النمر الصربي أركان عام 1988.. الصورة من PA.

نمور أركان.. إرهاب الأميال العشرة نحو فوكوفار

بالطبع لم تكن الأجواء في المدرجات ودية، غالبية حشود مشجعي فريق أوبيليتش هم محاربون قدماء في تنظيم "النمور"، العديد منهم يحملون سلاحًا بالطبع، يغنون هتافات على شاكلة "سنكسر ساقيك، سوف تمشي على يديك".

قبل عشرين سنة أصبح إف كي أوبيليتش بطلًا وطنيًا في يوغوسلافيا بعد فوزه ببطولة الدوري. لقد كان هذا إنجازًا رائعًا عندما نأخذ في الاعتبار أنه كان موسمهم الأول على الإطلاق في الدرجة الأولى، والمرة الوحيدة الذي يخرج فيه هذا اللقب لأي نادٍ آخر سوى ريد ستار أو بارتيزان.

ظل إف كي أوبيليتش بين أندية النخبة حتى هبوطه في عام 2006، والذي كان بداية النهاية لواحدة من قصص النجاح القصيرة التي تتمثل في الأندية الصغيرة التي أخذت صيتا ذائعا لفترة محدودة نتيجة توافر رأس المال والنفوذ، قبل أن يخفت الصيت بنهاية هذا النفوذ.

بعد معاناة مع الهبوط المتتالي خلال المواسم الستة التي تلت ذلك الإنجاز الوحيد، أصبح الفريق الذي تعادل 1-1 مع بايرن ميونيخ في تصفيات دوري أبطال أوروبا 1998-1999، ينافس في دوري الدرجة السابعة في صربيا.

في ليلة 15 مايو 1998، كان التعادل 1-1 في ملعب بريتولير كافيًا لإحراز لقب جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية (الدولة المكونة من صربيا والجبل الأسود) على حساب النجم الأحمر، الذي تعثر بهزيمته أمام فريق زيلينيتش المتواضع. أنهى أوبيليتش بفارق نقطتين عن جيرانه أهل القمة، وخسر مباراة واحدة فقط طوال هذا الدوري. كما وصلوا إلى نهائي الكأس في ذلك العام، لكنه خسر أمام بارتيزان بلجراد.

أركان يداعب رمز جماعته.. الصورة من موقع vice.

أسوأ من عقلية رابحة

لاعب وسط الميدان المميز نيناد جروزديتش، الذي لعب 11 مباراة دولية مع يوغوسلافيا الاتحادية، شعر بأن المفتاح لنجاحهم كان نسبة إلى رئيس النادي جيليكو راونتاتوفيتش بقوله: "لقد أعطانا عقلية رابحة".. ولكن في الحقيقة ما قدمه للنادي كان أسوأ بكثير من العقلية الرابحة.

كان أركان، الاسم المختصر لجيليكو راونتاتوفيتش، زعيمًا عسكريًا متوحشًا، قام بعمليات تطهير عرقية دمويا عبر غرب البلقان في أوائل التسعينات عندما أسس وقاد الحرس المتطوع الصربي. أما نمور الأركان التابعين له فاشتهروا بسبب دورهم في التطهير العرقي للسكان غير الصرب في أجزاء من كرواتيا والبوسنة. كان الكذب والاحتيال والأيدي الملوثة بالدماء وراء أفكار المجموعة الصربية الكبرى، أما ممارسة النهب على نطاق واسع، فلم تكن أمرًا غير شائع.

احتلت السوق السوداء مكانة كبيرة في يوغوسلافيا نتيجة للحظر الاقتصادي والتجاري الذي فرضته الأمم المتحدة يوغوسلافيا، وتسببت في أن يصبح أركان أحد أغنى الناس في البلاد، ولكن أدى تورطه الأكثر ظلمة في الحروب إلى اتهامه من قبل المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة (ICTY) في عام 2000 بأمر أفظع من بين أمور أخرى، تهمة بتسببه في عمليات اتسمت بالإبادة الجماعية.

أركان مع جماعته الشهيرة في بلدة إيردوت بكرواتيا عام 1991.. الصورة من PA.

ولتحقيق ما يسمى بـ"العقلية الرابحة" التي تحدث عنها لاعب الوسط بفريق أوبيليتش، زرع أركان الانضباط العسكري في الفريق وادعى أن لاعبيه كانوا الأعلى أجرًا في البلاد، ولكن على أرضية ممهدة بالغش والخداع، لم تكن تلك هي الصورة الكاملة، فسمعته وحدها كافية ليرى الجميع أن لاعبي الفرق المنافسة لم يبذلوا أي جهد ضد فريقه، المباريات كانت تقام في جو من التهديد والرعب، بينما السماء ملبدة برائحة امتزاج الدم بلهب البارود.

