تصميم: يوسف أيمن

في ظلال الست| غواية توحِّد كل المجاذيب

ويا ريت حبايبنا ينولوا ما نلنا

- القلب يعشق كل جميل

1

أشهر مجاذيب الست هو التاجر الطنطاوي سعيد الطحان صاحب الصيحة الشهيرة "تاني والنبي يا ست دا أنا جايلك من طنطا"، إلا أن أكثرهم جموحًا كان بالتأكيد ذلك الشاب المجهول الذي قفز من مقعده إلى خشبة مسرح الأولمبيا ليقبل قدم أم كلثوم قبل أن يسقطا سويًا.

فقد الشاب عقله بينما كانت أم كلثوم تتساءل ما إذا كان الحب قد رأى سكارى مثلنا. في الدقائق التي سبقت ذلك اختلطت بشدّة آهات الحضور مع حضور أم كلثوم الذي يطغى عادةً على كل ما عداه، حتى لا يكاد المستمع يميز أسباب طربه بينهما.

سقوط أم كلثوم على مسرح الأولمبيا. من منتدى سماعي.

في مقطع "ومشينا في طريقٍ مقمرٍ"، تصاعد صوت أم كلثوم فتصاعدت نشوة الحضور، ومع الآهات التي صاحبت "تثب الفرحة فييييه قبلنا"، فردت أم كلثوم المزيد مساحات صوتها، وبلغت ذروتها في "وضحكنا ضحك طفلين معًا وعدونا فسبقنا ظلنا". يفترض هنا أن تستمر الموسيقى وتكتمل الأغنية، ولكن فجأة، قفز المجذوب كمن يتعلق بأستار كعبته، حاول تقبيل قدمها، يباغتها فترتبك فيسقط ويُسقطها معه، ثم لحظة صمت يقطعها أحد العازفين وهو يوجه زملائه "كمل كمل"، بينما صوت أم كلثوم يأتي مستنكرًا "إيه دا؟".


إلى باريس ذهبت أم كلثوم لتغني من أجل المجهود الحربي، حفلان أحيتهما في أواخر عام الهزيمة المرير، 2200 من الحضور في كل حفل لم تتوقف رؤوسهم عن التمايل إلا لتعلو آهات الحناجر، أنهت أم كلثوم غناء الأطلال ولحقتها بأغنيتها الجديدة فات المعاد، ولكن جنون الحضور لم ينتهِ.

تغطية صحيفة النهار اللبنانية لحفل أم كلثوم الأول في الأولمبيا. من منتدى سماعي. 

في المقطع الأخير من فات المعاد تعبث أم كلثوم قليلًا. "من ناري من طول لياليّا"، تغنيها أولًا كما تصوّر بليغ، تنضبط مع لحنه وتنضبط معها الفرقة ويصفق الجمهور ويرسل آهات استحسانه المعتادة، كلٌ يؤدي دوره المعتاد، ولكنها ستخرج -كعادتها- عن النص فتبدأ ارتجالًا يذهب بالعقول.

يمنحها محمد عبده صالح بقانونه وسيد سالم بنايه المدخل للتفريدة الآتية، تتصاعد مجددًا "من ناري من طول ليالياااااا من نااااري"، هنا سيفقد أحدهم عقله مجددًا، صرخة واضحة آتية من وسط الصخب، يصرخ "يا سلاااااااام"، وبين الـ "يا" والـ "سلااااااام" تكاد تسمع صوت انقطاع أحباله الصوتية.

إذا أردت أن تشرح لأحدهم أدق معنىً للصراخ، دعه يسمع هذا الرجل.


ستعود الآن أم كلثوم بالأغنية إلى قواعدها المرسومة سلفًا، تتهمّل في الأداء، "بيني وبينك هجر.. وغدر.. وجرح في قلبي داريته"، ما زالت هنا على إيقاعها المرتجل بعيدًا عمّا لحنّه بليغ، ثم فجأة لا تشعر بها إلا وهي تلملمك مجددًا "بيني وبينك ليل وفراق إنت اللي بديته"، الوتريات تعود إلى النوتة، الرق يضبط الإيقاع، تلملمك مجددًا لتصيبك الحيرة مجددًا، هل ارتجالها أجمل أم اللحن أجمل؟


2

لذة لا تقاوم، لا يملكون الحراك ولكنهم أيضًا لا يقدرون على الثبات، لا سبيل سوى الانسياق خلف صوتها في هذا الطريق الذي سيسلكه كل ذي بصيرة، طريق في آخره أم كلثوم، حيث ندرك كلنا المغزى.


