افتتاح كاتدرائية ميلاد المسيح بالعاصمة الإدارية الجديدة مصدر الصورة: صفحة المتحدث باسم رئاسة الجمهورية على فيسبوك

بين تصريحات الطيب وأحداث المنيا: هل تتسع "دولة الإسلام" للكنائس؟

هل يمكن لشيخ الأزهر أو نوابه حتى النزول إلى المنيا ليسمحوا بفتح كنيسة للأقباط للصلاة مثلًا؟

بدا البابا تواضروس الثاني بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية منتشيًا أثناء كلمة شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب خلال افتتاح كاتدرائية ميلاد المسيح بالعاصمة الإدارية الجديدة الأحد قبل الماضي بالتزامن مع قداس عيد الميلاد، في أول حضور لرأس المؤسسة الإسلامية الرسمية في مصر لقداس في سابقة لم تحدث عند افتتاح الكاتدرائية المرقسية بالعباسية في 1968.

تعلقت آمال المسيحيين بأن تكون كلمة شيخ الأزهر ممرًا آمنًا يسمح لهم بالصلاة في كنائسهم خاصة في القرى البعيدة عن العاصمة مثل قرى محافظة المنيا التي يُمنع فيها المسيحيون بشكل شبه دوري من إقامة صلواتهم بسبب غضب جيرانهم المسلمين، في حوادث كان آخرها الجمعة الماضية عندما أجبر محتجون مسلمون الأمن على إخلاء بيت يقيم المسيحيون فيه صلواتهم، بعد أسبوعين من حادث مقتل مسيحي وابنه برصاص رقيب شرطة ـ أحيل للجنايات ـ مكلف بحراسة كنيسة في ديسمبر الماضي، إثر مشادة كلامية.

لكن كلمة شيخ الأزهر تضمنت ما أثار غضب مسيحيين كثر عندما لم تثني عددًا من المسيحيين عبر مواقع التواصل الاجتماعي من التعبير عن دهشتهم حين قال الطيب أن "زعم أن "كل كنائس مصر بُنيت في عهد الإسلام وبعد دخول الإسلام في مصر". ​




لاحقًا، قال المركز الإعلامي للأزهر إنه "دقق" كلمة الطيب وذكر في بيان صحفي "اسألوا التاريخ ينبئكم أن كنائس مصر معظمها بنيت في عهد المسلمين".

لكن الشيخ مجدي عاشور المستشار العلمي لمفتي الجمهورية خرج في الثامن من يناير عبر قناة الناس وجدد الجدل إذ قال إن أول كنيسة بُنيت في مصر كانت في الفسطاط ـ بما يؤشر إلى أن الأمر ليس مجرد زلة لسان ولكنها مغالطة تاريخية قالها الرجل، الأمر الذي دفع كاهن كنيسة ماريوحنا بالقوصية في أسيوط القس لوقا راضي للرد عليه عبر فيسبوك لتوثيق تاريخ بناء الكنائس في مصر قبل الإسلام.

مفتي الجمهورية من جانبه وعبر موقع دار الإفتاء المصرية يعتقد أن كنائس مصر لم تبن إلا في عصر الإسلام، فِي زمَن الصحابة والتابعين.

ويفند مدير مركز الدراسات القبطية بمكتبة الإسكندرية والأثري المتخصص في الآثار القبطية الدكتور لؤى محمود سعيد لـ"المنصة" كل تلك الأقاويل، إذ يقول إن هناك قرابة 300 كنيسة أثرية في مصر حسب إحصاء قُمت به منذ عشر سنوات بطلب من الدكتور زاهي حواس وزير الآثار الأسبق، والقول ببناء كل الكنائس في مصر في عهد الإسلام معناه أن الإسلام دخل مصر وهي خالية من الكنائس هذا أمر غير حقيقي ومغالطة تاريخية ترد عليها الدراسات الأثرية.

ويضيف سعيد، مصر كان بها مسيحيين وتراوح تعدادها 6 مليون نسمة غالبيتها مسيحية، وبالتالي كانت بها كنائس، والقصة هي أننا بإزاء ثلاث أنواع من الكنائس الحالية كنائس بٌنيت قبل الإسلام ورُممت بعده، أو الكنائس بُنيت قبل الإسلام ثم أزيلت وبُني مكانها كنائس حديثة بعده، والثالث كنائس استحدث بعد الإسلام، وأوضح أن أبرز الكنائس التي بنيت قبل الإسلام هي كنائس منطقة وادي النطرون ودير مارمينا في منطقة الكينج مريوط بالإسكندرية، وكنائس مصر القديمة، والأساسات القديمة للكنيسة المعلقة، وهناك جزء آثري في دير مارمينا مسجل على قائمة التراث العالمي.