في تلك الفترة كان تهديد المنافسين يذكر على نطاق واسع حتى أن أركان هدد شخصيًا مهاجم فريق منافس بإطلاق النار على قدميه إذا سجل هدفًا في مرمى أوبيليتش، وادعى لاعب آخر أنه حُبس داخل مرآب عندما واجه فريقه أوبليتش. كانت هناك شائعات حتى عن غرف خلع الملابس بأنها كانت شيئا أصعب من غرف الغاز الشهيرة قبل المباريات، وهي قصة بالطبع يصعب تصديقها ولكن إدارة ريد ستار قررت إدخال حافلة الفريق إلى الملعب أثناء المباريات مع أوبيليتش وجعلها غرفة خلع ملابس بدلًا عن دخول الغرف المخصصة لهم والمليئة برائحة الغازات المثبطة والتي تسبب الكسل وتساعد على النوم، وتجنبوا كذلك الذهاب إلى هذه الغرف بنهاية الشوط الأول.


بالطبع لم تكن الأجواء في المدرجات ودية، غالبية حشود مشجعي فريق أوبيليتش هم محاربون قدماء في تنظيم "النمور"، العديد منهم يحملون سلاحًا بالطبع، يغنون هتافات على شاكلة "سنكسر ساقيك، سوف تمشي على يديك". خلال الموسم التالي ، اشتكى لاعب النجم الأحمر بيريكا أوجينيوفيتش الذي لعب في مونديال فرنسا 1998 صراحة على صفحات جريدة البايس الإسبانية من أن "هذه ليست كرة القدم، هذه هي الحرب التي يعلنها أركان ورفاقه، أعتقد أنني سأترك هذا البلد بشكل نهائي". هذا حين انضم إلى ريال مدريد في عام 1999.

على رادار الإنتربول

خلال السبعينيات والثمانينيات، كان أركان على رادار الانتربول بسبب سجله الغزير كأشهر لص للبنوك في جميع أنحاء أوروبا الغربية. قضى بعض الوقت وراء القضبان في بلجيكا وهولندا وألمانيا وسويسرا، ولكنه في كل مرة تمكن من الفرار بفضل أنصاره من فرقة النمور. صنع سمعة أسطورية تقريبا نتيجة لذلك.

بعد أن نفذ مع اثنين من المقربين منه عملية سرقة لأحد بنوك ستوكهولم، قبضت الشرطة على أحد هذين الشخصين. أركان ومن معه ورغم حيازتهم كل ما سرقوه، أنقذا شريكهما ولاذ الجميع بالفرار. وبعد ستة أيام من الملاحقة قبض عليهم جميعًا، ولكن أثناء نقلهم للمحاكمة، انقضت فرقة النمور على العربة التي تقلهم وتم تحرير الرجال الثلاثة.

بعد فترة ليست طويلة، وظفت الشرطة السرية اليوغوسلافية UDBA أركان كقاتل أجير. وعاد إلى بلجراد في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي، وأدار ملفات الجريمة الجنائية مع وعده بالإفلات من العقاب.

أركان يطلق النار في السماء احتفالا بزواجه عام 1995.. الصورة من PA.

في بداية دخول أركان إلى عالم كرة القدم حاول شراء نادي النجم الأحمر، لكن عرضه تم رفضه من نجم النادي الأعظم دراجان داجيتش، الهداف القياسي للنادي والرئيس. كانت لدى أركان علاقات سابقة مع ريد ستار عندما كان مسؤولًا عن تدريب المشجعين على هتافات معينة بعد مخاوف من أن يصبحوا معارضين، وبذلك جمع أركان كل أنصار الفريق معًا تحت مظلة واحدة ودربهم كأنهم جيش واحد. إن فريق "hardmen" الشهير سوف يكون بداية الفرق التشجيعية التي يؤسسها أركان من أجل انضمام أفضلهم فيما بعد إلى فرقة النمور الخاصة به.

بدايات الترهيب في النجم الأحمر

أدار أركان كل شيء من مبيعات التذاكر إلى السفر للخارج، ووصل الأمر إلى ترهيب مسؤولي المباريات من أجل ضمان النصر للنجم الأحمر. بنى لنفسه قصرًا فاخرًا يطل على البحر من مكافأت مسؤولي النجم الأحمر بعد فوزهم بدوري الأبطال، وتمرينًا له على عصر انقض فيه اللصوص الرأسماليين مثله على أنقاض الشيوعية بعد وفاة جوزيف تيتو في أوائل الثمانينات، كانت حياته مع فريق النمور الخاص به أشبه بحاكم في قلعة عسكرية أرضيتها من الرخام اللامع وزجاج غرفها على آثاره بعض الدخان ونقط صغيرة من الدماء، أما الدور الأخير من القصر تعلوه أطباق من الأقمار الصناعية.

