تصميم: يوسف أيمن

في ظلال الست| السبب والعجب واللمة والراحة

والكل عندك يا ست متواعدين.

فؤاد حداد.

في زخم سمو أم كلثوم بعد نهاية أحد الكوبليهات تعالت الصيحات كما العادة، تصفيق وصخب عشوائي يستحسن ما استمع، ليخترق هذه الفوضى صوت بالكاد تميزه يعيد نفسه دون توقف "يا هووو.. والله إحنا مش ع الأرض".

حالي كان كحال أغلب الشباب الذين يضيقون ذرعًا بهذه السيدة ذات الصوت الرجولي والأغاني الطويلة المملة، ولم أكن أرى أي داعٍ لينتظر الإنسان 13 دقيقة من الموسيقى قبل أن تبدأ الأغنية، ومثل الجميع تبدّلت الأمور لأن الإنسان حتمًا سينساق خلف شيء ما لدى هذه السيدة.

ما أظنه جاء مختلفًا هو طريقة التحول من شاب يضيق ذرعًا إلى شاب كلثومي، لم يحدث الأمر كما المتعارف عليه بالانبهار بمقدمة إنت عمري أو بمذهب ألف ليلة وليلة أو بأحد كوبليهات سيرة الحب. فأول محطات التعلق كانت القلب يعشق كل جميل، أكثر أغنية يذوب فيها أبي مع صوتها، ومع المرة الأولى التي تلقيتها "بالدمع ناجيته"، لم أجد بدًا من الانسياق.



2

قبل سنتين كنت في سور الأزبكية عندما وقع أمام عينيّ ديوان لفؤاد حداد اسمه مصر المصرية بتغني. أحب فؤاد حداد لأنه يقول ليس فقط ما يدور في رأسي لكنه الشاعر الذي يقول ما يدور وما سوف يدور مستقبلًا. أخذت الديوان بدون تردد ودون أن أفكر فيما يحتويه. أول ما فتحته وجدت نصًا كتب أعلاه أم كلثوم. لا أتذكر لحظة أكثر سعادة من هذه اللحظة.

وانتي السبب والعجب واللمة والراحة

والليل حدانا ضفاير بنت فلاحة

والكل عندك يا ست متواعدين.


3

لن أشبه صوتك بالبحر ولا شموخكِ بالجبل ولا بسماتكِ باللؤلؤ المنضود، كلها تشبيهات ومبالغات استُهلكت، أنت "الست"، هكذا، بتلك البساطة، ولا أجد أوفى. ما تفعلينه ليس نوعًا من الغناء والطرب، بل ما تفعلينه هو الطرب نفسه كما يجب، بشموله وعمومه، وإن كان أكثرهم لا يعلمون.

ببداية متدرجة تنطق أم كلثوم جملة بيرم "يمنّي قلبي بالأفراج.. وأرجع وقلبي كله جراح". جملتان بنفس الوزن والقافية لهما نفس المساحة اللحنية والقدر الموسيقي، ولكن شتان الفارق في المعنى؛ ضدان بالكليّة، فماذا فعلت الست؟ تركت الموسيقى كما هي واتجهت لمخارج الحروف ودلالاتها تعبر بها.

حين "يمنّي قلبي بالأفراح" تستهلك المساحة اللحنية في مد ألف أفراح وتقطيعها؛ لتجعلها كما الضحكة كما الزغرودة، تعبّر تمامًا عن الفرح؛ بالأفرااااااح. ولكن عندما "أرجع وقلبي كله جراح" تستهلك المساحة اللحنية في الضغط على حاء "جراح" ومصاحبة الألف بهواء يهب من آخر الحلق، تمزجها بنصف تنهيدة، فتجعلها كما الصرخة المكتومة من ألم جرحٍ عميق؛ جرااااااهح.


إزاي يا ترى؟ أهو ده اللي جرى!