المنيا جرح نازف للمسيحيين

وبينما يحاول شيخ الأزهر ومفتي الجمهورية إقناع الناس أن الكنائس المصرية بنيت كلها في عهد الإسلام، فإن آخرين في المنيا يصرون على تقديم صورة عكسية مفادها أن دولة الإسلام لا تتسع للكنائس.

يقول اسحق إبراهيم مسؤول ملف حرية الدين والمعتقد بالمبادرة المصرية للحقوق الشخصية لـ المنصة إن خطاب شيخ الأزهر في الكاتدرائية الجديدة جيد وعمل عظيم، لكن هناك فجوة كبيرة بين الخطاب من جهة وخُطب كثير من المشايخ والقادة الدينيين على الأرض من جهة ثانية، لأن الأحداث التي تقع تستند على خطاب يرى أن بناء الكنائس لا يجوز في دار الإسلام وأن هذا غير مسموح به وعار اجتماعي، وهو ما يخلق تعديات على الأرض على المسيحيين.

وفي حين يعترف البابا تواضروس أن المنيا تعاني من نقص في التنمية وتحتاج إلى معاملة خاصة وتكثيف في المشروعات سواء التعليم أو الثقافة أو التنمية، حسبما قال في لقاء الشهر الماضي عبر قناة "مي سات" التابعة للكنيسة القبطية، يشير مصدر كنسي في المقر البابوي في الكنيسة القبطية الأرثوذكسية لـ المنصة إلى أن هناك بعض الأجهزة التنفيذية التي تعطل قرارات بناء الكنائس وأنه لولا ذلك لتسارعت وتيرة ترخيص بناء كنائس جديدة

الأمن لا يسمح بالتظاهر بشكل عام، لكن في الأحداث الطائفية يتم التظاهر وترديد هتافات معادية وتصدير خطاب كراهية ثم لا يُحاسب أو يعاقب أحد

ويضيف المصدر أن ما يواجه مسيحيو المنيا يكمن في قلة من المتشددين يحملون فكرًا غير وسطي وغير معتدل.

لكن مصدرًا كنسيًا بالكنيسة الإنجيلية في مصر يقول لـ المنصة إن اللجنة التي شكلها الرئيس عبدالفتاح السيسي لمواجهة الأحداث الطائفية عليها أن تنظر بعين الاعتبار لما يجري في المنيا.

لكن إسحق إبراهيم برى أن الأحداث في المنيا ليست جديدة ومستمرة حتى بعد صدور قانون بناء الكنائس، وتلك الأحداث تتكرر وهي تظاهر أمام كنائس لغلقها، ومن بعد عمل لجنة توفيق أوضاع الكنائس في سبتمبر/ أيلول 2017 لدينا 18 حادثًا يتعلقون ببناء الكنائس، معظمها يتم فيها غلق المبنى ومنع المسيحيين والصلاة، ويصاحبها اعتداءات وتجمهر لرفض الصلاة، ولا يتم محاسبة أحد، وهو ما يعطي تشجيع للمعتدي لأن شيئَا لا يردعه.

واستطرد "الأمن لا يسمح بالتظاهر بشكل عام، لكن في الأحداث الطائفية يتم التظاهر وترديد هتافات معادية وتصدير خطاب كراهية ثم لا يُحاسب أو يعاقب أحد".

وتساءل إبراهيم "هل يمكن لشيخ الأزهر أو نوابه حتى النزول إلى المنيا ليسمحوا بفتح كنيسة للأقباط للصلاة مثلًا؟"، موضحًا أن "الأمر في النهاية بحاجة لتدخل الدولة لضمان حق الناس في الصلاة، لدينا قانون جديد لتسهيل بناء كنائس، ما يحدث أن كنائس في القرى التي تحتاج يتم غلقها، هل نحن نحتاج لكنائس في العاصمة الإدارية، أم في الأماكن التي يضطر فيها أن يسير المصلون 3 أو 4 كيلومترات للصلاة؟".

