صورة أرشيفية من ثورة 25 يناير.
بعدسة: حسام الحملاوي. المصدر: فليكر.

ماذا لو نجحت الثورة: اقتصاد أفضل.. وأسعار أقل

الطريف في الأمر أن نسبة ارتفاع أسعار المواد الغذائية انخفضت عقب الثورة مباشرة، حتى وصلت في نهاية 2012 إلى 5.5%، ولم ترتفع مُجدداً إلا منتصف عام 2013 مع تغيّر الظرف السياسي.

جدل يدور في هذه الأيام حول ما آلت إليه أحوال مصر بعد ثورة 25 يناير تزامنًا مع ذكراها الثامنة على جميع الأصعدة وخاصة على الصعيد الاقتصادي مع ارتفاع مستويات التضخم وتدهور قيمة العملة، يتضمن الكثير من الآراء المتسرعة التي تعتبر أنه لولا ما جرى في يناير لما ابتليت البلاد بكل هذه الأزمات الاقتصادية المتراكمة، بل كنا سنشهد وضعًا أفضل بكثير.

يستند هذا الطرح بالأساس على مستويات الأسعار وارتباطها بمعدلات الدخل خلال السنوات القليلة التي سبقت الثورة والتي كانت أفضل نسبيًا من اليوم، على الرغم من كونها إحدى أهم مسببات ثورة الشعب على حكم حسني مبارك.

ورغم ما يبدو في هذا الطرح من وجاهة للوهلة الأولى، فإن الأرقام الفعلية للاقتصاد الكلي لا تدعمه بالمرة، بل على العكس؛ فهي تثبت بما لا يدع مجالًا للشك أن سياسات حكومات ما قبل الثورة كانت ستؤدي بنا إلى نفس نتيجة اليوم بل ربما أسوأ.

شهدت السنوات الأولى الأخيرة في عهد حسني مبارك، وتحديدًا تلك السنوات التي تلت الأزمة الاقتصادية العالمية عام 2008 تدهورًا مستمرًا فى مستويات النمو، من 7.158% إلى 5.145% عام 2010، وفقاً لبيانات البنك الدولي، وذلك على خلفية فشل حكومة أحمد نظيف الثانية في التعامل مع تداعيات الأزمة رغم ثبات يوسف بطرس غالي وفاروق العقدة في منصبيهما كوزير مالية ومحافظ للبنك المركزي على الترتيب، وذلك بعد أن نهضا سابقًا بذات النسبة عند توليهما المسؤولية من 4.09%.

وأرجح الظن هنا أن التدهور في سنين مبارك الأخيرة لا يعود فقط إلى الأزمة المالية العالمية بل أيضًا إلى التوغل غير المسبوق لشلة جمال مبارك النيوليبرالية، والتي بدأت في ذلك الوقت تزيد سطوتها بشكل مخيف من بعد انتخابات مجلس الشعب عام 2005، وبعد ما أتت به انتخابات ذات الهيئة التشريعية عام 2010 من نتائج، بتزوير أكثر من سابقتها، بات مقدرًا للأزمة أن تستمر باستمرار أسبابها.

بالتالي لا يوجد ما يدعونا للاعتقاد بأن هذا المنحنى الهابط كان سيتوقف لو كان مبارك استمر في الحكم، خاصة وأنه كان قد بدأ بالفعل يتوسع في الدين الخارجى بغرض تمويل العجز المتزايد ليصعد باحتياطي النقد الأجنبي من 33.912 مليار دولار أمريكي عام 2008 إلى 36.776 مليار دولار أمريكي في عام 2010، وفقاً لبيانات البنك الدولي أيضًا، رغم ابتعاده عن مستويات الاقتراض الجنونية الحالية حيث تعدت الديون الخارجية مبلغ 92 مليار دولار، بنسبة 36.8% من الناتج الإجمالي القومي مقارنة بـ 17.14% عام 2010، أي ما يزيد عن الضعف.

نلاحظ أيضًا بهذه المناسبة أن نسب النمو في حد ذاتها لا تعبر بالضرورة عن تحسن فعلي ينعكس على حياة المواطنين اليومية مثلما حدث عندما وصلت في عصر جمال عبد الناصر على سبيل المثال إلى 9.056% عام 1963 ثم في حقبة أنور السادات إلى 14.627%.

وبالإضافة إلى ما سبق، يتضح لنا أيضًا أن النسبة المئوية لزيادات أسعار المواد الغذائية، وهو القياس الأساسي لنسب التضخم، خلال الفترة من 2008 إلى 2010، كانت تتحرك حول منطقة الـ 20% بارتفاعات وانخفاضات موسمية طفيفة، وهو ما يزيد حتى عن المستويات الحالية البالغة حوالي11%، وإن كانت قد كسرت حاجز الـ40% في 2017، أي أن القياس اليوم أعلى بكثير منه في 2010.

الطريف في الأمر أن نسبة ارتفاع أسعار المواد الغذائية انخفضت عقب الثورة مباشرة، حتى وصلت في نهاية 2012 إلى 5.5%، ولم ترتفع مُجدداً إلا منتصف عام 2013 مع تغيّر الظرف السياسي، ليكون هذا رد بليغ على كل من يتهم الثورة بأنها جلبت الدمار الاقتصادي إلى البلاد.

الواقع إذن هو أن نظام مبارك كان يسير بخطى ثابتة نحو الهلاك الاقتصادى على كل المستويات، وأنا لا أتحدث هنا بالضرورة عن سيطرة جمال مبارك على لجنة السياسات واستغلاله ذلك لتحقيق مصالح مجموعة رجال الأعمال من حوله ولا عن سيناريو توليه السلطة خلفًا لأبيه –وهو ما أعتقد أنه لم يكن ليحدث من الأساس، ولا حتى عن الفساد الذي استشرى في شرايين الدولة وفي القلب منها شرايين الاقتصاد.

