ملصق لتيريزا ماي في أحد شوارع لندن. الصورة: مات براون- فليكر

بريكزيت.. أو الوقائع المريبة في فن القفز إلى المجهول

لن تقف تلك الآثار عند حدود أوروبا؛ بل ستصل إلى دول جنوب المتوسط التي تستفيد من التدفقات المالية الأوروبية والبريطانية سواء كاستثمار أو منح ومساعدات.

خلال محاولاتها الدائمة للهرب من مؤامرات أعضاء حزبها أو من محاولات المعارضة الإطاحة بها؛ تبدو تيريزا ماي كمن تركض على جسرٍ ينهار خلفها، ويخطئها بخطوةٍ واحدة فقط.

تولّت ماي زعامة المحافظين وبالتبعية رئاسة الوزراء، كونه الحزب الحاكم، في أعقاب الانسحاب المفاجئ لجايمس كاميرون من الحياة السياسية كرئيس للوزراء وجد نفسه أمام أكبر تحدٍ يواجه بريطانيا منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، وهو التفاوض مع الاتحاد الأوروبي للخروج منه، استجابة لأغلبيةٍ بسيطة في استفتاء جرى في ظروف شديدة الالتباس.

جرافيتي لبانكسي في أحد شوارع دوفر جنوب شرق إنجلترا. الصورة: آي چيه كلارك- فليكر، مفتوحة المصدر

ماي كعبرة لغيرها

لم تكن ماي، التي كانت تدعو للبقاء داخل الاتحاد الأوروبي قبل الاستفتاء على البريكزيت، تدرك أن الأوروبيين لن يتركوها تعبر إلى الضفة الأخرى من نهر الطلاق دون أن تكون نموذجًا مرعبًا لليمين المتطرف داخل دول الاتحاد، والذي يطالب أيضًا بالخروج منه. كما أنها لم تكن تتوقع أن يشترك أعضاءٌ بارزون في حزبها في محاولة الانقلاب عليها وإزاحتها عن زعامة المحافظين ورئاسة الحكومة، كما حدث مع مارجريت ثاتشر في 1990.

خلال عامين بدت بريطانيا، والتي يُنظرُ إليها في أماكن عديدة حول العالم باعتبارها رمز الدهاء، بدت تائهة خلال جولات التفاوض بين حكومة ماي مع ميشيل بارنييه، كبير المفاوضين عن الاتحاد الأوروبي، أو في اللقاءات بين ماي ودونالد توسك، رئيس الاتحاد الأوروبي، أو اجتماعات مسؤولي حكومة المحافظين مع جان كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية.

وسبب هذا التيه أن بريطانيا ليست موحدة فيما يتعلق بمسألة مصيرية مثل الخروج من الاتحاد الأوروبي بعد عقود من المساهمة في بنائه. كما أن الانقسام داخل المملكة المتحدة حول البريكزيت قد وصل إلى درجة التهديد بتفكك المملكة تحت وطأة اختيار اسكتلندا وأيرلندا الشمالية البقاء ضمن الاتحاد، كما هي رغبة المدن الكبرى في انجلترا.

ماي وكوربن في البهو الرئيسي لمجلس اللوردات، يونيو 2017. الصورة: البرلمان البريطاني- فليكر

النفق

خلال عامين وسبعة أشهر انشغلت حكومة ماي بملف التفاوض مع الاتحاد الأوروبي للخروج منه. أغلب النقاشات داخل مجلس العموم كانت حول مقترحات الخروج وبنود الصفقة التي يجب التوصل إليها قبل يوم التاسع والعشرين من مارس 2019، وهو موعد الخروج الرسمي لبريطانيا من الاتحاد.

وخلال تلك المدة حذرت الشركات الكبرى من التبعات الكارثية للخروج من الاتحاد الأوروبي دون التوصل إلى اتفاق حول البقاء ضمن الاتحاد الجمركي لدول الاتحاد والحفاظ على التجارة الحرة مع أعضائه. وبالطبع كانت قيمة الجنيه الإسترليني أمام اليورو هي الخاسر الأكبر خلال جولات الشد والجذب بين مفاوضي حكومة ماي ومفاوضي الاتحاد الأوروبي بقيادة ميشيل بارنييه.

