طوابير البحث عن الطعام أمام شاليهات حي المساعيد في العريش. الصورة متداولة لنشطاء سيناويين في مارس 2018

العملية سيناء 2018| ما فعله "عام القفلة" بأهالي المحافظة

روايات عام المجاعة: نقل عن الأجداد أنهم أسموها آنذاك "عام البعر" لقيام بعضهم بانتقاء الشعير من بَعر الإبل وإعادة استخدامه فى الخبز.

في العقد الثانى من القرن الماضي وتحديدًا في العام 1914؛ تأثرت شبه جزيرة سيناء كما الحال فى بلاد فلسطين والشام بمجاعة انهكت البشر، فدفعت القبائل إلى هجرات في اتجاهات مختلفة بحسب كتاب "سيناء المدخل الشرقي لمصر " للكاتب عباس مصطفي عمار.

توارث أبناء سيناء روايات عام المجاعة فمنهم من نقل عن أجداده أنهم أسموها آنذاك "عام البعر" لقيام بعضهم بانتقاء الشعير من بَعر الجمال (الرَوَث) وإعادة استخدامه فى الخبز، ومنهم من أطلق عليه "عام الرز" لأن الأهالي اعتمدوا وقتها على الأرز كطعام وحيد ورئيسي.

بقيت تلك الروايات التاريخية متناقلة بين الأحفاد دون أن يعيش أحدهم موقفًا كهذا من نقص الطعام والشراب، لكنهم وجدوا أنفسهم فجأة بعد يوم 9 فبراير/ شباط 2018 أمام أسواق خالية من البضائع ومحطات، وقود وغاز خاوية، وطرق مقفلة ليسمي الأهالي 2018: عام القفلة، الذي أغلقت فيه سبل الحياة على الأهالي لفترات طويلة من العام.

اكتمل عام على انطلاق العملية العسكرية الشاملة الأكبر: سيناء 2018 وهي السنة التي شهدت أحداث خطيرة هددت حياة الأهالي بشكل مباشر للمرة الأولى منذ اندلاع حدة المواجهات العسكرية مع التنظيمات الإرهابية في سيناء منذ 2013.

مئات الأهالي في ميدان الرفاعي في العريش يبحثون عن بقايا الخضراوات- مارس 2018

ماذا حدث في اليوم الأول للعملية؟

يتذكر أحد سكان مركز الشيخ زويد، سنسميه أحمد ويفّضل عدم الكشف عن اسمه، أنه فوجىء يوم الجمعة الموافق 9 فبراير 2018، اليوم الأول لإعلان العملية العسكرية الشاملة، بانطلاق الأهالي للأسواق والشراء بكميات كبيرة، الأمر الذي تسبب في إفراغ محتويات المحلات التجارية.

يقول "عرفنا أن الطريق بين الشيخ زويد والعريش بات مغلقًا لأجل غير مسمى، كما علمنا من نشرات قنوات الأخبار أن عملية كبيرة انطلقت فى سيناء تسمى سيناء 2018، وتحدثت الأخبار عن وقف الدراسة في الجامعات والمدارس لأجل غير مسمى".

يشرح ردة الفعل على هذه الأخبار بالقول "مع الضخ الإعلامي الكبير شعرنا بالخوف الشديد رغم أننا لم نلمس آثار العملية العسكرية على الأرض في الأيام الأولى بشكل مباشر، لكننا انشغلنا جميعًا في حمّى تخزين المواد الغذائية خوفًا من المجهول".

تكافل وكرامة سيناء

يقول أحمد "هناك مجموعات أهلية ليست بالكبيرة كانت لا تزال تسكن بعض مناطق رفح، وكانوا يعانون أصلًا من شراء المؤن الغذائية إضافة إلى صعوبة التنقل، هؤلاء انتقلوا مع إطلاق العملية إلى مدينة الشيخ زويد خوفًا من تداعيات العملية الشاملة على حياتهم".

هذا النزوح كان من الممكن أن يرفع من حدة الأزمة المشتعلة في مدينة الشيخ زويد منذ العام 2015، لكن أحمد يقول "سجّل الأهالى في الشيخ زويد مواقف لا تنسى بشأن التكافل الاجتماعي واقتسام الطعام، الشحيح أصلًا، مع إخوانهم النازحين من رفح".

البحث عن طعام في ميدان الرفاعي أكبر ميادين العريش. الصورة مُتداولة على صفحات نشطاء سيناويين

العريش تتعرّف على الطوابير

في مدينة العريش المجاورة، لم يكن الحال أفضل كثيرًا من الشيخ زويد. فالمدينة التي كان يعتقد أهلها أنها أكثر مدن شمال سيناء وفرة في الغذاء؛ وجدت نفسها تحت وطأة اختفاء البضائع والأسعار المرتفعة نتيجة شُح البضائع وتوقف المواصلات لانعدام فرص التزود بالوقود مع ارتفاع الطلب على الغذاء وانخفاض المعروض منه، وكذلك النقص الحاد في أنابيب البوتاجاز.

