تصميم: يوسف أيمن

في ظلال الست| شعاع نور من طماي الزهايرة إلى اتساع العالم

الشيخ أبو العلا لم يكن الفيصل في حياة أم كلثوم؛ بل هو لحظة التحام ماضيها وملامح نشأتها بحاضرها ومستقبلها فيما بعد، هو التئام أذيال الهزيمة ببشائر الأمل، والإيمان بأن كل شيء ممكن.

في آخر أيام عام 1898 بقرية طماي الزهايرة التابعة لمركز السنبلاوين بمحافظة الدقهلية في دلتا النيل، وبصوتٍ مترعٍ بالحبِّ والعزةِ والذكاء، ولدت فاطمة إبراهيم سيد البلتاجي، ولدت أم كلثوم.

جاء ميلاد أم كلثوم بعد 16 عام منذ اندلاع الثورة العرابية وهزيمتها، نشأت الطفلة فاطمة البلتاجي في مجتمع مثقل بالخسارة يعاني من انفلات الحلم، ظلال الهزيمة وانكسارها يحيطان بالجميع ويتجددان مع كل ذكرى، ويصبحان ثقلًا يحمله جيل تلو آخر.

في هذة الفترة من عمر مصر، كان الشعب يدفع نتيجة فشل هذة الثورة، يدفعه من حلمه وحريته وعلمه ونصيبه في حياة إنسانية كريمة، في ظل الاحتلال البريطاني. هناك مطالب كثيرة للشعب أولها الاستقلال، وللمرأة بالذات مطالب أخرى أقلها الحق في التعليم.

تراكمت في مصر أسباب الغضب وتفاقمت، حتى اندلعت ثورة 1919 لتغيّر كل شيء.

وبين هزيمة ثورة وانتصار أخرى حتى لو على الصعيد الثقافي والفني، أعيد تدوير وتشكيل الوعى المصري وتحرر من بعض المُسلّمات والقوالب، بشكلٍ أتاح لاحقًا لأم كلثوم وغيرها، التمرد وخلق قواعد ومُسلّمات جديدة ظلت راسخة حتى يومنا هذا.

جوقة غنائية دون معازف

كان إبراهيم البلتاجي إمام مسجد حافظًا للقرآن ومرتلًا له بصوتٍ عذب، ومثل كثيرين غيره من الفلاحين الذين عاشوا تحت وطأة الهزيمة ومرارة الاحتلال، يحرثون في أراضيهم المسلوبة، اعتاد أن ينشد في الليالي والموالد ويروي السيرة النبوية مقابل مبلغ زهيد.


تحكي لاحقًا في لقاء إذاعي "أنا نشأت نشأه دينية، والدي بيقرأ قرآن ويرتله، وكان إمام مسجد ولما رُحت الكتاب اتعلمت القرآن، وأقوى عاطفة عندي هي العاطفة الدينية، فيجب على كل مغنٍّ إن لازم يحفظ القرآن، أكبر كتاب ده يقوّم اللسان ويخلي الحروف واضحة".

وهي ثملى بالذكريات والزهو أيضًا حَكت الست في أحد حواراتها مع الإذاعة أن والدها عندما ظهر له منافس، أخذ يُعلم ابنه أصول الإنشاد والإلقاء، ومن ثم التحقت هي الأخرى بهذه الجوقة الصغيرة، فكانت فاطمة تنشد في بادئ الأمر دون معازف، صوتها وحده هو الكلمة والنغم، في وقت كانت الفرق تتكون من المنشد وخلفه سنّيدة أو بطانة، يرددون خلفه بعض الأبيات في حلقة موسيقية مترابطة.


بغطاء رأس يشبه الحجاب وبعقال وجلباب، ظلت فاطمة تجوب القرى بهذا الزي الريفي، تُحيي الليالي والمناسبات الدينية وغيرها نظير مبالغ زهيدة، فتبدأ الليلة الغنائية من الثامنة مساءً وقد تمتد حتى مطلع الفجر، بحسب عدد المشاجرات التي تنشب بين المستمعين، هكذا تطول الليلة أو تنتهي سريعًا، أو يطول التوشيح أو يقتصر على بيتين أو ثلاثة.