ترجمة هذا الصراع ظهرت في ارتفاع أسعار جميع السلع والخدمات والمواد الغذائية التي يجري استيرادها من دول الاتحاد الأوروبي. وهنا بدأ الناخب البريطاني في إدراك حجم النفق المظلم الذي دخلت فيه البلاد لحظة إعلان نتيجة استفتاء الخروج في الرابع والعشرين من يونيو 2016.

هذا يمكن ترجمته بأنه "انقلاب برلماني" لأنه منح حقوق السلطة التنفيذية إلى السلطة التشريعية ممثلةً في مجلس العموم الذي يمكن أن يجبر الحكومة على تأجيل الخروج في مارس

سيناريوهات الحل؟

أبرز المقترحات للخروج من هذا النفق هو العودة إلى الناس وإجراء استفتاء جديد حول بقاء بريطانيا أو خروجها من الاتحاد الأوروبي. لكن البعض يقترح أيضًا أن يتضمن الاستفتاء سؤالًا حول موافقة الناس على صفقة ماي للخروج من الاتحاد والتي تم إسقاطها في مجلس العموم بفارق أصوات وصل إلى 230 صوتًا، وهي أكبر هزيمة برلمانية لحكومة بريطانية في التاريخ.

لكن هذا المقترح يواجه معضلة دستورية وعقبة سياسية. المعضلة تتمثل في أن الاستفتاء غير ملزم قانونيًا أو دستوريًا ولكن جرى العرف الديمقراطي على تنفيذه. والعقبة هنا أنه إذا اختار الناخبون الموافقة على صفقة ماي فإن ذلك سيعني صدامًا بين رغبة الأغلبية وبين سلطة البرلمان الذي رفض الصفقة، والذي استطاع أيضًا إجبار الحكومة على تسليم ملف البريكزيت لسلطة مجلس العموم. هذا يمكن ترجمته بأنه "انقلاب برلماني" لأنه منح حقوق السلطة التنفيذية إلى السلطة التشريعية ممثلةً في مجلس العموم الذي يمكن أن يجبر الحكومة على تأجيل الخروج يوم التاسع والعشرين من مارس القادم.

جرافيتي لكوربن كبطل شعبي في أحد شوارع كامدن شمال غرب لندن. الصورة: دونكان سي. فليكر- مفتوحة المصدر

حمائم البريكزيت

هذا يقودنا إلى المشكلة السياسية التي تواجه خيار العودة إلى الناس وإجراء استفتاء جديد. فمن يمكن وصفهم بـ"النواب العاقلين" الذين يطالبون بالعودة إلى الناس أو عدم الخروج بدون صفقة تضمن الحقوق التجارية لبريطانيا، يريدون دعم زعيم المعارضة وحزب العمال جيرمي كوربن، الذي يرفض إجراء استفتاء جديد ويعتقد، ومعه عدد من وزراء حكومة الظل، أنه يمكن إجراء المزيد من جلسات التصويت على سحب الثقة من حكومة ماي والذهاب إلى انتخابات عامة مبكرة للوصول إلى الحكم وإعادة التفاوض مع الاتحاد الأوروبي من خلال صفقة تعني الخروج اسميًا مع الاحتفاظ بكل الحقوق التجارية لبريطانيا ضمن المنطقة الأوروبية. لكن أغلبية أعضاء حزب العمال ومعهم حزب الديمقراطيين الأحرار والحزب القومي الاسكتلندي يريدون إعادة إجراء الاستفتاء وحشد الأصوات من أجل البقاء ضمن الاتحاد الأوروبي.

.. وصقوره

في المقابل يرد "المتشددون" في مسألة البريكزيت بأن ذلك تدمير لفكرة الخيار الديمقراطي، ويتسآلون: كم استفتاء ينبغي إجراؤه كي توافق عليه "المؤسسة الحاكمة"، كما أنهم يعتقدون أن بريطانيا يمكن أن تخرج بدون صفقة وتعود إلى قواعد منظمة التجارة العالمية، أو أن تحاول الحصول على اتفاق تجارة حرة مع الولايات المتحدة، وهو أمرٌ ليس مضمونًا مع إدارة الرئيس دونالد ترامب، وهو ما سيجعل الحصول على اتفاق تجارة حرة مع الاتحاد الأوروبي أمرًا بالغ الصعوبة.