ما أتحدث عنه هنا عشوائية بنية الاقتصاد المصري في السنوات الثلاث الأخيرة لحكم مبارك واكتظاظها بالتناقضات العجيبة التي كانت تمزج دون وعي أو فهم بين مبادئ السوق الحر وتمكين القطاع الخاص من ناحية، والإصرار على بقاء القطاع العام وسيطرة الدولة على مفاصل الاقتصاد كافة من ناحية أخرى.

هذا بالإضافة طبعًا إلى خلق احتكارات صناعية وتجارية بين الدولة والقطاع الخاص تجلت بوضوح في صفقة "عز الدخيلة" التى مكنت رجل الأعمال أحمد عز من الاستيلاء على مصانع "الدخيلة للحديد والصلب"، وسوء إدارة المنظومة التشريعية التي قامت على قوانين معيبة بطابعها وفي مقدمتها قانون الاستثمار رقم 230 لسنة 1989 والقانون رقم 7 لسنة 1991 بشأن أملاك الدولة الخاصة والقانون رقم 83 لسنة 2002، وهي القوانين التي رسمت مجتمعةً مسارًا مدمرًا للاقتصاد المصري يصُعب التخلص منه دون إعادة تأسيس كامل للدولة –وهو هدف الثورة، بدليل أن كل هذه القوانين لا زالت تحكم إطار التشريع الاقتصادي في مصر حتى يومنا هذا، مثلما نرى في المادتين (2) و(5) من قانون الاستثمار الجديد (بين قوسين) رقم 72 لسنة 2017.

صورة أرشيفية من ثورة يناير. تصوير: حسام الحملاوي. المصدر: فليكر.

السؤال المهم هنا ليس السؤال عما كان سيحدث لو لم تقم الثورة، بل السؤال الواجب طرحه بالفعل هو السؤال المتعلق بالذي كان سيحدث لو نجحت الثورة بالفعل من تحقيق أهدافها وترسيخ مبادئها؛ مبادئ الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

سؤال الإجابة عنه بسيطة قدر تعقيدها.

دعونا نتخيل على سبيل المثال لو أن مطلبًا مثل إقرار حدّين أعلى وأدنى للأجور تحقق بالفعل، هل كان هذا سيؤدى إلى ركود بالأسواق أم إلى زيادة القوة الشرائية لدى المستهلكين وبالتالي انتعاشها ورواج السلع والخدمات، وبالتالي ارتفاع غير مسبوق في الناتج المحلي الإجمالي؟

دعونا نتخيل لو أن الثورة تمكنت من كسر احتكارات رجال أعمال مبارك ومن حولهم، ألن يكون ذلك كفيلاً بزيادة جاذبية الاقتصاد المصري للاستثمار الأجنبي أكثر من مئات القوانين وقرارات التحفيز الضريبي والتصرف في أراضي الدولة التي المملوكة للشعب في أول المطاف وآخره؟ هذا حتى من منطق ليبرالي بحت قد يُخالف قناعاتي وأيديولوجيتي الشخصية، ولكن ثورة 2011 فعليًا لم تقم على خلفية اشتراكية، والعدالة الاجتماعية ليست حكرًا على الاشتراكية أو غيرها.

لا ننسى في هذا الصدد أيضًا أن تغيير شكل النظام السياسي والتخلص من الجمود التام الذي كان يسيطر على المشهد منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، مع اتضاح نوايا مبارك بالبقاء في الحكم، كان سيسهم بشدة في اكتساب ثقة رجال الأعمال حول العالم الذين يرون في المناخ الديموقراطي المستقر ضمانًا أكبر لاستثماراتهم مما هو عليه الحال في الأنظمة الشمولية والأوتوقراطية.

لا أريد هنا بالضرورة الذهاب إلى أن السياسات غير الديمقراطية تعرقل حتمًا مسيرة اقتصادية صاعدة، بل يُمكن فى الواقع أن يحدث العكس ويزدهر الاقتصاد بشكل لم يتوقعه أحد فى ظل حكم مستبد، ولكن هذا في العادة يكون توجهًا غير مُستدام سريعًا ما تنهار أبنيته وينعكس بالتالي سلبًا على المدى البعيد، ولنا فى الأرجنتين عبرة وهي الدولة التي ظلت تحت الحكم العسكرى من 1976 وحتى 1983 وشهدت تحسنًا وقتيًا ملحوظًا لاقتصادها لعدة سنوات، ولكنها لا تزال تعاني من الآثار العكسية لهذا التحسن حتى يومنا هذا، ولا ينفصل إعلان إفلاسها عام 2001 عن هذا السياق, بل تظل من أكثر دول العالم المُهددة بالركود إلى هذه اللحظة وفقًاً لتقرير بلومبرج.

لو أن ثورة يناير 2011 تمكنت من تحقيق أحلام الشباب الذين حملوها على أكتافهم ودفعوا وما زالوا يدفعون ثمنًا غاليًا، لكنا اليوم على طريق بناء بلد تتيح فرص عمل مستدامة لمواطنيها كافة وتعطهم فرصًا متساوية بلا تفرقة، ولا يهم في ذلك ما الذي أعاق ذلك، سواء كان قفز جماعة الإخوان المسلمين على السلطة بدافع رغبتهم الهيستيرية في الحكم لإعلاء شأن أنفسهم ليس إلا وليذهب الوطن إلى الجحيم، أو بسبب إساءة استغلال الغضب الشعبي على الجماعة في منتصف عام 2013 ثم ما نتج عن ذلك من نظام حكم أجزم أنه غير قادر على بلورة أي رؤية اقتصادية تعطي الشعب المصري أقل ما يستحقه.