المبادرة المصرية للحقوق الشخصية رصدت في تقريرها الأخير الصادر نهاية العام الماضي تدهور الوضع العام لحق ممارسة الشعائر الدينية وبناء دور العبادة، ودعت مجلس الوزراء إلى توفيق وضع كل الكنائس التي قدمت أوراقها إلى اللجنة بما يقطع الطريق على جانب من أسباب العنف الطائفي.

ويقول إبراهيم إنه رغم مرور عامين ونصف من قانون بناء الكنائس لم يصدر قرار واحد بإنشاء كنيسة جديدة في القرى المحرومة التي يقطع أهلها عشرات المسافات للصلاة، مشيرًا إلى أن ما حدث في الزعفرانة تكرر في محافظات أخرى مثل الجيزة والإسكندرية والبحيرة وقنا والأقصر وسوهاج وبني سويف.

أسئلة لم يجب عنها قانون بناء الكنائس

ولا يقدم قانون بناء الكنائس الحالي أية إجابات على أسئلة المسيحيين على الأرض عن حقهم في الصلاة، واعترف المستشار منصف سليمان المستشار القانوني للكنيسة الأرثوذكسية أن القانون صيغ بهذا الشكل مراعاة للظرف الخاص إذ "توجد أحزاب سلفية متعصبة" وأنهم وضعوها في اعتبارهم وهم يصيغون القانون.

القانون الحالي هو أداة طيعة في يد الأمن، وللأسف الأمن يخضع لصوت المتشددين ويجور على الطرف الأضعف وهم المسيحيين لأن المتشددين أصحاب الصوت الأعلى.

رغم نداءات كثيرة بإيجاد حل للمسيحيين الذين يقطعون عشرات الكيلومترات للصلاة بين قرية وأخرى في المنيا، إلا أن القانون لا يجيب عن سؤال يتعلق بمعنى "مراعاة مساحة الكنيسة المطلوب الترخيص ببنائها وملحق الكنيسة بما يتناسب مع عدد وحاجة مواطني الطائفة المسيحية في المنطقة التي تقام بها، مع مراعاة معدلات النمو السكاني" الواردة في القانون.

ويظل الأمن صاحب الكلمة الأخيرة في بناء الكنائس أو تقنينها، ولا يقدم القانون تفسيرًا واضحًا لشؤون الدفاع عن الدولة والقوانين المنظمة لأملاك الدولة العامة والخاصة المذكور في المادة التاسعة من القانون، وهو ما يُفسره مصدر كنسي مُطلع بمطرانية المنيا وأبو قرقاص ـ مشترطًا عدم الكشف عن هويته ـ بأن قانون بناء الكنائس هو قانون تمييزي أصلًا لأنه كان لابد أن يكون قانون لكل دور العبادة.

ويرى المصدر لـ المنصة، القانون الحالي هو أداة طيعة في يد الأمن، وللأسف الأمن يخضع لصوت المتشددين ويجور على الطرف الأضعف وهم المسيحيين لأن المتشددين أصحاب الصوت الأعلى.

ويوضح أن المنيا محافظة تتجاهلها الدولة هي بلا تنمية ونسبة بطالة كبيرة وأمية وقرى مهملة، وكل هذا أرض خصبة للتشدد والإرهاب، والمهم هو تفعيل قانون بناء الكنائس، ونأمل أن اللجنة الجديدة التي شكلها الرئيس عبدالفتاح السيسي لمواجهة الأحداث الطائفية لها عمل حقيقي على الأرض، وربما لو استقرت في المنيا ستفهم ما يجري وتحل الأمر، متساءلًا "الدستور يكفل حرية العبادة إذن لماذا لا يُفعل القانون ومن حقه في مكان يعبد فيه الله".


اقرأ أيضًا: عنف المنيا ضد مسيحييها.. صوت الطائفية فوق سيف القانون


ويعاني المسيحيون في تطبيق المادة 8 من قانون بناء الكنائس التي تنص في نهايتها "وفي سائر الأحوال لا يجوز منع أو وقف ممارسة الشعائر والأنشطة الدينية في أي من المباني المشار إليها أو ملحقاتها لأى سبب" وهي الكنائس التي يتم التقدم بكشف بها، لكن مصدرًا في لجنة توفيق أوضاع الكنائس قال لـ"المنصة" إن المادة غير مطبقة فعليًا.


اقرأ أيضًا: بيان للكنيسة يتهم الأمن بالإذعان للمتشددين في المنيا