في غضون سنة، بدأ في تجنيد وتنظيم مجموعات من القوميين -النمور شبه العسكرية الشهيرة- لمحاربة الحرب "الوطنية" في كرواتيا، وفي وقت لاحق، في كوسوفو. تعلقت الحروب بالتجارة بقدر ما تعلقت تتعلق بالسياسة. من خلال غزو ونهب وإقامة احتكارات في شركات النفط والكحوليات والسجائر، راكم أركان وأرباب العمل ثرواتهم بينما كافح الصرب العاديون في الحرب بلا أي طائل.

لا شئ سوى الرعب.. مواطن بوسني تحت قبضة فرقة النمور عام 1996.. الصورة من PA.

مشجع النجم الأحمر التقليدي لا يحب في حياته سوى النجم الأحمر والشرب بأحد الحانات، أحيانًا ينتهي الأمر بتحطيم الحانة في شجار ما، أو وضع شعارات العداء لليهود أو المثليين أو البوسنيين والكروات. ولكن مع أركان توقفت المجموعات تحت يديه عن كل ذلك دفعة واحدة. جعلهم يقصون شعرهم، يحلقون ذقونهم بانتظام، لا يشربون أبدا.

عندما يلتقي النجم الأحمر في بلجراد مع منافسه المحلي بارتيزان، يتسم الجو بالكراهية والعدوان، منافسة شرسة ومغرية للمتابعة كأي ديربي دموي في عالم كرة القدم، ولكن ما حدث بعد ظهر يوم 22 مارس 1992 عندما زار بارتيزان ملعب ماراكانا معقل ريد ستار، لم يكن أمرًا يتصل بكرة القدم.

مباراة روتينية في بطولة الدوري، الاشتباكات المعتادة بين الجماهير ومحاولات مشجعي النجم الأحمر في المدرج الشمالي إسكات أنصار بارتيزان، ووصمهم بأنهم قاذورات مثل الأتراك والمسلمين والسود والشيوعيين. لم يكن هناك شيء غير عادي حتى الآن، إلى أن توقف الهتاف فجأة.

مجموعة من فرقة النمور بزيهم الأسود الكامل يتخذون مواقعهم في المدرج الشمالي، واحدًا تلو الآخر، يحملون لافتات "20 ميلاً إلى فوكوفار"، "10 أميال إلى فوكوفار"، "مرحبا بك في فوكوفار". تم اكتشاف المزيد من لافتات على الطرق المؤدية للملعب، تحمل كل واحدة منها اسم فوكوفار تلك المدينة كرواتية التي سقطت على يد الجيش الصربي بفضل أول إطلاق للنار داخل المدينة من مجموعة النمور بقيادة أركان.

في أعلى المدرج، ظهر أركان بطل المعركة أمام الجماهير، القائد العام سيئ السمعة بفرقة النمور ومدير روابط أنصار النجم الأحمر يستقل بتصفيق حاد من جماهير بارتيزان والنجم الأحمر معا الذين لم يعودوا مشتتين ولكنهم متحدون في كراهية عدو مشترك هو الكروات.

إرهاب جماعة النمور في مباراة مارس الشهيرة عام 1992.. المصدر من موقع Ultra Sport.

لقد أدرك أركان أن النجم الأحمر قد يكون بالنسبة له ما كان ريال مدريد من لفرانكو، أو فريق إيطاليا الذي يلعب بقمصان سوداء رمزا لموسوليني.

من بريشتينا إلى أوبيليتش

بعد رفض داجيتش عرض أركان لشراء النادي، تحول أركان انتباهه سريعا إلى نادي بريشتينا في كوسوفو المركز الثقافي للقومية الصربية. كان أول عمل له كمالك للنادي هى الاستغناء عن جميع اللاعبين من العرق الألباني، وغير اسم النادي إلى أوبيليتش.

تقول الأسطورة أن ميلوش أوبيليتش كان فارسا في خدمة الأمير لازار أحد الحكام العظام في القرون الوسطى. حارب في معركة كوسوفو المأساوية الصربية ضد الإمبراطورية العثمانية في عام 1389، وهي هزيمة أفقدتهم بلادهم لمدة خمسمائة سنة لصالح المسلمين.