ورغم حداثة سنها في هذة الفترة، استهواها غناء القصائد فبات إلى نفسها أقرب من ترديد الأغاني العامية، حتى وإن كانت لا تفهم بعضها. فتحكي السِت متباهية "في القرية كان فيه اسطوانات يجيبوها في بيت العمدة، فكنت أنا انبسط أوي من الشيخ أبو العلا، رغم إنه كان كله قصايد وكلام مايبسطش العيال الصغيرين".


أبو العلا ده أستاذي!

في عشرينات القرن الماضي في محطة السمبلاوين، التقت أم كلثوم بالشيخ أبو العلا محمد، وكانت هذة المقابلة كفيلة بأن تفتح لأم كلثوم أبواب مصر على مصرعيها، ليس فقط لأن أم كلثوم جديرة بهذا المجد، بل أيضا لأن الشيخ أبو العلا كان أستاذًا عظيمًا في فنون اللحن والغناء وقد بلغ حينها أوج صيته ومجده، وكانت أم كلثوم بمثابة الحلقة الناقصة ليتم مسيرته العظيمة.

استغل الشيخ أبو العلا محمد مساحة صوت أم كلثوم التي منحته حرية غير مسبوقة في الانتقال بسلاسة بين المقامات الموسيقية، فأعطاها مما لحن وغنى عشر قصائد سجلتها أم كلثوم على اسطوانات، ولكنه لم يقدّم لها أي لحن مخصوص.

هكذا أكمل الشيخ أبو العلا من خلال صوت أم كلثوم مهمته التاريخية، كما يرى الناقد كمال النجمي. و خلال خمس سنوات لازمت فيهم أم كلثوم الشيخ أبو العلا حتى وفاته، أسست فيها الست دعائم فنها وسُجلت قصائدها لأول مرة على اسطوانات.


الشيخ أبو العلا لم يكن الفيصل في حياة أم كلثوم؛ بل هو لحظة التحام ماضيها وملامح نشأتها بحاضرها ومستقبلها فيما بعد، هو التئام أذيال الهزيمة ببشائر الأمل، والإيمان بأن كل شيء ممكن.

في بدايات القرن التاسع عشر الذي ولدت أم كلثوم في آخره، حمل الشيخ المسلوب على عاتقه مهمة إنقاذ الغناء المصري من المسحة العثمانية وغيرها، إلى جانب جماعة من شيوخ الأزهر حملوا بدورهم عبء تأليف القصائد وتلحينها وغنائها، فكان الشيخ المنيلاوي والشيخ علي القصبجي والشيخ أبو العلا محمد والشيخ سلامة حجازي وغيرهم، إضافة إلى بعض الأفندية أمثال عبده الحامولي وأحمد حلمي.

صنع هؤلاء أول نهضة فنية حسب الناقد كمال النجمي في كتابه تراث الغناء العربي إذ يقول "لهؤلاء المشايخ ذوي الفطرة الفنية والأدبية الحساسة النقية أكبر الأثر في رد الغناء العربي إلى اسلوبه الحضاري وتطوير هذا الأسلوب في المستقبل تطويرًا واسعا".


في هذا الوقت كانت الست ساكنة صاحبة تخت غنائي ضمت فيه فيما بعد الست المظ، وهذة الفترة وصفها كمال النجمي "إذا أحصينا عدد المغنيات في الجيل الذي سبق أم كلثوم وجدناهن أكثر عددًا من المغنيين، وهؤلاء جميعًا لم يحفظ لهن التاريخ إلا بضع اسطوانات سجلن عليها أدوارًا أو قصائد، وأوشكت المغنيات أن يتخصصن بالطقطوقة، إلى جانب أغاني الخلاعة والدلاعة التي كانت متدوالة منذ عهد بعيد بين المغنيات".

رغم أن الغناء دائما يحتل عند المصريين مكانة لا تتزحزح، لكن تظل نظرة أغلب الشعب إلى المغنيين والمغنيات، نظرة محتقرة تشي بالانحلال والخلاعة، طالما لا ينشدون أو ينشدن التواشيح الدينية، فالوعي المصري في هذة الفترة حصر المغنيات في الأغاني الخفيفة، حتى تخلص رويدًا من هذة الفكرة.

الجدير بالذكر هنا أن فترة صبا الآنسة أم كلثوم، كان المجتمع ينفض عن نفسه مشقة الخيبة، ويجر كل مقومات الثورة، في الخفاء أو العلن، في المعتقلات أو الميادين والمصانع.