3

في النادي الأهلي ارتكبت أم كلثوم كل أفعال الجمال وبلغت ذروةً لم تبلغها في أي لحظة أخرى من عمر الزمن. استهلت حفلها الشهير عام 1944 بدرة تاجها رق الحبيب وختمت بأنا في انتظارك وجعلت بينهما يا ليلة العيد ممزوجة بمقطع من حبيبي يسعد أوقاته، وكان ذلك كله حسن.

تجمع أم كلثوم هنا خير تركتها الغنائية أبدًا. منحتني أم كلثوم في هذا الحفل كل ما أريد، إذا حضرت حفلًا لأم كلثوم لن أتمنى أن تزيد حرفًا عمّا حدث في ذلك اليوم، حفل يجسد معاني الاكتمال فلا يدنو حفلٌ آخر من نصف جماله.

اختارت أم كلثوم في هذه الليلة التأرجح بين القصبجي وزكريا وبينهما السنباطي قبل أن يصبح سنباطيًا، في تلك الأيام كان رياض ملبوسًا بالقصبجي تارة وبزكريا تارة أخرى على ما بينهما من مسافات بعيدة، تكاد أغنيات مثل افرح يا قلبي ويا ليلة العيد أن تنسب للقصبجي ولا تبدو ظلموني الناس* أو فاكر لما كنت جنبي بعيدتان عن أسلوب زكريا، هكذا كان السنباطي قبل أن يشتد عوده ويترسخ وتره ويكتسب لونه وتنطبع بصمته ويلعب دور البطولة في مشوار أم كلثوم.

استهل الحفل بمعزوفة ذكرياتي للقصبجي وقد ضفرت بمقدمة رق الحبيب، ثم في وصلته الثانية غنت يا ليلة العيد، يمهد المذيع للأغنية "موسيقى يا ليلى العيد آنستينا من كلمات الأستاذ الشاعر أحمد رامي وموسيقى الموسيقار رياض السنباطي"، تنبعث المقدمة الموسيقية ثم يسري صوت أم كلثوم.

ولكن بعد دقيقتين يقطع دخول الملك فاروق كل شيء، الغناء والموسيقى وتمايل الرؤوس جزلًا والتصفيق العشوائي غير المنتظم، لصالح هتافات معدّة سلفًا وتصفيق منظم يشبه تصفيق الحضور في برامج المسابقات، يبدأ بإشارة وينتهي بإشارة.


يعود المذيع ثانيةً "شرف حضرة صاحب الجلالة"، ثم يصمت ليفسح المجال للحضور "يعيش جلالة الملك.. يعيش جلالة الملك"، "يحيا ملك مصر والسودان"، "يحيا الملك"، "سلام مصر للملك"، عاش الملك"، يهتف أحدهم وتردد الجموع خلفه بانتظام عسكري كمن يؤدون واجبًا ثقيلًا على النفس، تتحول نشوة الحضور الجزلة بالطرب والموسيقى إلى هتافات عسكرية منتظمة، قبل أن تعود أم كلثوم بالجميع إلى حالة النشوة عندما استقر جلالته على مقعده.

كم هي ثقيلة وطأة السلطة. يريد فاروق من الناس أن تذكره بأنه ملك، أن تردد ذلك على مسامعه، واجب على الجميع أن يؤديه، فقرة ثقيلة تستمر دقيقتين ثم يُنسى، ليعود الناس إلى ملكتهم الحقيقية، مصدر الشغف وأصل السعادة في هذه الليلة.


4

تائهون بين الوعي وغيابه، يتبعون نداء الغريزة ونور البصيرة، هائمون في محبة الله كالعائدين من ارتكاب الذنوب، كلما اقتربوا امتزجت قلوبهم وكلما امتزجت قلوبهم ذاقوا من لذة الصوت، ومن ذاق عرف. نور في القلب ونور في العقل، نور يضيء العالم كله وبصيرة ترى الكون كله في طبقات صوتها الساحرة.


