بيب جوارديولا، يورجن كلوب، محمد صلاح، جوزيه مورينيو، ماوريتسيو ساري. كولاج المنصة. مصدر الصور: صفحاتهم الرسمية على فيسبوك.

وقائع نصف البريميرليج: خطأ بيب وطموحات كلوب وأوقات مورينيو الصعبة

"أنا واثق أننا قادرون على الفوز بلقب الدوري خلال السنوات الأربع المقبلة!"

يورجن كلوب؛ 2015

لا ينتصف البريميرليج عادةً مثلما انتصف هذا الموسم؛ فمنذ متى بات مألوفًا أن تبرز هوية البطل في منتصف الطريق؟ ألم نكن ننتظر حتى الأسابيع الأخيرة من عمر المسابقة لنعرف من هو حامل اللقب؟ من كان يصدق أن تنتهي مسيرة مدرب بحجم جوزيه مورينيو بعد أربعة أشهر فقط من بداية الدوري، وأن تتشكل صداقة بين مسعود أوزيل محمد النني على مقاعد بدلاء أرسنال، ويغيّر نجولو كانتي مركزه كقاطع للكرات لصالح لاعب آخر أيًا كان اسمه؟

ربما ينبغي علينا أن نواجه الواقع. والواقع هو أن أحداث النصف الأول من الموسم مرت بوتيرة سريعة جدًا، لدرجة أن الصحافة العالمية عجزت أحيانًا عن تغطية تفاصيل كل ما يدور سواء داخل الملعب أو خارجه، ولذلك تحديدًا دعني أكون أمينًا معك، أنا لا أعدك أن أجمع كل ما حدث في إنجلترا من أغسطس/ آب وحتى الآن، وإنما هذه محاولة لاستعراض أبرز وقائع نصف البريميرليج.

مانشستر سيتي: خطأ جوارديولا

خلال الجولات الأولى من البريميرليج، بعث مانشستر سيتي برسالة واحدة وواضحة لكل فرق الدوري، مفادها أنه المرشح الأبرز للفوز بالبطولة الإنجليزية. الأرقام وحدها كفيلة بتوضيح البداية النارية لرفاق أجويرو هذا الموسم، الذين تمكنوا من التربع على الصدارة لخمسة عشر أسبوعًا محققين الفوز في 13 جولة مع تعادلين أحدهما كان في مواجهة منافسهم الأول محليًا ليفربول على أرضه ووسط جمهوره بعدما أهدر رياض محرز ضربة جزاء.

أضِف إلى مرات الفوز المتتالية، شراسة تهديفية أظهرها الفريق السماوي الذي سجل لاعبوه 45 هدفًا خلال 15 جولة بمعدل ثلاثة أهداف في المباراة الواحدة، بينما استقبلت شباكهم سبعة أهداف فقط. كان المواطنون يحققون الانتصار تلو الآخر بأداء هو الأكثر قوة وفاعلية في إنجلترا، بل ويقدمون النسخة الأفضل للسيتي في حقبة بيب جوارديولا.

كان كل شيء يسير على ما يرام حتى بعد الخسارة من تشيلسي، وهي الخسارة التي خرج المدرب الإسباني ليصف أداء لاعبيه بأنه رائع وبدا راضيًا عما قدموه.

لكن عندما أصيب فيرناندينيو، انقلبت الأمور رأسًا على عقب.


تعرض السيتي لهزيمة مفاجئة علي يد كريستال بالاس، ثم تكرر الأمر ثانية أمام ليستر سيتي. خسارتان أطاحتا به من على القمة، بل إنه بات أقرب لصاحب المركز الثالث توتنهام عن المتصدر الجديد ليفربول!

أخطأ جوارديولا عندما بدأ الموسم دون بديل قوي لفيرناندينيو، لذلك عندما أصيب لاعب الوسط البرازيلي بدا الفريق في ورطة. قرر بيب توظيف المدافع جون ستونز في هذا المركز، ثم لجأ إلى إيكاي جندوجان، ولكن هذين اللاعبين لم ينجحا في سد الثغرة لتتجلى أهمية فيرناندينيو الذي يضيف، رغم تقدمه في العمر، صلابة كبيرة لوسط ملعب السيتي على مستوى الإلتحامات واستخلاص الكرة.

لكن رغم ذلك، فإن غياب صاحب الـ33 عام وحده لا يفسر تلك الهزة التي ضربت عرش السيتي. في الغالب يعود السبب لاهتزاز قوة الفريق على المستوى الذهني، وهي مشكلة عانى منها فريق جوارديولا سابقًا وقد تكلفه خسارة الدوري هذا الموسم.

