تصميم: يوسف أيمن

في ظلال الست| لطف السَّريان لا ثقل الخلود

ما صوتها إلا ملعقة لتقليب الفراغ والعدم.

1

خروشة يتخللها صوت خفيض لمذيع يمهد للنشوة، وينتظرها كالجمهور، سينهي جلال معوّض فقرته ليصير واحدًا منهم، ذائبًا بلا تمييز، يختلط صوته بهمهمات الحضور الذين يستعدون للفناء في محبوبتهم "آن لليلة أن تكتمل وتبلغ الذروة جمالًا ونشوةً، وآن للسحر أن يصل إلى نهايته وكماله، وللفن أن يقدم الليلة قمة جلاله وغاية إبداعه، في السهرة التي تحييها كوكب الشرق، السيدة أم كلثوم، الأغنية التي تختلب بها قلوبكم بهمسات على الشفاه".

تدق خشبة المسرح ثلاث مرات، تزداد الهمهمات بفرحة طفولية، يكمل معوّض "اختلفوا في كل شيء، واجتمعوا على أن يمتعوا أنفسهم بفن وصوت السيدة أم كلثوم، التفوا حول حبهم وإعجابهم الخالص بهذا الفن الصادق في كل شيء، المعبر عن أسمى العواطف وأرقى المشاعر، رفع الستار الآن عن أم كلثوم، لتقدم لنا تحفتها التالية؛ أغنية فكروني".

تصفيق، صيحات جذلة عشوائية وصاخبة، بعد ثوان سيصمت الكل وسيطغى صوت واحد على الحشد.



2

صوت أم كلثوم القادم من مكان قصي، ظلل الليل بروح راسخة في المحبة، ولما لم أكن راسخًا في شيء، فقد هزني بعمق، وجعل قلبي يهفو إلى أشواق غامضة.

كنت أنفر من الست دومًا، لكن روحي في تلك اللحظة كانت هشة، كأنها تتفتح، لقد فاجأني هذا، كان لحن رق الحبيب يرتق ثقوب العالم من حولي، ويجسر المسافة المفزعة بين المثال والممكن، الآسر في رق الحبيب، أنها مشيدة على الضعف والنقصان.. أهناك درس أكثر بلاغةً عن الكمال؟

فيما بعد، ولطيلة عشرين عامًا، سأستمع إلى رق الحبيب ألف مرة، كلحن يتوالد من نفسه، مستسلمًا للفيض، حيث تحدق عيني نحو اللا شيء، وتجوب بروحي كل المعاني، فأقع في الحيرة، فبطريقة أو بأخرى تبدو الأفكار كلها صحيحة، ألهذا كل شيء على خطأ؟

مع الوقت يصير صوت الست أكثر رقة وصفاء، كأنه ينبع من داخلي، بعد عشرين عامًا سأدرك أن ما يجعل صوتها ساحرًا وخالدًا هو الصمت، لا الصوت نفسه، وما غناؤها وحركة الموسيقى المقدسة إلا تنبيه لجلال هذا الصمت، ففيه يكمن الكلام الحقيقي، وما صوتها إلا ملعقة لتقليب الفراغ والعدم.

لن أقول هذا حقًا عندما أبلغ السابعة والثلاثين، بل سأقول؛ الله. كتلك التي يطلقها متوله حقيقي في حفلاتها عندما يغمر قلبه كامل الانتباه لجلال العدم، فيرتجف.



3

في مقطع غنائي من الأطلال لا يزيد عن خمس دقائق، يهيئك قانون محمد عبده صالح للقداسة الآتية، تنوم الجمهور، ثم يأتي صوت أم كلثوم عميقًا، كذكر وأنثى معًا" أين مني مجلس أنت به؟". تلك "الأين" الممطوطة الآتية من عمق لا نهائي، من بئر غامض، يعد بغواية السحر، ولم يكشف عن نفسه بعد، ثم تنكسر تلك الجملة بهدوء على شفتي أنثى عاشقة ورهيفة الحس، تترجى، ثم تكررها بعدها كذكر بكبرياء مجروح، في نهاية الجملة يندمج الاثنان معا، كل مرة، كأنها يتبادلان القبلة واللمسة الأولى، صوت كأنه انفلت من الفرقة إلى مقاعد الجماهير لمستمع: "الله"، يأتي خاطفا، وهي تتثنى، تكرر نفس الجملة، مرة بعد مرة بعد مرة، قبل أن تصعد بالتوتر بين الجسدين في "أنا حبٌ، وقلبٌ هااااائم، وفراش حااااائر".