ولكن الفولكلور الصربي يصوره كبطل قتل بنفسه السلطان مراد الأول، صحيح أن كتب التاريخ ليست متأكدة من تلك الواقعة، ولكن القومية الصربية متجذرة في فكرة أنها الضحية الأبدية بسبب عرض قدمه لازار عندما زاره ملاك رباني عشية المعركة. لقد أُعطي الاختيار له إما مملكة سماوية أبدية له فينهزم أو مملكة أرضية زائفة فينتصر. النصر أو الهزيمة فاختار لازار الفداء والهزيمة من أجل مجد سماوي دائم. يرى الصرب أنهم "شعب سماوي" أو شعب الله المختار كما العقيدة اليهودية منذ تلك الهزيمة الأليمة في كوسوفو. لقد اختاروا السماء على حساب الأرض، أما اللص أركان، فقد رأى نفسه ميلوش أوبيليتش العصر الحديث.

تولى أركان الدفة في يونيو/ حزيران 1996، وغير لون الطقم إلى اللون الأصفر تحية لنموره. تمت ترقيتهم إلى المربع الذهبي بعد موسمه الأول. بحلول صيف 1998، شعر اليوفا بالريبة من السياسات السابقة لأركان، فحرموا أوبيليتش من المنافسة في دوري أبطال أوروبا، لذلك استقال أركان من منصبه كرئيس وعين زوجته المغنية توربو فولك سيسا راونتوفيتش في مكانه وكانت في واقع الأمر مجرد دمية أرضت اليوفا.

ولكن أركان ظل غاضبًا من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، واستمر غضبه حتى 2008 عندما أفادت إحدى شركات التلفزيون الصربية بأنّ أركان أرسل إلى مدينة فيينا فرقة من النمور لتسديد ضربة قاضية من أجل قتل رئيس الاتحاد الأوروبي لكرة القدم لينارت يوهانسن، لكن الفرصة المناسبة لم تظهر أبدًا.

كانت رسالة التهديد واضحة حين تركت أمام غرفة يوهانسن في فندقه الشهير "لا تغضب النمور مجددا".

حفل زواج أركان بزوجته سيكا، التي تولت أعمال نادي أوبليتش بعد وفاته.. الصورة من PA.

"لا يوجد شيء يمكنك القيام به عندما يريد قاتل محترف أن ينهي حياتك. بالطبع أنت خائف، بالطبع أنت منزعج، لكن ما الذي يمكنك فعله؟" هكذا قال السويدي العجوز لأحد القنوات السويدية عام 2008.

بعد عودة النادي إلى المسابقة والتخلص من خصم آيسلندي في المرحلة التأهيلية الأولى، واجه في المباراة التالية بايرن ميونيخ. التعادل الذي حققوه على ملعبهم لم يكن كافيًا بعد خسارة بالأربعة في بافاريا. لكنهم انتقلوا إلى المراحل الأولى من كأس الاتحاد الأوروبي، ومرة ​​أخرى خذلتهم قوتهم ضد فريق آخر من النخبة الأوروبية، حيث خسروا 3-0 في مجموع المباراتين أمام أتليتيكو مدريد.

بعد مباراة بايرن تعامل أركان بأسلوبه الإداري المميز الخاص مع الفريق؛ أمر الحافلة بالتوقف على بعد 30 كيلومترا من بلجراد، وأخبر اللاعبين بالسير على بقية الطريق إلى البيت.

تم اغتيال أركان في 15 يناير 2000 في بهو فندق بلجراد. ما زالت خلفية الحادث غامضة، لكن التكهنات تشير إلى أنه كان رجلاً يعرف الكثير عن جرائم أركان وقت مذابح الصرب ضد البوسنة وكوسوفو عندما شددت المحكمة الجنائية الدولية ليوغوسلافيا السابقة شبكتها على زمن الحرب ضد الرئيس سلوبودان ميلوسيفيتش ورفاقه. في وقت وفاته كان النادي مرة أخرى على قمة الدوري الصربي بعد عشرين جولة لم يلق خلالهم سوى هزيمة واحدة في المباراة الافتتاحية. لكن عامل التخويف والترهيب مات، ورثت زوجته سيسا سافيتش النادي وتراجع أوبيليتش إلى المركز الثالث. ثم المركز الثالث والرابع في السنوات المقبلة.

إن أوبيتليتش الآن ليس سوى نادٍ يضم لاعبين هواة، ينافسون في دوري الدرجة السابعة في صربيا. ويبدو أنهم غير مهتمين على الإطلاق بالمئات من بقايا فرقة النمور الذين نجوا من قصف الناتو والحرب ضد البوسنة والهرسك، ويتذكرون باعتزاز الوقت الذي كانوا فيه أبطالًا للدوري تحت قيادة بطلهم القومي الأكثر إثارة للجدل في تاريخ صربيا.