ليفربول: حانت اللحظة

"أنا واثق أننا قادرون على الفوز بلقب الدوري خلال السنوات الأربع المقبلة!"

هكذا تحدث يورجن كلوب في أول مؤتمر صحفي عقده كمدرب لفريق ليفربول في أكتوبر/ تشرين الأول 2015. المدرب الألماني بطبعه شخص متفائل، يحب التحديات الصعبة، ويؤمن بقيمة التطوير ومراكمة النجاحات الصغيرة لكي تصنع نجاحًا أكبر.

كلوب نجح في إعادة فريقه لواجهة المنافسات المحلية والأوروبية، وأصبحت مواجهة ليفربول في ملعب الأنفيلد رحلة ثقيلة الوطأة. تمامًا مثلما تمكن من استقطاب النجوم والمواهب لقلعة الريدز بعدما كانوا في السابق يفضلون أندية أكثر استقرارًا وطموحًا. وأخيرًا وربما الأهم؛ أنه قدم لنا النسخة الفنية الأفضل لأغلب لاعبيه.

من كان يتصور أن يُقارن محمد صلاح بليونيل ميسي وكرستيانو رونالدو؟ من كان يظن أن فيرجيل فان دايك سيصبح أفضل مدافعي العالم في غضون أشهر بعد انضمامه لليفربول؟ بمناسبة فيرجيل، دعني أفاجئك بأن أيًا من لاعبي البريميرليج لم يتمكن من مراوغته منذ بداية الموسم وحتي الأن!


الخلاصة أن كلوب يمتلك مشروعًا، لكنه لم يجنِ ثماره بعد على صعيد البطولات، ولهذا السبب حرص أن يسد ثغرات الفريق خلال الميركاتو الصيفي لينافس هذا الموسم بقوة أكبر.

بدأ ليفربول الموسم بشكل جيد. لكن مع مرور الجولات بدأت عدة أمور فنية في الظهور؛ أولها انخفاض فاعلية منظومة الضغط والاستخلاص التي تميز بها الفريق. وثانيها كان هبوط مستوى خط هجومه مقارنة بالموسم الماضي، وثالثها صلابة الفريق الدفاعية وصعوبة هز شباكه وهو أمر جديد علي ليفربول. وآخرها أن الفريق يفوز ويحصد النقاط حتى وإن لم يقدم أداءه الرائع المعتاد.

قرأ الألماني سريعًا صعوبة أن يتحمل لاعبوه أسلوب الضغط الهستيري للموسم الثاني، فقرر تعديل رسمه التكتيكي لـ4/2/3/1 وتقسيم الضغط علي مراحل داخل المباراة الواحدة. كما راهن على صلاح في مركز المهاجم ودفع بزميله فيرمينو خلفه، وأشرك شاكيري وفابينيو تدريجيًا.

ساعد هذا التكتيك الجديد الذي يختلف عن أسلوب لعب 4/3/3 الذي كان مفضلًا لكلوب طيلة الموسم الماضي محمد صلاح الذي بدأ موسمه الحالي بمستوى متراجع مقارنة بالموسم الماضي، على استعادة معدلاته التهديفية وبات متربعًا على عرشه كهداف للدوري بعد أربعة أسابيع من انطلاق النصف الثاني من الموسم برصيد 16 هدفًا، وبفارق هدفين عن أقرب منافسيه الجابوني بيير إيمريك أوباميانج مهاجم أرسنال، والإنجليزي هاري كين مهاجم توتنهام والذي تبدو حظوظه في المنافسة على لقب الهداف قليلة هذا الموسم، بعد إصابة ستبعده عن الملاعب حتى مطلع مارس/ آذار المقبل.

قائمة هدافي الدوري الإنجليزي بعد مرور 23 أسبوعًا. مصدر الصورة: تطبيق البريميرليج.

كانت أولوية كلوب واضحة منذ بداية الموسم، وهي الخروج بأقل عدد من الأهداف في شباكه. يمكنك أن تلمس ذلك في تصريحاته وتصريحات لاعبيه حيث تكررت كثيرًا كلمة "الشباك النظيفة"، بالإضافة لحقيقة امتلاك الريدز لأقوى خط دفاعي في الدوري رقميًا. هذه هي الأولوية الأولى حتى وإن جاءت على حساب المردود الفني للفريق وقت حيازة الكرة، والضغط المتواصل عند فقدانها.