5

فخري البارودي كان شاعرًا وصحفيًا وسياسيًا وضابطًا سوريًا ذائع الصيت، قاتل الإنجليز في فلسطين وشارك في الثورة العربية الكبرى وقاوم الفرنسيين عندما احتلوا سوريا عام 1920 وبعد جلائهم أصبح نائبًا في البرلمان عام 1947 لسنة واحدة اعتزل بعدها العمل السياسي وتفرغ للشعر والكتابة فألف كتبًا عن الأمثال الشامية والطبخ السوري وموسوعة لجمع التراث الموسيقي مخطوطاتها ما زالت محفوظة في مكتبة الأسد بدمشق ولم تنشر، وقبل ذلك كله وبعده؛ كان أحد مجاذيب الست.

كلما أقامت الست حفلًا في سوريا أو لبنان، وهما أكثر بلدين غنت فيهما أم كلثوم بعد مصر، سارع البارودي إليه، ومثلما اشتهر الحاج سعيد الطحان بصيحته "تاني يا ست دا أنا جايلك من طنطا"، اشتهر البارودي بهتافه الذي يخاطب الست "الله يبليكِ بحبّي".

في عام 1955 سافرت أم كلثوم إلى سوريا مرتين فأقامت أربع حفلات، في الجولة الثانية التي كانت في سبتمبر/ أيلول غنت في حفلها الأول نهج البردة وجددت حبك ليه وأنهت بيا ظالمني. وفي هذا الحفل، وبين ثنايا إحدى أجمل نسخ جددت حبك ليه، تفاعلت الست مع دعاء البارودي بالضحك.


تذهب عقول السامعين دومًا مع أم كلثوم، ولكن يشتد الأثر بعد كل ارتجال وإن كان آهةً سريعة تزخرف بها أم كلثوم المقطع الذي تغنيه. تعلو بالأداء في "ياللي قضيت العمر معااااااااك"، قبل أن تهدأ بنبرة يشوبها قليل من الحزن في "أرضى جفاااااااك"، وعند التمني تمنح نفسها قليلًا من الأمل "وأتمنى.. وأتمنى.. وأتمنى رضاااااك"، تطغى هنا انفعالات الجمهور فتسكت الفرقة للحظة، ليعلو صوت البارودي، ثم تعود أم كلثوم "إنت النعيم والهنا.. إنت العذاب والضنا.. والعمر إيه غير دول.. إن فات على.. على حبنا.. إن فات على.. على حبنا.. سنة وراها سنة.. حبك شباااااب على طول".

تصفيق حاد طويل ينتهي بصيحة البارودي الشهيرة "الله يبليكِ بحبي". هنا ستضحك أم كلثوم وسيصفق الجمهور وينفعل البارودي أكثر كمن مسّه الجنون بعبارات غير مفهومة قبل أن يكرر دعاءه الأثير "الله يبليكِ بحبي إن شاء الله"، متبوعًا هذه المرة بـ "يا حبيبي".


6

لا يتوقف الغناء ولا يتوقف اهتزاز رؤوس المجاذيب، موجات وجدٍ وغزلٍ وأقوالٌ في المحبة وتنويعاتٌ على آلام الفراق تصرخ الحناجر استحسانًا لها، صرخاتٌ هنا وآهاتٌ هناك. مريدون يتوحدّون مع وليّهم، لا يتوقف الألق ولا تنقطع مواطن النشوة، تراتيل في الحب الإلهي في روضة هالّة من الجنة، "ويا ريت حبايبنا ينولوا ما نلنا".


7

غنيلي شوي شوي أغنية قصيرة تبلغ مدتها أكثر من خمس دقائق ببضع ثوانٍ. ولكن عندما غنتها أم كلثوم على مسرح حديقة الأزبكية في ليلة شتوية من ديسمبر 1952، استمر الأمر نحو عشرين دقيقة. ارتجالات هنا وتفاريد هناك، والجمهور بدوره غنّى كذلك.

بدأت النشوة مبكرًا بعد أقل من ثلاث دقائق، تغني أم كلثوم "المغنى حياة الروح يسمعها العليل تشفيه"، تكررها مرات ومرات ولا تشبه واحدة الأخرى، تسري النشوة هنا بين الحضور، في المرة السادسة يكمل الجمهور، تعطي أم كلثوم إشارتها "المغنى" فيرد الحضور "حياة الروح"، تداعبهم بالصمت عندما تعيّن عليها أن تقول "المغنى"، ينفجر المسرح بالتصفيق، من يدري؛ لعلّها منحتهم بسمةً ما أو إشارة بعينيها.

