خريطة مشروع النهر الصناعي العظيم. الصورة: ويكيميديا

"النهر الأخضر" الليبي: كيف بدأ وأين انتهى؟

حتى اليوم ما يزال الجدل دائرًا حول قابلية المشروع للاستمرار، خاصة وأنه يعتمد على مخزون المياه الجوفية، غير المتجددة. لكن النظام الليبي السابق كان يؤكد قدرة المخزون الجوفي على الصمود لقرون.

منذ إندلاع الحرب الأهلية في ليبيا في 2011 وحتى الآن، والنهر الصناعي الليبي؛ يتعرّض للسرقة والنهب وهجمات المسلحين من الأطراف المتصارعة، ما يجعل 75% من الليبين المعتمدين عليه في احتياجاتهم المائيّة تحت خطر العطش المائي.

فما هو النهر الصناعي العظيم أو "النهر الأخضر" الليبي، ولماذا أطلقه القذافي، وإلى أين وصل؟

الهدف المعلن عند إطلاق المشروع كان التغلّب على شح المياه في مدن الشمال الليبي خاصة مع الزيادة السكّانية وعدم وجود مصادر دائمة للمياه تعتمد عليها ليبيا كباقي دول شمال أفريقيا، والفكرة كانت إمداد مدن الشمال بمياه الآبار الجوفية الموجودة في الجنوب عن طريق خطوط مائيّة ستسمّى فيما بعد بالنهر الصناعي العظيم؛ هذه كانت الفكرة:

متى بدأ؟

وضع العقيد معمر القذافي حجر أساس نهره الصناعي عام 1984، فيما قال أنه محاولة لإنقاذ ليبيا من العطش، واستمر العمل فيه حتى العام 2010، كان القذافي بين اختيارين: الاعتماد على مياه البحر المحلاّة، أو بناء المدن في الجنوب حيث مياه الآبار النقيّة والمكتشفة منذ الخمسينيات. التقديرات على الورق رجّحت أن تكلفة نقل المياه من الجنوب الليبي إلى شماله أقل من تحلية المياه على الشريط الساحلي الليبي.

من تقرير الأمم المتحدة للتنمية عن موارد المياه في الوطن العربي، 2010

بحسب بيان الحركة الوطنية الشعبية الليبيّة، المعارِضة للقذافي آنذاك، فإن تكلفة تحلية المتر المكعب الواحد كانت تتراوح بين 1000 درهم إلى 3000 درهم للمتر المكعب، بينما تتراوح تكلفة نقل المتر المكعب الواحد من الجنوب إلى الشمال تتراوح بين 190 إلى 211 درهمًا للمتر المكعب.

امتد النهر الصناعي الليبي لـ 2820 كيلومترًا، ويغذّيه 1300 بئر يبلغ عمق معظمها أكثر من 500 متر، وهو عبارة شبكة قنوات ضخمة لنقل المياه في العالم بحسب تقرير تقرير لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، إذ كان يوفّر يوميًا 6.5 ملايين متر مكعب من المياه تقريبًا لمدن بنغازي وسرت وطرابلس ومدن ليبية أخرى.

ما هي مصادر التمويل؟

موّلت الحكومة الليبية المشروع دون قروض، واعتمدت على صناعة القطع اللازمة لشبكات الأنابيب والتوصيل، والباقي استوردته من كوريا الجنوبية، بالإضافة إلى المساعدات الفنيّة والتدريب من منظمة اليونسكو، والتي وقعت اتفاقًا بينها وبين الجماهيرية الليبية في تسعينيات القرن الماضي.

في 28أغسطس/ آب 1986 تم افتتاح مصنعي البريقة والسرير لإنتاج أنابيب نقل المياه. وفي سبتمبر/ أيلول 1989 وصلت المياه إلى مدينة أجدابيا، حيث خزان التجميع الرئيسي الذي تتفرع منه شبكتي بنغازي وسرت، اللتين وصلتهما المياه في 30 أغسطس 1991.

وفي أول سبتمبر عام 1996 وصلت المياه إلى العاصمة طرابلس والمناطق المجاورة لها عبر شبكة جبل الحساونة إلى خزان التجميع في منطقة سيدي السائح، لتتلاحق فيما بعد تغطية بقية مدن المنطقة الغربية، وفي سبتمبر عام 2007 تم تدشين وصلة القرضابية السدادة التي تربط بين المنظومتين الشرقية والغربية، وتغطي العديد من المدن والقرى والبلدات المنتشرة في المنطقة الوسطى.