وعلى وقع صوت الشيخ المؤسس سيد درويش وهو يغني "قوم يا مصري مصر دايمًا بتناديك.. قوم يا مصري مصر دين واجب عليك" قامت ثورة 1919، ليتغير الفكر وإن كان بصورة طفيفة، وتتغير معه نظرة قطاع غفير من المجتمع تجاه المغنيين والمغنيات، وأن أي موهبة جديدة فهى ثروة يجب استغلالها وتلميعها وتقديمها كصورة مشرفة تعبر عن مصر وعن حرية هذا الشعب ومواكبته للتغيرات التي تحدث من حوله.


نزلت أم كلثوم القاهرة عام 1923، عام وفاة الشيخ المؤسس، وعام إبرام أول عقد اجتماعي للأمة ممثلًا في دستور 1923، وتطور البرلمان وأصبحت له السيادة في التشريعات والقدرة على سحب الثقة من الحكومة. كانت مصر تشهد تغيّرات كبيرة على كل الأصعدة.

تنقلت أم كلثوم بتختها بين آهات المستمعين وأسكرتهم بصوتها، وتعاقب عليها الملحنين وأكملت مشوار القصائد مع طبيب الأسنان والملحن الهاوي أحمد صبري النجريدي صديق الشيخ ابو العلا، وكان قد بُخِت بتلحين بعض القصائد والطقاطيق لها، في حياة صديقه وبعد وفاته. ، فلحن لها قصائد مالي فتنت بلحظك الفتاك، ولي لذة في ذلي وخضوعي، وكم بعثنا مع النسيم سلامًاً، وغنت أم كلثوم في هذة الآونة أيضًا قصيدة أبي فراس الحمداني أراك عصي الدمع في نسختها الأولى بلحنها الأصلي لعبده الحامولي، قبل عقود من إعادة تقديمها بلحن رياض السنباطي.


في تلك الفترة أشار النجريدي على الآنسة أم كلثوم أن تنصاع للذوق العام وتشرع بغناء الطقاطيق التي تلقى رواجًا أكبر من القصائد، فأقنعها.

لا نستطيع أن نفسر كيف لجمهور بأكلمه دونما اتفاق، أن يُحمل على نسيان أغنية واسقاطها من وعيه، غنت أم كلثوم الخلاعة والدلاعة مذهبي، ولنكون منصفين فإن أم كلثوم أطربت وبرعت في غنائها، لكن من الواضح أن شعب أم كلثوم أراد أن يؤطرها في غناء لون واحد من الأغاني، وكرِه أن يسمعها تغني أغانٍ تحمل بعض إيحاءات جنسية.

خافت أم كلثوم على مستقبلها الغنائي، و جمعت كل الإسطوانات من السوق ودفعت تعويض لشركة أوديون، فعدل أحمد رامي الكلمات إلى الخفافة واللطافة مذهبي، وأعادت غناءها وتسجيلها مرة أخرى.

وغنت أم كلثوم بعدها طقاطيق بالعامية المصرية، لتناسب أيضًا الذوق العام، وكانت من ألحان النجريدي.


شيخ المجددين

التحق شيخ المجددين وأستاذ الأساتذة محمد القصبجي بتخت أم كلثوم عام 1924وظل فيه حتى وفاته عام 1966، ولكن بداياته كملحن لأم كلثوم كانت عام 1926.

القصبجي، كما وصفته أم كلثوم، كان سابقًا لعصره. ولكن عندما نتحدث عن البواكير، فيجب أن نأخذ بالحسبان أن القصبجي ساق نفسه إلى تجربة صعبة، فربوع مصر أحبت صوت أم كلثوم حتى كادت أن تمنحها قدسيةً، أو كما قال نجيب محفوظ في رواية خان الخليلي على لسان أحد شخصيات الرواية "أم كلثوم عظيمة ولو نادت ريان يا فجل". فهذا الصوت الفريد لا يعرف التيه أبدًا، وصاحبة هذا الصوت لا تضل طريقها في انتقاء أغانيها وملحنيها مطلقًا.