تكمل أم كلثوم حوارها مع محبّيها، ماذا يفعل المغنى؟ يسمعها العليل تشفيه، فتمنح الجمهور إشارة أخرى، "يسمعها"، فيرد "العليل تشفيه". يتحدثون عن أنفسهم هنا، وهي تعي أنها تحمل الشفاء في صوتها.


إشارات وأخذ وردّ ينتهي بارتجال بديع "المغنى حياة الروح" لن يتمكن الجمهور منه فتنفرد به وحدها، "يسمعها العليل تشفيه"، فيسمعها عليل ويتم شفاؤه، "وتداوي كبد مجروح تحتااااار الأطبا فيه"، فتداوي كبدًا مجروحًا احتار فيه الأطباء، فيعلن صاحب الكبد المجروح شفائه من بعيد بكلمة واحدة؛ "حلاوتك".


8

خفة لا تنقطع وثقل يسهل حمله، حضور أم كلثوم يجمع الأمور المتناقضة، تختزل في طبقات صوتها كل الحواس في حاسة السمع، يحرر صوتها النفس ويكشفها لصاحبها، خدر وآهات تداعب الروح كلمسات الأنامل، نغم يوحّد كل المجاذيب، إشارات يردّها الجمهور بإشارات مشابهة، تماهٍ يمنح الخفة ويحرر من قيود الجاذبية، رعشة تتبعها صرخة لا إرادية، هذا هو انعدام الوزن الذي يُكسب الثقل.


9

منحنا يوسف شاهين النسخة الفيلمية الوحيدة الملونة لأم كلثوم، وهي ترتدي فستانًا ورديًا وتحمل منديلًا باللون نفسه، من حفل استاد طنطا الرياضي الذي أقامته لدعم المجهود الحربي عام 1969.

ضمّن يوسف شاهين مشاهدَ الحفل التي صوّرها في فيلمه حدوته مصرية وكانت الست تغني في الفيلم إنت عمري، غير أنها وفي الواقع لم تغنِّ هذه الأغنية في هذا الحفل الذي قدمت فيه وصلتين، الأولى هذه ليلتي في أجمل نسخها، والثانية ألف ليلة وليلة.

في هذا الحفل بدأت أم كلثوم ارتجالاتها مبكرًا وهي تعيد مقطع يا حبيبي طاب الهوى، بعد فاصل عبد الوهاب الحداثي الرشيق.

تعيد "يا حبيبي طاب الهوى" مرة واثنتين وثلاثًا، ثم تنهي المقطع لتمهد الموسيقى اتجاه أم كلثوم نحو بحار تئن فيها الرياح، ولكن تصفيقًا حادًا يقاطعها، بلغت نشوة الجمهور أوجها، صاح أحدهم "يا حبيبي طاب الهوى.. يا حبيبي طاب الهوى والنبي يا ست"، ترك الرجل تركته في سجل مجاذيب الست الخارجين عن سرب التصفيق المعتاد والآهات الاعتيادية وتمايل رؤوس الجميع، وخرج عن السرب بجملة سيتذكرها الجميع.


لا ترد أم كلثوم سائلًا، تعيد يا حبيبي طاب الهوى. عجيبة تصرفات أم كلثوم الغنائية، تراود الكلام ارتجالًا فيلين لها كقطعة صلصال طيّعة بين يديّ مثال مقتدر، ترتجل من أجل عيون مجذوبها، "طاب الهوى"، ما يشبه الموال، توقف الفرقة سريان اللحن وتفسح المجال للمثال المقتدر، تداعب الكلام، تراوده، فينصاع أخيرًا، ثم تأتي بآهة مديدة تسمع على أثرها أحدهم يصيح "عظمة على عظمة"، تذوب العظمة الثانية في ثنايا العظمة الحقيقية التي تقف على المسرح، ولا ينتهي الجمال أبدًا.


* هناك خطأ شائع أن ظلموني الناس من ألحان زكريا أحمد لأن مُقدِّم التسجيل الحي الوحيد المتوفر لهذه الأغنية، وهو النسخة الأكثر شيوعًا بين المستمعين بطبيعة الحال، قال مرتين أثناء تقديمه الحفل في الإذاعة إنها من ألحان زكريا، ولكن غلاف أسطوانة الأغنية، ومقدمة فيلم فاطمة الذي كانت ظلموني الناس إحدى أغنياته، يؤكدان أنها للسنباطي.


للعودة إلى الصفحة الرئيسية للملف.


اقرأ أيضًا: في ظلال الست| لطف السَّريان لا ثقل الخلود