وبذكر التراجع في المردود الفني، فإن كلوب لا ينكره. فعلًا ليفربول لا يلعب نفس الكرة السريعة، ولا يفتح الملعب على مصراعيه طوال 90 دقيقة في كل مبارياته. لكنه أيضًا لم يتحول لفريق يتمترس حول مناطقه، والدليل على ذلك أنه صنع فرصًا من لعب مفتوح open play على مرمي حراس توتنهام وتشيلسي وأرسنال ومانشستر يونايتد أكثر مما صنعوا هم على مرمي أليسون بيكر.

يشير المدرب الألماني إلى أن فريقه لا يستطيع تقديم عروضًا ممتعة على طول الخط، إنهم يحاولون فعلًا كلما سمحت الظروف، لكنهم لن يخاطروا حين يكون عليهم التراجع وسد الثغرات، خصوصًا وأن المخاطرة هذه المرة قد تتسبب في فقدان صدارة الدوري.

رفاق صلاح يقدمون حتى الآن موسمًا جيدًا جدًا، لكن الضغط سيتزايد عليهم خلال الأسابيع القادمة التي تحمل تحديًا واضحًا لقوة شخصية الفريق وقدرته على الإنفراد بالقمة. سواء كنت تتمنى تتويج ليفربول باللقب أو خسارته البطولة مجددًا، فالأكيد أننا سنعيش نصفًا آخر مثيرًا ومشتعلًا من الدوري الإنجليزي.

مانشستر يونايتد: أصابع مورينيو

خلال موسمه الأخير مع تشيلسي، وتحديدًا عندما انهارت نتائج الفريق، وظهرت أنباء عن عدم رضا بعض اللاعبين عن أسلوبه معهم، خرج المدرب جوزيه مورينيو بجملته الشهيرة للإعلام "ليس لدي أي شيء أقوله". لكن هذه المرة وفي قلعة مانشستر كان لمورينيو ما يقوله، حتى وإن بدا غريبًا ومكررًا وربما أيضًا مستفزًا.

يتعادل مع تشيلسي؟ حسنًا سيذكرهم بأنه وحده من قادهم للفوز بالدوري ثلاث مرات. يخسر من يوفنتوس في أولدترافورد؟ بسيطة، سيرفع أصابعه الثلاثة ليذكرهم بالثلاثية التاريخية التي حققها مع إنتر ميلان. يسأله الصحفيون عن الأوقات الصعبة في المركز الثالث عشر؟ يجيب متساءلًا "أي أوقات صعبة؟! ألا تعرف ماذا يحل بأهل بورما؟ هذه هي الأوقات الصعبة وليست خسارة مباراة". متتالية من الأقوال وردود الفعل لجأ إليها جوزيه ذكرتني بجملة من فيلم معالي الوزير "أنت مش عارف أنت بتكلم مين؟! وش الباشا بطاقة!".


فعلًا مورينيو لا يحتاج لبطاقة، تاريخه وبطولاته وكل ما حققه من البرتغال إلى إنجلترا ثم إيطاليا وبعدها إسبانيا يشهدون له، لكنه رغم ذلك قاد الشياطين الحمر لأسوأ بداية في تاريخهم مع الدوري الإنجليزي، وفي طريقه إلى تلك النتيجة كان يشعر بالضغط والخجل، وحينها فإنه لا يجد سوى أن يذكر الناس بتاريخه.

والحق أن اللوم في البداية المتعثرة لليونايتد لا يقع على عاتق مورينيو وحده، بل إن إدارة النادي ارتكبت ما يشبه حماقة عندما جددت تعاقدها مع المدرب البرتغالي وهي ترفض تلبية طلباته في سوق الانتقالات الصيفي، ليتفرغ الأخير للشكوى من غياب الدعم الذي يلاقيه في مانشستر، ومن جودة لاعبيه التي لا تسمح له بتحقيق النتائج المطلوبة. ليفقد الشياطين فرصهم في أي منافسة محلية مع الأسابيع الأولى ويخسر الفريق مبارياته أمام توتنهام، والسيتي، وأخيرًا ليفربول لتعلن حينها الإدارة فك الارتباط مع نفس المدرب وتضطر طبعًا لدفع قيمة الشرط الجزائي!

الخبر الوحيد السعيد في تلك القصة لجمهور الفريق هو أولي جونار سولسكاير، اللاعب النرويجي السابق الذي فاز مع مانشستر بثلاثية عام 1999. سولسكاير، صاحب الوجه الطفولي، صار مدربًا. استدعته الإدارة في محاولة يائسة لإنقاذ موسم اليونايتد. وكانت أولويته أوضح ما يكون، وهي إعادة الثقة للاعبين، وتحريرهم من قيود جوزيه التكتيكية التي باتت لا تتسم سوى بشدة التحفظ.