خريطة للمشروع/ ويكيبيديا

حتى اليوم ما يزال الجدل دائرًا عن ديمومة المشروع، خاصة وأن مشروع النهر يعتمد في الأصل على مخزون المياه الجوفية، وهي ليست من مصادر المياه المتجددة، لكن النظام الليبي السابق كان يؤكد قدرة المخزون الجوفي على الصمود لقرون.

كم تكلف؟

على الرغم من أن تكلفة المشروع وصلت إلى 25 مليار دولار أمريكي، فإن ليبيا ظلت حتى قبل سقوط القذّافي تعتمد على مصادر أخرى للمياه، وهو ما فتح جدلًا أخر حول أهمية المشروع وجدواه مقابل تكلفته، فمازالت حصة المواطن الليبي أقل من 1000 متر مكعّب، أي أنها تقبع تحت خط الفقر المائي.

تنقسم المياه الجوفية في صحراء أفريقيا إلى ستة أحواض رئيسية بين مياه من مصادر غير متجددة في المناطق الجنوبية من البلاد، بجانب مياه الأمطار، وذلك بحسب دراسة عن السياسات المائية الليبية الصادرة عن المنظمة الليبية للسياسات والاستراتيجيات.

فقر مائي

يبدو الحديث عن الفقر المائي الذي يواجه ليبيا منطقيًا في ظل وجود أخبار في أرشيف السنوات العشر الأخيرة عن صفقات استيراد مياه، واحدة منها كانت في 2009 مع اقتراب نهاية المشروع، كانت الصفقة بين ليبيا وتركيا لتوريد مياه نهر مانافجات التركي، لسد العجز المائي الذي كان يصل وقتها، ومشروع النهر شبه مكتمل، إلى 2 مليون متر مكعّب، في الوقت الذي لم تتعدّ قدرة ليبيا على إنتاج المياه المحلاة عام 2010 نسبة 4% من إجمالي الاستهلاك بحسب تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بالمقارنة مع دول الخليج التي تصل فيها معدلات القدرة على تحلية المياه إلى 81%.

يدفع الليبيون ضرائب على الخدمات المقدمة إليهم لصالح مشروع النهر، لكن المشروع في المقابل بات يعاني من تشقق بعض الأنابيب المستخدمة في إمدادات المياه، وعدد من المشكلات الفنيّة إضافة إلى التشكيك في قدرة المخزون الجوفي على الصمود، كل هذه العقبات ينضم إليها الحرب الدائرة في ليبيا منذ 2011 كأحد العقبات في طريق المشروع.

هجمة جوية على المشروع

مصنع من المصنعين المسؤولين عن إنتاج أنابيب التوصيل، تلقى ضربة جوية من قوات حلف الناتو في 22 يوليو عام 2011. الحلف قال إن القذافي استخدم المصنع كقاعدة لتخزين الذخيرة، لكنه في النهاية كان واحدًا من خطوط إمداد المشروع بالأنابيب التي لا يتعدّى عمرها الافتراضي 50 سنة، إضافة إلى وقوع المشروع في قبضة تنظيم ما يعرف باسم الدولة الإسلامية، الذي سيطر على منظومة ضخ وتشغيل المياه فى النهر بمدينة سرت مسقط رأس القذافي، في 2015.

وحتى ديسمبر 2018، بلغت عدد الآبار التي خرجت من الخدمة بسبب الهجمات المسلحة أو السرقات إلى 92 بئرًا ناحية المدن الغربية فقط، في مدن ومناطق مختلفة تتغذى بمياه النهر.

آخر هذه السرقات كان بالأمس بتاريخ 15 يناير 2019، عندما خرّب وسرق مجهولون 120 صمام تفريغ هواء بخط مياه القرضابية، وهي الهجمات التي تشتكي منها إدارات الآبار والمناطق في المشروع، وتناشد المسؤولين في الحكومتين المتصارعتين بين الشرق والغرب التدخل لحماية المشروع.

وتصل خسائر هذه الخدمات إلى فقدان العاملين أرواحهم أحيانًا، كما حدث في يوليو/تموز 2018 من اعتداء على موقع الحساونة وخطف بعض العاملين به، والاعتداء على آخرين وترويعهم، والاعتداء على موقع تازربو وسرقة ونهب محتوياته وترويع العاملين به وقتل إتنين منهم، كما نشرت نقابة العاملين بمشروع النهر على صفحتهم على فيسبوك.

تظهر آثار هذه الهجمات المتكررة في صورة انقطاعات متكرر للمياه في مناطق ومدن ليبيا المرتبطة بالنهر، وانخفاض مستويات تدفقه التي تدفع إدارات المياه في بعض المناطق إلى المناوبة في توصيل المياه إلى القرى، وانتظار بعض المدن الكبيرة مثل سرت وطرابلس المياه لأيام.