صورة لأم كلثوم من حفلها في دار سينما قصر النيل يوم 7 يونيو 1956. نشرتها مجلة لايف الأمريكية.

في ظلال الست

في غيابها يحضر صوتها دائمًا، ظلها واسع مديد لا ينتهي أثره، مستمرٌ دائمٌ خالدٌ يسع كل المحبين.

في الثالث من فبراير عام 1975 بداخل إحدى غرف مستشفى القوات المسلحة في المعادي، غيّب الموت أم كلثوم، أو غيّبتنا الحياة عن رفقتها.

صباح اليوم التالي لم يكن يومًا عاديًا في القاهرة. الصحف كلها اتشحت بالسواد، سحابة حزن ألقت بظلالها على محبيها الذين طالما استظلوا بدفء صوتها وحُسن غنائها. لم يخيّم الحزن في القاهرة وحدها، كان حزنًا عابرًا للحدود، تجاوز مصر كلها إلى كل مكان تواجد فيه ناطقون بالعربية، انتهت الآن سهرات الخميس الأول من كل شهر على وقع صوتها. حزن يُثقِل الكل في كل مكان، حزن يبتلع كل ما عداه.

في الخامس من فبراير اكتظت شوارع القاهرة بملايين المشيعين ممن منحتهم أم كلثوم طوال خمسين سنةً فنها وحبها وحياتها، وأهدتهم لحظات طربٍ وسعادةٍ أبدية، الملايين يلاحقون النعش في شوارع القاهرة من ميدان التحرير إلى مسجد الحسين، الملايين يصلون على الجثمان، الملايين يستشعرون خسارةً فادحة، نقصانًا لن يعوّضه أحد.

رحلة طويلة مديدة خاضتها أم كلثوم، فاطمة إبراهيم سيد البلتاجي التي تسلل شعاع صوتها من إحدى أصغر قرى الدلتا، تناثر في فضاء غرفتها أولًا، إلى الشارع والساحة ثم إلى القرى المجاورة، ليعمَّ أرجاء المحروسة، فمحيطها وما حولها، إلى العالم الواسع بأسره. امتد شعاع صوتها إلى أقصى وأبعد نقطة، مَنحَت الجميع بردًا وسلامًا وبهجةً وريحًا طيبةً وعطرًا ونورًا، ومُنحَت في مقابل ذلك حبًا لا حدود له، في كلِّ بقاع الدنيا.

من طفلة ريفية فقيرة في طماي الزهايرة إلى سيدة للغناء تصدح على مسارح العالم، يحج إليها الملوك والرؤساء فيتاورون في ظلال نورها ويذوبون في حُسن صوتها، مجاذيب يفقدون صوابهم في حضرتها، وفي غيابها يحضر صوتها دائمًا، ظلها واسعٌ مديدٌ لا ينتهي أثره، مستمرٌ دائمٌ خالدٌ يسع كل المحبين.

تستحضر المنصة سيرة الست، بداياتها، وازدهارها، وأثرها، وفنها، وحكايات مجاذيبها، وسريان صوتها، وطغيان حضورها ولطفه وخفّته، ثم ثقل غيابها رغم خلود صوتها واتساع ظلها الذي سيظل كافيًا لكل من أراد أن يستظل به، ظل يكفي الجميع، ظل سيبقى دائمًا وأبدًا في كل شيء.


شعاع نور من طماي الزهايرة إلى اتساع العالم

تصميم: المنصة

ريهام حبيب

في آخر أيام عام 1898 بقرية طماي الزهايرة التابعة لمركز السنبلاوين بمحافظة الدقهلية في دلتا النيل، وبصوتٍ مترعٍ بالحبِّ والعزةِ والذكاء، ولدت فاطمة إبراهيم سيد البلتاجي، ولدت أم كلثوم.

جاء ميلاد أم كلثوم بعد 16 عام منذ اندلاع الثورة العرابية وهزيمتها، نشأت الطفلة فاطمة البلتاجي في مجتمع مثقل بالخسارة يعاني من انفلات الحلم، ظلال الهزيمة وانكسارها يحيطان بالجميع ويتجددان مع كل ذكرى، ويصبحان ثقلًا يحمله جيل تلو آخر.. المزيد.


المؤسسة العابرة لكل الأزمنة

تصميم: المنصة

أحمد زكي

يحكى أن أم كلثوم استشاطت غضبًا عندما سمعت قصيدة كلب الست لأحمد فؤاد نجم. فالقصيدة التي اعتبرتها الست تجريحًا وتهجمًا عليها شخصيًا بصورة لا تليق، حوت أيضًا وصفًا دقيقًا وحقيقيًا لمكانة أم كلثوم، "في الزمالك من سنين، وفي حمى النيل القديم، قصر من عصر اليمين، ملك واحدة من الحريم، صيتها أكتر مـِ الآدان، يسمعوه المسلمين والتتر والتركمان، والهنود والمنبوذين، ست فاقت عَ الرجال في المقام والاحترام، صيت وشهرة وتل مال، يعني في غاية التمام، قصره هي كلمة، ليها كلمة في الحكومة...".. المزيد.


غواية توحِّد كل المجاذيب

تصميم: المنصة

شاهر عياد

أشهر مجاذيب الست هو التاجر الطنطاوي سعيد الطحان صاحب الصيحة الشهيرة "تاني والنبي يا ست دا أنا جايلك من طنطا"، إلا أن أكثرهم جموحًا كان بالتأكيد ذلك الشاب المجهول الذي قفز من مقعده إلى خشبة مسرح الأولمبيا ليقبل قدم أم كلثوم قبل أن يسقطا سويًا.. المزيد.


لطف السَّريان لا ثقل الخلود

تصميم: المنصة

أحمد الفخراني

خروشة يتخللها صوت خفيض لمذيع يمهد للنشوة، وينتظرها كالجمهور، سينهي جلال معوّض فقرته ليصير واحدًا منهم، ذائبًا بلا تمييز، يختلط صوته بهمهمات الحضور الذين يستعدون للفناء في محبوبتهم "آن لليلة أن تكتمل وتبلغ الذروة جمالًا ونشوةً، وآن للسحر أن يصل إلى نهايته وكماله، وللفن أن يقدم الليلة قمة جلاله وغاية إبداعه، في السهرة التي تحييها كوكب الشرق، السيدة أم كلثوم، الأغنية التي تختلب بها قلوبكم بهمسات على الشفاه".. المزيد.


السبب والعجب واللمة والراحة

تصميم: المنصة

مصطفى عبد الغني

في زخم سمو أم كلثوم بعد نهاية أحد الكوبليهات تعالت الصيحات كما العادة، تصفيق وصخب عشوائي يستحسن ما استمع، ليخترق هذه الفوضى صوت بالكاد تميزه يعيد نفسه دون توقف "يا هووو.. والله إحنا مش ع الأرض".. المزيد.


"موجة واحدة" للإمساك بصوتها داخل الزنانة

تصميم: المنصة

هيثم محمدين

يسألني زميل الزنزانة "إنت بتسمع أم كلثوم؟، يبقى تكتب لي جواب لخطيبتي".

باغتني بالسؤال، فأرد "أكتبه أنا ليه؟ ما تكتبه إنت؟"، "لأ أصل أنا ما بعرفش أقرا". شاب لا يجيد القراءة والكتابة من قرية كرداسة جعلني أبتسم وأنا في غاية الإحراج، اكتب ازاي جواب غرامي بالوكالة؟ ورطة! صعبان عليَّ أرد للولد طلبه، وأنا مش لاقي كلام أكتبه.. المزيد.