تصميم: المنصة

حين تصبح الأمومة سلطة غاشمة

للكبير قداسة إلهية، حكمة ربانية توهب له بمجرد تقلده السلطة. المال سلطة، المناصب سلطة، وكذا الوضع الاجتماعي سلطة. الذكر له السلطة على الأنثى، والأنثى لها سلطة على الأطفال.

انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي تسجيلًا مصورًا لأم تحاول أن تدفع بابنها ليقفز من النافذة المطلة على سلم العمارة إلى شرفة المنزل لكي يحضر مفتاح الباب الذي نسيه داخل الشقة.

كان يمكن للتسجيل المصور أن يمر مرورًا عاديًا، مع تعليقات مستهجنة للجهل وعدم الوعي، إلا أن الأمر بدا أبعد من مجرد أمّ غير واعية تحث ابنها على المخاطرة بحياته.

ما شاهدناه في التسجيل المصور هو طفل يجبر إجبارًا، ويدفع دفعًا، للمخاطرة بحياته، وهو يصرخ ويرجو والدته أن تعفو عنه "يا ماما حاقع، مش قادر.. طب أدور على المفتاح".

فترد الأم وهي تدفعه بعنف خارج النافذة "مش حتدور على المفتاح.. يالا خلص"، وسط صراخ نساء من النوافذ "حيقع يا ستي.. حيقع. حسبي الله ونعم الوكيل فيكِ"، واندهاش مصور الفيديو "يا ست أنت بتعملي إيه؟ الولد حيقع".

في نهاية الفيديو اضطرت السيدة لسحب الطفل نحوها وهي تضربه بسبب صراخ النساء، وسمعت في الخلفية سيدة تقول "هو كل مرة يطلع بالطريقة دي يجيب لها المفتاح، طب إيه اللي بيخليك تقفلوا الباب ع المفتاح، حاجة غريبة قوي".

الأم التي تلتزم بالمعايير الاجتماعية، وتنصاع لرجل، وتدخل في طاعته، هي أم مثالية، ولها كامل السلطة على الأبناء بموجب طاعتها للسلطة التي عليها.

الأمر هنا تجاوز "مجرد الإهمال" الناتج عن الجهل، وهو جريمة كبرى يذهب ضحيتها المئات سنويًا، ووصل لحد جريمة تعذيب: عقوبة طفل لأنه نسي المفتاح بداخل الشقة عبر إذاقته الاقتراب من الموت وإرهابه وترويعه.

أصيب الناس بالهلع من المشهد، ويبدو أن الجيران قد أبلغوا وزارة التضامن، وتم إلقاء القبض على الأم، التي ظهر أنها اعتادت على هذا الفعل، بشهادة إحدى الجارات في التسجيل المصور، وبشهادة الأم التي قالت "ما يوسف أخوه كان قبل كده نط من الشباك ع البلكونة عشان يجيب المفتاح.. أصله خفيف".

هناك روايتان للحدث، وتسجيل مصور.

رواية الأم تدعي فيها أن الطفل اقترح القفز من البلكونة، والثانية وهي الأقرب للحقيقة تعود للجار الذي صوّر المقطع.


هل يتلازم الفقر مع القسوة؟

عقب التحقيق مع الأم، وبكاء الطفل، الذي توسل لوكيل النيابة أن يفرج عن أمه، خرجت السيدة وعادت بابنها إلى المنزل، وسط دعوات بالتبرع للأم الفقيرة المسكينة الشقيانة. ولنا وقفة مع من ادّعى تعاطفا مع الأم بسبب فقرها.

أولًا: افتراض أن القسوة تلازم الفقر هو افتراض في حد ذاته طبقي، وبه الكثير من التكبر والفوقيّة. وكأن مشاعر الأمومة والرحمة والعطف لا تقترن إلا بالمال، وكأن الفقير نزعت منه آدميته. هذه فرضية، علاوة على دنائتها، غير حقيقية. فالجيران الذين لامتهم الأم على الصراخ خوفًا على الطفل فقراء أيضًا، والرجل الذي قام بتسجيل الفيديو فقير أيضا.