عند هذه النقطة؛ عرفت المدينة لأول مرة في تاريخ سكانها من الشباب والعجائز، الطوابير الممتدة لمئات الأمتار ترقبًا للحصول على كراتين المواد الغذائية سواء التي كانت توزّع مجانًا من سيارات الجيش أو عبر منافذ البيع المتنقلة التي وفرها جهاز مشروعات الشركة الوطنية التابع للقوات المسلحة.

فتح بعد عام القفلة؟

تفاصيل كثيرة للمعاناة الأهلية التي أطلق عليها سكان العريش "أيام القفلة" ويقصدون بها قفل الطرق ومنع وصول البضائع و كافة المستلزمات لشمال سيناء وإقفال محطات الوقود وطرق السفر.

يرى إسماعيل، وهذا ليس اسمه الحقيقي، ويسكن في العريش أن "الأوضاع في فبراير 2019 أفضل بكثير من الشهور الأولى للعملية سيناء 2018 والتي تسببت في أزمة بدأت في فبراير وبلغت ذروتها شهر مارس وإبريل من العام ذاته". يصف إسماعيل الوضع الحالي بعد مرور سنة بالقول "حاليًا الطرق الرئيسية مفتوحة ووصلت البضائع بكميات كبيرة ومتنوعة للاسواق، كما تم عمل منظومة لتزويد السيارات الأهلية بالوقود والغاز".

التقرير

فى 23 ابريل من العام 2018 نشرت منظة هيومن رايتس ووتس، موقعها محجوب في مصر، تقريرًا بعنوان أزمة إنسانية تلوح في الأفق بسيناء قالت فيه إن حملة الحكومة المصرية ضد فرع تنظيم الدولة الإسلامية فى شمال سيناء، خلفت أزمة إنسانية لما يقدر بـ 420 ألف شخص هم سكان محافظة شمال سيناء.

لم تمرّ أسابيع على صدور التقرير الذي هاجمته وسائل إعلام حكومية؛ حتى بدأت الأزمة تنفرج نسبيًا في المحافظة.

في 11 يونيو تم وضع آلية لتزويد سيارات المواطنين بالوقود، 30 لترًا كل أسبوعين، وتنظيم ذلك بين محطات وقود مخصصة للأرقام الفردية للسيارات وأخري للأرقام الزوجية، وثالثة للسيارات التي تحمل أرقامًا من خارج شمال سيناء.

وفي منتصف يونيو أصبح بإمكان سكان المحافظة التنقل خارج حدودها دون إذن أمني مسبق يومي الخميس والجمعة فقط من كل أسبوع، وذلك بدلًا من الحظر الكامل. إذ كان يحتاج الأهالي تقديم إذن بالسفر وينتظر كل مواطن دوره بعد وصول الموافقات الأمنية، وهو ما كشفته المنصة للمرة الأولى في 17 إبريل 2018 في هذا التقرير.

توصيل المواد الغذائية لأهالي محافظة شمال سيناء. الصورة: من فيديو للمتحدث العسكري

إلغاء التنسيقات الأمنية بشكل كامل وفتح الباب أمام مواطني المحافظة للتنقل إلى باقي محافظات مصر، أقرته الحكومة يوم 10 سبتمبر/ أيلول من العام 2018.

كما بدأ البضائع تصل بانتظام إلى منافذ البيع في المحافظة، إضافة إلى فتح الطريق للانتقال بين مدن المحافظة واعتماد نتائج الفصل الدراسي الأول (يناير/ كانون الثاني 2018)، باعتبارها نتيجة نهائية للعام الدراسي الذى لم يكتمل لجميع سنوات النقل.

وبعد ضخ البضائع وتفيعل آليات التزود بالوقود؛ حشدت الحكومة المصرية فى 26 يوليو 2018 وفدًا من الإعلاميين المصريين والأجانب في رحلات مسبقة التنظيم وتخضع للحراسة لزيارة بعض الأسواق وبعض المواقع التعليمية ومراكز الشباب لإثبات أن الحياة تعود لطبيعتها فى شمال سيناء.

عودة الداخلية.. والموبايلات

على المستوى الأمني؛ حققت العملية سيناء 2018 انتشارًا كبيرًا على الأرض بسبب القوات البرية التي تم حشدها قبل انطلاق العمليات، وارتفعت أعداد الكمائن بشكل كبير للسيطرة على مفاصل الطرق ومحيط وداخل المدن.

كما أن العملية الشاملة سيناء 2018 أعادت قوات الشرطة إلى مركز الشيخ زويد، الذى كانت تتواجد فيه بشكل رمزي منذ 28 يناير 2011.

مشاركة قوات الشرطة فى عمليات تمشيط وجمع بيانات واسعة في جميع أحياء مدن العريش والشيخ زويد؛ منحها فرصة تشكيل قاعدة بيانات ضخمة و محدثة حصرت جميع السكان.