تقطع كل جملة على حدة، تتصاعد الأنفاس التي تقاوم الرغبة، ثم تهوى بتلك الجملة بعد فراش حاااائر بـ"منك دنا". هنا يبدأ السحر، من استسلام" منك دنا"، لا أحد سيقاوم منذ الآن رغباته، سيستسلما تمامًا للذة بعضهما البعض، لا قيود، لا الأنثى ولا الذكر في صوتها ولا الجمهور، تمسك بالزمام، الآن لا شيء، الرغبة هي الكون، والمسرح جسد كبير في حنجرتها.

تتضاعف؛ الله، ليتوحد الجمهور كله، هاهي تبلغ النقطة الأعمق للشهوة والعدم، تثبت حلولها، هي الجمهور والمطربة والعكس، جمهور خاضع تماما ومنوم في تجلٍ يجمع الصوفي بالحسي، هم لا يمنحوها التحية، بل يبادلونها الغناء.

"ومن الشوق رسول بيننا، ونديم قدم الكأس لنا"، يستعد الجمهور للذة ما قبل رعشة الأورجازم، تخبرهم أننا سنصل، سنصل، "هل رأى الحب سكاااااااااااارى مثلنا" الأورجازم الآن، مرة بعد مرة لتؤكد بلوغ الذروة، "كم بنينا من خيال حولنا، ومشينا في طريق مقمر"، ينمحي صوتها تماما ليكمل الجمهور وحده منتشيًا كطفل، ترتفع حدة الموسيقى لتواكب تماهيه التام، تغفل عن "تثب الفرحة فيه قبلنا"، لينطق الجمهور "وضحكنا ضحك طفلين معًا، وعدونا فسبقنا ظلنا".

هنا عبقرية المقطع، لا صوتها بل تلك اللحظة التي يتوحد فيها الجمهور والموسيقى وتصمت هي تماما، لتتأمل بنشوة قدرتها على السيطرة على تلك الأرواح واختراقها، اعتقد أنها رأت في كل الوجوه وقتها أم كلثوم. هنا ذروة ما تريده، آلاف المرايا لنرجسية الفنان وعظمته، ماذا تريد أكثر من ذلك، أن تتنتشي بنفسها كما تمنح النشوة. لطف السريان لا ثقل الخلود.



4

عظمة على عظمة على عظمة يا ست

"المجهول الرائع في حفلات أم كلثوم"

5

سلف جبار هي أم كلثوم، تتحدى الموت، ولو من ثقب إبرة على تراك في ساوند كلاود، في مقطع يحمل عنوانًا عجيبًا، كتفاريد الست، تشي بالإعجاب، الدهشة، الانبهار، بل والرعب. لكن لا شيء يجبرنا هذه المرة على الاستماع، لا عصا الذنب، ولا شرطة الغناء في القنوات التليفزيونية، اللذين جلدونا في كل مرة استمعنا فيها إلى صوت لا يضاهي الست، أو أي من رموز الموسيقى القديمة، كم مرة رأيت ذلك الملحن نصف الميت، نصف الموهوب، الذي تكسّب من الصياح بتفشي الرداءة أكثر مما قدم ألحانًا جيدة. صراخه لا يهتم بمعنى الطرب أو الجودة، كل ما يعنيه أن يجد غطاءً لا يكشف نضوب بئره.

لطف السريان يعني أن يأتي صوتها محملًا بالأنس لا الوعيد، أن نتعلم منها معنى الإخلاص في الفن

هذا أكثر مما طمح إليه كهنة الست، لقد أعدنا اختراعها عبر تجزئتها، تحويلها من هرم لا يمس إلى مقاطع صغيرة، تنزع الملل وتعبق السحر في أريج من دقائق مكثفة، فتضاعف أثره، مئات، ملايين المرات، ذرى بلا نهاية.