ثانيا: لا يبدو من شكل المسكن وملابس السيدة أنها مُعدمة. فهي ليست من سكان العشوائيات، ولديها شقة، وباب تخاف عليه من الكسر. وحديثها حول العشرة جنيهات التي كانت توفرها لشراء طعام العشاء بدلًا من اللجوء لنجار لفتح الباب مثير للاشمئزاز حقيقة، فلو أن الطفل كان وقع من النافذة، هل كانت ستشتري العشاء؟

ربما هم نفس الأشخاص الذين لو تعرضت سيدة في محل عملها أو في الطريق لتحرش؛ لبرروا ذلك بملابسها، أو صوتها العالي، أو مسلكها.

القضاء على الفقراء

ليست بيني وبين السيدة التي لا أعرفها عداوة، ولا أرجو لها إلا صلاح الحال لنجاة أطفالها من سوء المعاملة. لكنني أبحث هنا عن عناصر المجتمع الذين لديهم ولع بأي سلطة غاشمة أيًا كانت، والتبرير لهذه السلطة بأية مسوغات، حتى وإن كان الفقر الذي يحتقرونه.

ربما في يوم من الأيام، انبرى بعض المدافعين عن الأم في هجوم حاد على الفقراء الذين يعيشون في ظروف غير آدمية مدعين أن فقرهم يعود لجهلهم وتكاسلهم وعدم رغبتهم في العمل، ولا يبدو من نهج حياتهم أنهم حريصون على القضاء على الفقر بقدر حرصهم على القضاء على الفقراء.

ربما هم نفس الأشخاص الذين لو تعرضت سيدة في محل عملها أو في الطريق لتحرش؛ لبرروا ذلك بملابسها، أو صوتها العالي، أو مسلكها، أو عدم قدرة الشباب على الزواج.

لو أن نفس السيدة، بشحمها ولحمها، ظهرت في تسجيل مصور تحاول الإمساك بشاب حاول التحرش بها، وتسليمه للشرطة، لأبدى نفس الأشخاص تعاطفًا مع المتحرش الذي ترغب السيدة في إضاعة مستقبله وحبسه.

الموضوع بسيط يا جماعة

هؤلاء الآن، ولأول مرة، يتعاطفون مع امرأة تحت ستار الفقر لأن الضحية طرف أضعف، تمتلك هي السلطة المادية والمعنوية فوقه، معززة بدعم السلطة الأعلى، وهي زوجها، الذي ساندها في فعلتها معللًا ذلك بأنها "بتصرف علينا والموضوع بسيط".

فالمرأة هنا "مسنودة" بسلطة الذكر الذي أجاز فعلتها في مقابل إنفاقها على الأسرة.

في ذات مرة، قال لي شخص، من المفترض أنه مثقف وواعٍ "الأسرة نواة المجتمع".

يعني إيه؟ يعني الأب رئيس الجمهورية، والأم الوزارة، والأولاد الشعب.. تمام كده حضرتك.

هذا هو بيت القصيد. هناك تقديس في هذا المجتمع لهرم السلطة، الإنسان لا يحظى بقيمة تذكر إلا بقدر السلطة المخولة إليه، ليس للفرد وحياته وسلامته واختياراته أية اعتبارات أو احترام أو تقدير.

مازلنا نقبع تحت مفهوم القطيع، ومازال الهرم رمز مصر، ليس هرم خوفو بالطبع، لكنه هرم ينبض في قلب كل مواطن: اللي مالوش كبير بيشتري له كبير.

وللكبير قداسة إلهية، حكمة ربانية توهب له بمجرد تقلده السلطة. المال سلطة، المناصب سلطة، وكذا الوضع الاجتماعي سلطة. الذكر له السلطة على الأنثى، والأنثى لها سلطة على الأطفال.

الفقير المعدم ليس له احترام، إلا فيما يتعلق بسلطته على الإناث في محيطه، سواء كانت أمًا أو أختًا أو زوجة أو أبناء.

إذا ما سلكت امرأة سلوكًا يستهجنه المجتمع؛ فهم لا يكتفون بالتدخل في خصوصيتها وممارسة التنمر عليها، وإنما يتساءلون: فين أبوك أنتِ ولا أخوكِ ولا جوزِك؟

لابد لهذا الشيء، المسمّى أنثى، أن يكون له مالِك.