أما الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون فيعتقد أن "الخاسر الأكبر من الخروج بدون اتفاق هم المواطنون البريطانيون.. فبدون مرحلة انتقالية سيكون مطلوبًا منهم مناقشة العلاقة المستقبلية.. لكن فرنسا ستناقش علاقتها المستقبلية مع بريطانيا لأن البريطانيين لا يستطيعون تخيل أن لا تقلع طائرة أو تهبط في مطاراتهم خصوصًا وأن 70% من الغذاء في المتاجر البريطانية يأتي من القارة الأوروبية".

من مظاهرة مناهضة لخطة الخروج. الصورة: فليكر، مفتوحة المصدر

الشعب يفضل الناعم أم الخشن؟

لم يعد النقاش العام حول السياسة في بريطانيا يدور حول اليمين بتياراته المتشددة والمتعدلة أو اليسار بتياراته المختلفة. منذ إعلان نتيجة استفتاء البريكزيت أصبح النقاش العام منقسمًا حول ثلاثة خيارات وهي: العودة إلى الناس عبر استفتاء يسمح بريطانيا بالبقاء وإلغاء الاستفتاء السابق، أو الخروج بدون صفقة من الاتحاد الأوروبي أ ما يمكن تسميته بـ "الخروج الخشن"، أو الخروج بصفقة تضمن حقوق البريطانيين المقيمين في دول الاتحاد والأوروبيين المقيمين على الأراضي البريطانية، بالإضافة إلى بقاء البلاد ضمن الاتحاد الجمركي الأوروبي وهو ما يعني عملياً انسحاب بريطانيا من العضوية السياسية للاتحاد فقط، أو ما يمكن تسميته بـ "الخروج الناعم.

وحول هذه الخيارات الثلاثة أصبحت آراء أصحاب "الخروج الخشن" من المحافظين تتلاقى مع نظرائهم من الأحزاب الأخرى. كما أن نواب المحافظين الذين يريدون "خروجًا ناعمًا" وجدوا منفعةً في ضرب ماي من الخلف وإضعافها من أجل إفشال العملية برمتها، ما يجعلهم في تحالف غير معلن مع نواب المعارضة الذين يريدون بقاءً داخل الاتحاد أو على الأقل خروجًا ناعمًا.

إعلان مؤيد للخروج من الاتحاد الأوروبي. الصورة: فليكر

الشعب الأسير

أما المواطنون البريطانيون فوجدوا أنفسهم أسرى لنقاشٍ سياسي يدور من خلال عبارات بليغة وخطب رنانة وأصوات مثيرة داخل مجلس العموم، دون أن يكون ذلك دليلًا على معرفة إلى أين تتجه البلاد بعد التاسع والعشرين من مارس القادم.

ولأول مرة منذ عقود تضع الحكومة خططًا للطوارئ تتضمن استدعاء جنود الاحتياط داخل الجيش من أجل المساعدة في تنفيذ تلك الخطط في حال خرجت البلاد من الاتحاد الأوروبي بدون صفقة.

كريمة المجتمع

هذه الأخبار "الأبوكاليبتيكية" بالإضافة إلى الصراعات الحزبية جعلت المواطنين البريطانيين يدركون حجم الفجوة بين مصالحهم المعيشية والاقتصادية، وبين المصالح الحزبية للنخبة السياسية البريطانية المنفصلة طبقياً عن قواعدها الانتخابية، أو وفق عبارة إحدى مستمعات إذاعة LBC المحلية: إن المهرجين في هذا السيرك الذي يدعى مجلس العموم يواصلون معاركهم الخطابية وكأنهم لايزالون طلاباً في مدرسة "إيتون" أو جامعة أوكسفورد حيث منافسات المناظرات، debates competitions.

