالماني وقادة الدول الأفريقية المشاركة والذين دعتهم شبيجل بالحكام القمعيين

تحت هذا العنوان الحاد؛ نشرت شبيجل صورة مشتركة لمعظم الرؤساء الأفارقة المدعوين، يتوسطها الرئيس الاتحادي فرانك فالتر شتاينماير، وغاب عنها السيسي، الذي أفرد له المقال فقرة منفصلة أشير خلالها إلى أن مصر تعاني من نفس الوضع القمعي كباقي دول القارة، حيث "وضع السيسي معظم المعارضين له في السجون، وقمع المجتمع المدني".

"وقت النصيحة الأوروبية الحكيمة لأفريقيا قد انتهى. ولا أعتقد أننا نحن الأوروبيين نملك الإجابات لتحديات البلاد الأفريقية، لأن الحلول الأفريقية تقبع فى قارة أفريقيا".

- الرئيس الألماني

واستنكرت شبيجل أنه "على الرغم من ذلك، قابل الأوتوقراطي (تعني الحاكم المنفرد الذي يتسم أسلوب حكمه بالقمع العسكري) ممثلي الشركات الألمانية في برلين، وسط ترحيب رئيس البوندستاج فولفجانج شويبل والرئيس الاتحادى شتاينماير".

و في نهاية المقال أشارت دير شبيجل إلى دعوة شتاينماير إلى الرؤساء المشاركين في القمة على العشاء فى قصر بيليفو الرئاسي، في لقاء قال فيه "وقت النصيحة الأوروبية الحكيمة لأفريقيا قد انتهى. ولا أعتقد أننا نحن الأوروبيين نملك الإجابات لتحديات البلاد الأفريقية، لأن الحلول الأفريقية تقبع فى قارة أفريقيا".

النوع الأصعب من الاستبداد

صحيفة زود-دويتش أفردت فقرة كاملة في تغطيتها للمؤتمر عن مصر، وحملت الفقرة عنوانًا جانبيًا يقول "مصر النوع الأصعب من الأستبداد".

قالت فيها الصحيفة إن مصر "ليست شريكًا فى عملية الإصلاح، التي تختار وزارة التنمية الألمانية الشركاء فيها حسب معايير مختلفة مرتبطة بمؤشر"إدراك الفساد" الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية، ومؤشر أنشطة الأعمال الصادر عن البنك الدولي، أو مؤشر التحول المؤسسي حسب معايير مؤسسة برتلسمان، التي تهدف لتعزيز عمليات الإصلاح. وحسب برتلسمان؛ فإن الحكم في مصر "استبدادى من النوع الأصعب"، وعلى الرغم من ذلك يعتبر السيسي حليف مهم للحكومة الألمانية.

كما نقلت الصحيفة عن المستشارة الألمانية أن السيسي "لديه تأمين ممتاز للحدود البحرية، حيث لم يأت أي مهاجر إلى أوروبا من مصر". وناقشت المستشارة مع السيسي أوضاع السواحل الليبية وكيفية تحقيق الاستقرار هناك، حيث "ما زال العديد من الأفارقة نتيجة الحروب الأهلية يتسلقون قوارب صغيرة، لعدم حصولهم على وظائف في وطنهم، لن يجدوها في الشركات الألمانية".

فى إشارة واضحة إلى أن استقرار مصر أمنيًا، وسيطرتها على حدودوها البحرية، ومساعدتها لبلدان الجوار على تأمين حدودوها بغرض وقف الهجرة لأوروبا؛ هي العامل الأهم في نظر الحكومة الألمانية للشراكة مع مصر، ويأتي في المقام الأول قبل الوضع الإنساني.

نيران صديقة

لم تكن تلك هي المرة الأولى التي تواجه فيها ميركل والحكومة الألمانية انتقادات من الصحف، نتيجة للترحيب الرسمي بالسيسي.

فخلال زيارته الأولى لألمانيا عقب توليه الحكم؛ شنت الصحف الألمانية هجمة قوية ضد السيسي والحكومة الألمانية قبل مجيئه بأسبوع. وقتها انتقد بعض ممثلي أحزاب المعارضة وخبراء الدفاع الخطط المطروحة للتعاون الأمني مع مصر، بإعتبارها "إشارات خاطئة تبعثها ألمانيا بتوسيع التعاون بين الحكومة الفيدرالية ومصر رغم الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، وتعسف الشرطة على ضفاف النيل".

جاء ذلك في مقال نشرته صحيفة تاجسشبيجيل الإلكترونية في 25 مايو/ أيار 2015، تحت عنوان "انتقاد التعاون الأمني مع مصر"، قالت الصحيفة "ضباط الشرطة المصريين في نهائيات كأس الاتحاد الأوروبي، ضباط مخابرات يزورون مكتب الشرطة االجنائية الفيدرالي وخبير تبادل حول( مكافحة الإرهاب). الحكومة الاتحادية توسِّع تعاونها مع قوات الأمن المصرية".
وردًا على الانتقادات المستمرة؛ أكدت ميركل مرارًا على أهمية السيسي كشريك للحكومة الألمانية. كما حدث خلال زيارته عام 2015، مثلما نشرت صحيفة دير شبيجل مقالاً بعنوان "ألمانيا تبعث برسائل خاطئة من خلال ترحيبها بالسيسي". اعتبرت فيه أن "برلين تخون مبادئها بدعم السيسى من أجل تسهيل صفقات بمليارات اليوروهات".

أظهر المقال الذي نُشر بتاريخ 3 يونيو/ حزيران 2015 "تناقض ميركل" بدعوتها للسيسي لزيارة ألمانيا قبل أن تلوح أي بوادر للانتخابات (البرلمانية) رغم تصريحها مسبقًا أنها لن تستقبل رئيس مصر إلا بعد الانتخابات، التي "لن تكون فى الغالب نزيهة وحرة"، حسب ما جاء فى الصحيفة. مشيرة إلى أن استقبال ميركل للسيسي يعتبر بمثابة "صفعة على وجه كل من حارب الاستبداد فى مصر من أجل الديموقراطية".

يصر الإعلام الألماني على إظهار رأيه "غير السار" للسيسي بقوة، فيما يخص حقوق الإنسان في مصر والتعاون الأمني بين مصر وألمانيا؛ غير أن - على حسب الصحف الألمانية-؛ فإن الحكومة الألمانية تؤكد أن خططها الاقتصادية تأتي في المقام الأول قبل الوضع الإنساني في مصر، فالحفاظ على السيسي كشريك اقتصادي يساعد على حماية الأوروبيين من اللاجئين ومشاكل أوطانهم.

مواقف حكومية مغايرة

ورغم ما يبدو من حفاوة ألمانية رسمية كاسحة؛ يطفو على السطح ردود أفعال مختلفة من بعض ممثلي الحكومة، مثلما رفض رئيس الوبندستاج السابق نوربرت لامبرت إجتماعًا مع السيسي خلال تلك الزيارة (2015). لكن ذلك لا يغير في حقيقة أن السيسي "صديق مهم لألمانيا" طالما كان قادرًا على حماية اوروبا من تدفق الهجرة غير الشرعية على بلدانهم.