العصا السحرية

المرأة لا تحترم في كافة أحوالها إلا إذا أنجبت وتحولت إلى أم. وبعصا سحرية تتحول من فتنة الشيطان إلى الملاك الطاهر الذي لا يسأل عما يفعل بأبنائه. لكن هذه الطهارة مشروطة أيضًا؛ فالأم المطلقة هي عبد آبق، تمرد على سلطة الكبير. ولذلك فهي لا تحظى بذات الاحترام الذي تناله الأم التي تعيش في "كنف" زوجها، أو التي مات عنها زوجها.

ونرى في شروط الأم المثالية التي تضعها بعض الجهات الرسمية المانحة للجائزة: ألا تكون الأم قد تزوجت أكثر من مرة، وأن يستمر زواجها 25 عامًا، مثلما ورد في إعلان الأم المثالية لنقابة المهندسين هذا العام.

الإعلان ظهر فيه اسم "الأمين العام المساعد" للنقابة.. والتي هي، لاستكمال المفارقة، سيدة.

إعلان الأم المثالية لنقابة المهندسين لعام 2019

بالطبع. تتمرد على الرجل وتدور تتجوز في الرجالة وعايزة تبقى أم مثالية؟ يادي العيبة. بل إن القانون ينزع الأطفال من هذه الأم التي ثارت على والد الأبناء واختارت رجلًا آخر، ربما عقوبة لها على عدم الطاعة، وربما لتأهيلها للتفرغ لصاحب السلطة الجديد حتقعد بقى تقرفه بعيال راجل تاني؟ الراجل لازم "ينبَسَط".


اقرأ في قسم مجتمع المنصة: خلاصة الرحلات الخائبة للإنترفيو: لا مدارس لأبناء المطلقات


من هنا؛ فالأم التي تلتزم بالمعايير الاجتماعية، وتنصاع لرجل، وتدخل في طاعته، هي أم مثالية، ولها كامل السلطة على الأبناء بموجب طاعتها للسلطة التي عليها، ولها حكمة موهوبة تجعلها تلهم مصلحة الأبناء ومحبتهم لمجرد أنها أمهم التي سمعت وأطاعت، وليس لأحد مراجعتها فيما تفعل بأبنائها إلا من له سلطة عليها ألا وهو الأب. وطالما أن الأب يقر ما تقوم به، إذن: وأنتم مالكم؟

وتتباهى النساء: كان يرجع من الشغل يقلب الدنيا على دماغي وأنا ما أردش عشان عيالي.

ويتباهى الأبناء: كنت متجوز ومخلف وأبويا/أمي يضربوني بالحزام، وأنا أوطي على إيدهم أبوسها وهم بيضربوني.

وتلمع عيون السادة المستمعين بالإعجاب والإكبار.

كفة السلطة الراجحة

هم لا يتعاطفون مع امرأة معدمة و"شقيانة" كما يدعون، لكنهم يميلون لصالح كفة "السلطة" المتمثلة في الأمومة: أمه وهي حرة فيه. تمامًا مثل "جوزها وهو حر فيها"، و"أبوهم وهو حر فيهم". وبمد الخط على استقامته، فالدولة حرة في الشعب، لإن الأسرة نواة المجتمع كما قال فيلسوف عصره وأوانه المشار إليه أعلاه.

هذا الفقر الذي لا يجد عطفًا، هذا الشقاء الذي لا يحظى باحترام، هؤلاء النساء اللاتي يتعاملن وكأنهن سبايا ونهب للأب والأخ والزوج، بل وللمارة في الطرقات، تصادف أنهم يستخدمون الآن لأنهم يمثلون سلطة، ولابد أنها ظالمة، لأن الضحية طفل.

لا أحد ممن وصف هذه المرأة العجيبة بـ "الشقيانة الغلبانة الفقيرة" التي اضطرت، بسبب فقرها، لإلقاء ابنها من النافذة بزعمهم، يقبل بفكرة أن يتدخل أحد بين أم وابنها لحماية الابن، تحت شعار: أنتم مش حتخافوا عليه أكتر من أمه، أنتم مش حتعرفوا مصلحته أكتر من أمه.

هذا الدعم الكامل غير المشروط لكل السلطات الغاشمة بجميع أشكالها أصبح مَرضيًّا حقًا، ويستحق إما الدراسة، أو محاولة العلاج، أو الهجرة.


اقرأ أيضًا: الدورة الشهرية.. دماء في رقبة الدولة