في المقابل طالت عمليات الاشتباه مئات الأشخاص الأبرياء، وأثناء عمليات التفتيش خضعت العريش لقرار مصادرة آلاف الهواتف المحمولة وتخزينها فى أقسام الشرطة عقب بداية الحملة في 9 فبراير 2018، قبل الإعلان عن إمكانية استردادها من أقسام الشرطة في يونيو.

عدد من الأهالي استرد بالفعل أجهزته، بينما استلم مواطنون أجهزة تعود لآخرين، ومجموعة ثالثة استلمتها لكنها كانت معطلة، وفريق رابع لم يذهب لاستلام هواتفه من الأساس.

صورة بالأقمار الصناعية وردت في تقرير هيومن رايتس ووتش عن الطرق المغلقة في الشيخ زويد

تأمين البرث

يصف أحد الأهالي من قرية "البرث" جنوب رفح بأن الأوضاع في القرية باتت أفضل مقارنة بما حدث في الشهور الأولى لإطلاق العملية الشاملة. يقول "عاد الأهالى إلى القرية بعد أن هجروها نظرًا لمخاطر تسلل عناصر من تنظيم ولاية سيناء إلى مضارب القرية".

يضيف "عناصر من اتحاد القبائل، وهي مجموعة أهلية مسلحة بموافقة الحكومة، ينتشرون في القرية بشكل كبير، وهؤلاء يحفظون حدود القرية من تسلل أى عناصر إرهابية، خاصة من جهة الشمال حيث يقع شريط صحراوي يرجح لجوء هذه العناصر إليه.

يقول أحد المصادر للمنصة إن تحضيرات ربما تتم حاليًا لتمشيط هذا الشريط الصحراوي الذى يبدأ جنوب الشيخ زويد ورفح، ويمتد حتى جنوب العريش، هذه المواقع ذات طبيعة جغرافية وهي العجراء جنوب رفح، والجميعي و البواطي جنوب الشيخ زويد، والعقدة جنوب العريش وهى منطقة تمتد لحوالي 50 كيلو مترًا عرضًا جنوب المدن الثلاث.

ويرى أكثر من شاهد عيان التقتهم المنصة على مدار أسبوع، إن الفعل العسكري الأكثر تأثيرًا على صفوف ولاية سيناء خلال العام 2018 كانت عمليات القصف الجوي سواء بالطائرات إف 16، أو الطائرات بدون طيار التي تحلق على مدار الساعة.

خسائر لكن التنظيم مستمر

ويدلل الشهود على مقتل قيادات تنظيمية نتيجة للقصف الجوي بالقول بأن تنظيم ولاية سيناء أعلن أكثر من مرة خلال العام الماضي عن مقتل عناصر قيادية بينهم ضباط سابقين، ومتطوعين يحملون الجنسية الفلسطينية، نتيجة لهجمات جوية، وهو ما حدث في إصدار سبيل الرشاد الذي بثّته وكالة أعماق، الذراع الإعلامية لتنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية نهاية العام الماضي.

ولم يرغب فرع تنظيم الدولة الاسلامية "ولاية سيناء" أن يترك الساحة لإثبات قدرته على الاستمرار رغم الحشد الأمنى برًا وجوًا وبحرًا؛ فاتخذ من المسافة التي تقع غرب العريش قرب قرى الروضة وسبيكة والمزار والميدان وزارع ملعبًا لاستعرض قدرته على عمل كمائن على مسار الطريق الدولي الساحلي المتخم بالكمائن الأمنية.

حرب الأذرع الطويلة

في شهر يناير 2019 وحتى مطلع فبراير استولى التنظيم على 3 سيارات حكومية منها سيارة تابعة لإدارة المحاجر، وأخرى لمجلس مدينة بئر العبد، وثالثة لتتبع إدارة العلاقات العامة بديوان عام المحافظة، وذلك من خلال الكمائن قرب قرية سبيكة.

وأعلن التنظيم خطف شخص يعمل في البحث الجنائي بمديرية أمن شمال سيناء. وفي 6 فبراير 2019 حرقت عناصر من التنظيم لودر و3 شاحنات تعمل في إنشاءات الطرق بقرية الجفجافة وسط سيناء وهو موقع يبعد كثيرًا عن ملعب التنظيم الرئيسي جنوب المدن الثلاث الشمالية.

بعد مرور عام على إطلاق العملية الشاملة؛ يعيش الأهالي حاليًا على أمل أن يكون 2019 هو عام الحسم، فبعد سنوات تكرر فيها السؤال متى تنتهي المعاناة، فهل يلبي العام 2019 الأمنيات، أم إنه يحمل مزيدًا من الأسئلة الغامضة.


المنصة تغطي على الأرض من سيناء.. يمكنك المتابعة من هنا