سلف جبار، تحول على أيدي أنصاف الموتى وحراس اللا شيء إلى مسيح يُنتظر قيامه في حنجرة ما، كم عقود مضت، أملا في قيامة الست، كم مطربة ابتلعتها أم كلثوم في جوفها الضخم، عندما أقنعها متربح أو واهم، أو قواد أصوات، أنه يملك أن يصنع منها نسخة جديدة حية للست، ولا ينتهي إلا لصناعة النسخة الأكثر إزعاجًا من جثة متحللة، جسد يشتعل في عينيه البريق المخيف للموت. مسخ فوق منصة يسعى بحنجرته القوية، ويد المايسترو الغليظة، لايقاف العجلة الرهيبة للزمن، لا يبقى من نغم المطربة إلا طقطقة عظامها. هكذا يؤجل الكاهن، كل كاهن، موته الخاص.

ما الذي يعنيه أصلا وجود سلف، هل نحتاج إلى سطوة خلوده أم إلى لطف سريانه؟ من الذي حوله إلى فخ يغوي الحياة بدخول أبواب القبور؟ رماد ينتفض من اشعال حيواتنا كحطب، لنصنع حريقا هائلًا لضوئه، يبتلعنا في ظلمة سطوعه.

لطف السريان يعني أن يأتي صوتها محملًا بالأنس لا الوعيد، أن نتعلم منها معنى الإخلاص في الفن، أن تذر حياتك لشيء عن إيمان، أن تكون كل لحظة هي ذوبان فيما تفعله، بجدية لا تعرف الوهن أو المساومة أو الرضا، هذا ما يتبقى حقا من أم كلثوم، تلك حاجتنا الأبدية إليها.

لو لم تولد الست لاخترعناها. لكنها ولدت وماتت، ولا بعث لها عبر الحناجر بل عبر آذان وأعين جديدة، السلف فنار يضيء عندما نعبر اللجة المظلمة، ليس أكثر، ليس أقل.

قس عليها كل سلف، قس عليها كل موت مؤجل، و كل ميلاد كبته الذنب.


6

عجيب أمر الغناء، كله خير، إذا ما غنيت منفردا تونّس القلب بذاته، وعرفت أن لنفسك قدرها عندك، وإذا ما غنيت في جماعة تجاوزتم بالأمر إلى الطرب، وإذا ما طربتم توحدت أرواحكم، وعرفتم أنها من ذات الأصل والمنشأ، حينها فقط تعرف قدر أخيك عندك، وأن فطرتكم جبلت على المحبة.

وأجمل الغناء، ما خرج حرًا من قلب عفي وغير عفيف، فمنه ينطلق الغناء بقوة واندفاع، كالسيل لا يخرج كي يمسك بشيء أو ليعود بشيء، فقط هو الخروج حيث العلاقات ملتبسة والكون غائم، ينبئك عنك، يخرج بشوقك المجهول إلى براح العلن، فلا أنت تعرف كنه هذا الشيء، ولا هو، ربما يخبرك مثلا- وهو في ذلك لا بالصادق ولا بالكاذب- عن علاقة ما بين نطق حرف النون والأسى.

يعود جلال معوّض لينهي الحفل حيث الجمهور ذائب في اللطف "سيداتي وسادتي ككل شيء جميل.. ككل شيء نترقبه بالشوق كله وباللهفة كلها.. مضت الساعتان ومايقرب من العشرين دقيقة.. تحمل إلينا اللحن الجديد والنغم الجديد والشدو الجديد واللقاء الجديد.. ساعتان ومايقرب من العشرين دقيقة.. حملت إلينا عصارة الروح وخلاصة الجهد المضني للعملاقين الأصيلين العريقين، الأستاذ محمد عبد الوهاب والسيدة أم كلثوم، لأكبر فنانين أنجبتهما مصر في لقائهما الأخير، في آخر نفحات هذا اللقاء وندعو الله أن يبقي لنا هذين الجناحين اللذين نحلق معهما في هذه الأجواء، التي ينال كل منا فيها نصيبه من المتعة الحلال ومن النشوة ومن أسمى ما تحس به نفس الإنسان.. خلاصة جهد مضن وعصارة الروح، قدمها لنا الفنانان ، كل منهما يؤمنان أن حياتهما هي فنهما وأن فنهما ملك لنا جميعا".


للعودة إلى الصفحة الرئيسية للملف.


اقرأ أيضًا: في ظلال الست| السبب والعجب واللمة والراحة