مجموعة من طلاب مدرسة إيتون. الصورة: فليكر

لإدراك الانفصال الطبقي بين النخبة السياسية البريطانية وبين قواعدهم الانتخابية يمكن التوقف عند مدرسة "إيتون كوليدج" والتي أنشأها الملك هنري السادس عام 1440 وتخرج منها 19 رئيسًا للوزراء من بينهم دافيد كاميرون، بالإضافة إلى وزير الخارجية السابق وأحد أبرز وجوه حملة البريكزيت بوريس جونسون، وأسقف كانتربري جاستين ويبلي. ولا يمكن اعتبار الأمير ويليام أو الأمير هاري أعضاءً في الطبقة السياسية بحكم وظائفهم الدستورية فقط ولكنهم لأنهم تخرجوا من إيتون، وهو ما يجعل احتمال أن يكون ملك البلاد في المستقبل زميلًا دراسيًا سابقًا لرئيس الوزراء في المستقبل كبيرًا.

ولا ينافس "إيتون" في مكانتها كماكينة لإنتاج السياسيين سوى مدرسة "هارو" التي تم تأسيسها في 1572، وخرجت 7 رؤساء للوزراء من بينهم السير روبرت بيل، رئيس الوزراء لمرتين خلال القرن التاسع العاشر وأحد مؤسسي حزب المحافظين، ورئيس الوزراء التاريخي وينستون تشرشل، بالإضافة إلى رئيس الوزراء الهندي جواهر لال نهرو، وعاهل الأردن الراحل الملك حسين بن طلال وملكين للعراق وهما غازي الأول وفيصل الثاني وأمير قطر الحالي تميم بن حمد.

النشاط الرياضي لطلاب مدرسة هارو. الصورة: مارك دريزي- فليكر

لماذا البريكزيت مهم للعالم؟

لا يمكن النظر إلى البريكزيت باعتباره قضية داخلية بريطانية أو مسألة أوروبية فقط. فرئيس الوزراء الياباني شينزو آبي قال بعد محادثاته في لندن مع ماي قبل أيام من تصويت مجلس العموم على صفقتها للخروج بأن "العالم بأكمله يريد من المملكة المتحدة أن تتفادى خروجًا بلا اتفاق من الاتحاد الأوروبي". وليس من قبيل المصادفة أن يأتي كلام آبي في الوقت الذي أعلنت فيه شركة هوندا اليابانية لصناعة السيارات إن مصانعها في المملكة المتحدة ستتوقف لستة أيام بعد أن تخرج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي من أجل أن تتأكد بأنها تستطيع "ضمان تكيفها مع كل الاحتمالات المتعلقة بالحدود" مع دول الاتحاد، والتي تعتمد عليها هوندا في استيراد بعض مكونات سياراتها.

استعراض الجنون

لن يكون خروج بريطانيا في مصلحتها أو مصلحة الاتحاد الأوروبي لأن هذا سيؤدي إلى زيادةٍ في نفوذ الصين، وروسيا، في ظل "أمريكا انعزالية" بقيادة ترامب. كما أن خروج بريطانيا دون أن تكون عضوًا في اتحاد جمركي مع الاتحاد الأوروبي سيعني مزيدًا من الحروب التجارية، وعودة لمرحلة ما قبل قواعد التجارة الحرة والأسواق المفتوحة التي تسمح بانتقال السلع والخدمات والكفاءات دون عقبات. ولن تقف تلك الآثار عند حدود القارة الأوروبية، بل ستصل إلى دول جنوب المتوسط التي تستفيد من التدفقات المالية الأوروبية والبريطانية سواء كاستثمار أو منح ومساعدات.

إذا خرجت بريطانيا دون الحصول على صفقة تضمن بقائها ضمن الاتحاد الأوروبي اقتصاديًا، وربما العودة إليه سياسيًا في المستقبل؛ فإن مزيدًا من الزلازل السياسية ستحدث، وستساهم في صياغة عالم جديد أقل انفتاحًا من سلفه الذي تأسس في أعقاب انتهاء الحرب الباردة.

ربما يكون عنوان صحيفة فرانكفورتر روندشاو الألمانية الصادرة في اليوم التالي لجلسة إسقاط صفقة ماي في مجلس العموم بليغًا في تلخيصه للمشهد. فقد استشهدت الصحيفة بعبارة وردت على لسان "بولونيوس" في مسرحية هاملت: Though this be madness, yet there is method in it أو "رغم أن هذا جنون؛ إلا أن هناك غرضًا يتضمنه"، وفوقها وضعت صورة مستر بين.