وقف القصبجي بين التجديد و الأصولية، هذا الاختبار جعل القصبجي بعد أن لاقى لحن منولوج إن كنت أسامح وأنسى الأسية عام 1928 إعجاب وترحاب الجمهور، يعود مجددًا إلى القصائد التي في الحقيقة لم تتخلى عنها أم كلثوم ابدًا، فالجمهور لم يعتد بعد أن يرى أم كلثوم تغني غير القصائد، أو بالأحرى تغني لآخرين عدا أبو العلا أو النجريدي.

لحن القصبجي لأم كلثوم سبع قصائد بين 1926 و1931. وتذهب بعض الآراء إلى أن القصبجي لم يوفق في تلحين القصائد كما وفق في تلحين الأغنيات العامية، وفي هذا المضمار يقول كمال النجمي "حاول القصبجي أن ينقل نجاحه من المونولوج المكتوب بالعامية إلى القصائد الفصحى، ولكنه لم يوفق فيما حاول، ولم يتيسر له إلا القليل".

ونهج القصبجي درب الشيخ أبو العلا واستغل خامة صوت أم كلثوم، وهو بمثابة آلة موسيقية غير ملموسة، استغلالًا حسنًا، كمقطع صولو يكمل مقطوعاته الموسيقية، فطوّع صوتها ليخدم ألحانه مهما بلغت صعوبة هذة الألحان، كما نسمع في مونولوج إن كنت أسامح وأنسى الأسية، ومونولج رق الحبيب، وغيرهما من ألحان القصبجي، ولم يعد صعبًا على المستمع المتمرس أن يميز لحن القصبجي عن غيره حينما يسمع أغنية ما لأم كلثوم.

الثَقَلان.. بيرم وزكريا

أول أدوار الشيخ زكريا أحمد مع أم كلثوم عام 1931، كان دور هو ده يخلّص من الله. وقبل أن يندثر هذا الفن نهائيًا، تعاونت أم كلثوم مع الثقلان الشيخ زكريا أحمد والشاعر بيرم التونسي في تسعة أدوار لحنها الشيخ زكريا، وكتب كلماتها بيرم إلا ثلاثةً، آه يا سلام زاد وجدي وقد احتار المؤرخون في نسبه بين حسن صبحي والشيخ زكريا نفسه، ودور امتى الهوى ييجي سوا من تأليف حسن صبحي، وآخر دور غنته أم كلثوم ماكنش ظني في الغرام، من تأليف يحيى محمد.


وهكذا استمر الشيخ زكريا ملحنًا لأدوار أم كلثوم ثمانية سنوات حتى عام 1939، ولحن خلالها وبعدها حتى الستينات قصائد وطقاطيق.

هذه الساحة الفنية التي جمعت الشيخ زكريا أحمد وداوود حسني والقصبجي أمام مذبح أم كلثوم، لم تضن على ملحن بعبقرية وحلم السنباطي، الذي أجاد تلحين المعاني ووصل النغم بالكلمات، تراه أم كلثوم امتدادًا للقصبجي، ويراه النجمي متأثرًا بأستاذ الأساتذة وإن كان يعتقد أنه فذَّ عنه.

ولكن كل من يستمع إلى هجرتك أو عودت عيني أو جددت حبك ليه أو يا ليلة العيد، يشعر بإن ثمة رقة وتميُز عرفت طريقها إلى صوت أم كلثوم، فمنذ غنت على بلد المحبوب عام 1935، ظل السنباطي ملازمًا لأم كلثوم أربعين سنة. لحن خلالها العديد من القصائد الملحمية والرومانسية.

هؤلاء هم من أرسوا قواعد المجد الكلثومي، وآمنوا بصوت الست أشد الإيمان، ومهدوا الطريق لملحنين جدد كل بطريقته المختلفة. تلك القرى وأهلها هم من توّج الرفعة والعظمة بها وجعلوها أيقونة الشرق، وبهم أصبحت باقية، وخالدة، وسيدة الأبدية التي لم ولن تسقط أبدًا في هوة الغياب. جعلوا أم كلثوم طيلة حياتها تدين لهم بجماهيريتها العظيمة التي امتد شعاعها من طماي الزهايرة إلى القاهرة، ومنها إلى العالم.


للعودة إلى الصفحة الرئيسية للملف.


اقرأ أيضًا: في ظلال الست| المؤسسة العابرة لكل الأزمنة