نجح سولسكاير في إنجاز ذلك الهدف بسرعة لم يكن يتخيلها البعض، وتمكن من تحقيق سلسلة انتصارات أعادت الأمل في اللحاق بالمراكز الأربعة المتصدرة، واليوم تفصله أيام معدودة عن اختباره الأكثر قسوة وهو مواجهة باريس سان جيرمان في أولى مباريات دور الـ 16 لدوري أبطال أوروبا. ارتبط أولي في ذاكرة أنصار الفريق الأحمر بهدفه التاريخي خلال نهائي تشامبيونزليج 1999 في اللحظات الأخيرة، فهل ينقذ موسم الشياطين مجددًا من على مقعد المدرب؟

تشيلسي: مغامرة ساري

عندما يتعاقد أي نادٍ مع أي مدرب، فإن ثمة بعض التوقعات عن أسلوب إدارته ونمط لعبه تبدأ في الظهور. ولهذا تحديدًا فعندما أعلنت إدارة تشيلسي التعاقد مع المدرب الإيطالي ماوريتسيو ساري كنا على دراية بثلاثة أمور من تجربته مع نابولي؛ الأول هو تفضيله المطلق لرسم 4/3/3، والثاني اعتماده في بناء الهجمة وتدوير الكرة على الجبهة اليسرى مع سيولة حركة اللاعبين بين الخطوط. والثالث هو إشراك لاعب بمواصفات معينة في مركز الارتكاز يعرف في عالم التكتيك بلقب "ريجيستا".

لا مشكلة في الأمرين الأولين، لكن ثمة معضلة في الثالث، بما أن تشيلسي لديه أفضل لاعب ارتكاز في العالم على مستوى استخلاص الكرات والالتحام مع الخصم؛ نحن نتحدث عن الفرنسي نجولو كانتي، لكن كانتي لا يمتلك باقي تلك المميزات التي تتوفر في الريجيستا من قدرة على بناء الهجمة وكشف الملعب وإرسال الكرات الطولية والقطرية المتقنة.

وهنا كنا أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما أن يضحي ساري ببعض قناعته ويستغل الأفضلية الكبيرة التي يوفرها وجود كانتي، وإما الإطاحة باللاعب الفرنسي من مركزه لحساب لاعب أخر. وقد مال ماوريتسيو ساري نحو الخيار الثاني من اللحظة التي توفر فيها له التعاون مجددًا مع لاعب خط وسط منتخب إيطاليا جورجينيو الذي لعب تحت قيادة ساري عندما كان الأخير مدربًا لنابولي.

لم تحل الأزمة بتصميم ساري على قناعاته، بل تعقدت أكثر. فجورجينيو المميز في التمرير والمراوغة لا يمتلك نفس المردود البدني الذي كان يوفره كانتي، وهذا يتجلى في تفوق معدلات الفرنسي على معدلات الإيطالي فيما يخص استخلاص الكرة، وبالتالي فقد وسط ملعب البلوز كثيرًا من صلابته الدفاعية، خصوصًا وأن المركز الجديد الذي أوكل لنجولو يتطلب منه أدوارًا هجومية في التمركز داخل مناطق جزاء الخصوم والتسديد من العرضيات، وهي أدوار يؤديها للمرة الأولى.

كانتي مع إيدن هازارد وروس باركلي. مصدر الصورة: صفحة كانتي على فيسبوك.

كانتي ليس الوحيد الذي يخضع لتغييرات في وظائفه، بل إن أغلب لاعبي تشيلسي يلعبون بأسلوب ماوريتسيو ساري القائم على الاستحواذ والتمرير الدائم والدفاع المتقدم للمرة الأولى تقريبًا. ويبدو أن إدارة رومان أبراموفيتش لم تطالبه بالمنافسة على اللقب من موسمه الأول بل منحته الضوء الأخضر للتجريب والتعديل وتحديد احتياجاته.

تشيلسي لا يقدم موسمًا استثنائيًا، لكنه في الوقت نفسه لا يقدم موسمًا سيئًا، أهداف ساري الواضحة تتمثل في إنهاء الموسم في مركز مؤهل لدوري الأبطال، والوصول بعيدًا في بطولة اليورباليج وربما الفوز بها أيضًا، وهو يسير حتى الأن على طريق تحقيق هذه الأهداف. لكنه في المقابل عليه حسم أمره نهائيًا مع توظيف كانتي، والتعامل مع متغيرات جديدة قد تحدث قبل بدء الموسم المقبل مع الرحيل المتوقع لأهم لاعبيه إيدين هازارد عن القلعة اللندنية.