4

يتجلي الأمر ثانيةً عندما تغني جددت حبك ليه. "إنت النعيم والهنا.. إنت العذاب والضنا"، جملتان آخرتان على نفس الوزن وبنفس القافية وذاتها المساحة اللحنية والقدر الموسيقي، فقط ضدان في المعنى، ولكن هل كانت الست في هو صحيح الهوى غلاب تكرر تكنيكًا معتادًا كلما غنّت جملًا تماثَل شكلها وتناقضت معانيها؟

ما حدث أنها لم تغير أي شىء في نبرة الصوت أو المد أو استخدام المخارج، بل نطقتهما بنبرة واحدة وصيغة تقريرية ثابتة، هكذا "إنت النعيم والهنا.. إنت العذاب والضَنا"، ولكن "والعمر ايه غير دول؟ لو فات على.. على حبنا.. سنة وراها سنة.. حبك شبااااب على طول".

العمر ليس سوى نعيم وعذاب متساويان يتبادلان أدوارهما فلا حاجة لبث الفروق هنا بين الهناء والضنا؛ فالعمر ايه غير دول؟!

هكذا هي الست، دومًا لديها ما تضيفه كلما ظننت أن الأمر اكتمل.



5

أم كلثوم ليست عظيمة لأنها غنت أغدًا ألقاء ولكنها عظيمة لأنها غنت أغدًا ألقاك وعمرها 72 سنةً، هي ليست عظيمة لتعدد آهاتها التي تذوب معها ولكنها عظيمة لأنها رغم ملايين الآهات التي شدت بها لن تجد آهتين متشابهتين.

أتاحت الست للملحنين عديد المساحات للعب كما شاءوا، فترى بليغ حمدي في فات الميعاد يبدأ الأغنية بقفلة للأغنية؛ فات الميعاد، وترى الموجي في حانة الأقدار يترنح صعودًا وهبوطًا وبثلاثة كوبليهات بثلاثة مقامات مختلفة مع جزالة ألفاظ طاهر أبو فاشا وهي كما هي تفعلها بعفوية شديدة، ثم يأتي رياض السنباطي في شمس الأصيل ويلحن الكوبليه الأخير بمقامين مختلفين، فتشجيه هي من السيكا ثم تعيده مرة أخرى كاملًا من النهاوند، قبل أن تعود إلى الحجاز لتغني المذهب، والناي على الشط غنى بايتين حوالينا نسمع ضحكة الكروان تنتقل أخرى إلى مقام الحجاز لتغني المذهب، والناي على الشط غنى بايتين حوالينا.. نسمع ضحكة الكروان على سواقي بتنعي ع اللي حظه قليل؛ يا نيل.



6

تبدأ الست كما تنهيدة الذكرى "ياما ليالي أنا وخيالي هفضل أصبّر روحي بكلمة يوم قلتهالي"، تسير بهذا الحنين الذي يهمّد للانكسار؛ "ما شافش الحيرة؟"، "ولا شافش الشوق؟" لتبلغ هنا "المرقعة" ذروتها "وأرجع وأسامحك تاني وأحنلك وألقاني" ثم وبسرعة تنهض مجددًا "بدي اشكيلك من نار حبي" تكررها ثلاثًا بتدرج محسوب تزيد قوته شيئًا فشيئًا، لتفعلها وتنتقل بنفسها –وبي وبك وبالسامعين- من "وأرجع وأسامحك تاني" إلى "وعزة نفسي مانعاني".


هي تلك الدرجة الإضافية التي تضفي على الجمال صنوفًا أخرى وأخرى من الجمال، فهي التي تصرخ فيك بُعدًا عن العشاق ومتاعبهم لتنتفض لها "وخلينا بعيد.. بعيد أسلم" وهي التي تعود لتتمايل بك "يا ناسيني وإنت على بالي" وكأنما قد أوتيت ما شاءت من دلال وغنج ودلع الدنيا.


لقد استغرقتني التفاصيل، وما زالت تدعوني فأصعد، وستظل تدعوني فأصعد حتى أبلغ منطقة العوالم المتوازية، لأنني أعرف أنني سأكون يومًا ذلك الصوت الهاتف القادم من بعيد وهو يقطع فوضى صخب المستحسنين منفردًا وهو يصيح "يا هو.. والله إحنا مش عَ الأرض".


للعودة إلى الصفحة الرئيسية للملف.


اقرأ أيضًا: في ظلال الست| "موجة واحدة" للإمساك بصوتها داخل الزنزانة