تصميم: يوسف أيمن

بقوائم الواتساب والإيميل: كيف تدير الدولة أذرعها الإعلامية؟

المصدر ذاته كشف أن التوجيهات التي وصلت للقناة شملت ترشيحات بعينها من مجلس النواب للظهور سواء كضيوف في الأستوديو أو عبر مداخلات هاتفية، للحديث عن التعديلات الدستورية.

مع تسلم مصر الرئاسة الدورية للاتحاد الأفريقي، قبل نحو أسبوعين، وصل تعميم من جهة سيادية إلى قناة تتبع مجموعة إعلام المصريين بحظر استضافة النائبين البرلمانيين مصطفى الجندي ومي محمود، من أجل التعليق على أي شيء يتعلق بفعاليات القمة الأفريقية.

المصدر الذي أمد المنصة بنص التعميم الذي أرسل عبر واتساب، يعمل في إحدى المؤسسات الإعلامية التى تتبع حاليًا ملكية مجموعة إعلام المصريين، المملوكة لشركة "إيجل كابيتال" التابعة للمخابرات العامة المصرية، أكد أن هذا التعميم وزع على كل القنوات والوسائل الإعلامية المملوكة للمجموعة، ولكنه لم يستطع تأكيد هوية الجهة التي أرسلت تعميم الحظر "مفيش جهة بعينها أقدر أحددها، لكن فيه عدة جهات لها وقائع سابقة في حظر استضافة ضيوف أو التوصية بضيوف معينة للاستضافة".

صورة من التعميم الصادر عبر واتساب بشأن حظر النائبين مصطفى الجندي ومي محمود

مصدر ثان يعمل ضمن مجموعة قنوات دي إم سي، التابعة لشبكة دي ميديا الإعلامية المملوكة لجهاز سيادي آخر، أكد وصول التعيم عينه بحظر النائبين، الجندي ومي محمود، من الظهور إعلاميًا عبر القنوات الفضائية المملوكة للمجموعة، أو عبر نشرات راديو 9090 وموقع مبتدأ الإخباري اللذين يتبعان دي ميديا.

"لما سألنا قالوا التعليمات أنهم ميطلعوش دلوقتي لأن آراءهم مش هتبقى خادمة التوجه أوي في مسألة رئاسة مصر للاتحاد الأفريقي"
مصدر في قناة دي إم سي

الآراء المعلنة للجندي وميّ

مصطفى الجندي هو نائب برلماني مخضرم، مؤسس في جناح المعارضة البرلمانية منذ برلمان 2005 وحتى برلمان 2012، يشغل في الوقت الحالي بالمجلس عضوية لجنة الشؤون الأفريقية إلى جانب كونه المستشار السياسي لرئيس البرلمان الأفريقي، حسبما نقل على لسانه في عدة مقابلات صحفية سابقة. وقد ترشح في مايو/ أيار 2018 لمنصب رئيس البرلمان الأفريقي، قبل أن يخسر الانتخابات في الشهر التالي ليعتبر حينها أن سبب خسارته "ضغوط خارجية" مورست على الدول الأعضاء.

رأي الجندي في رئاسة مصر للاتحاد الأفريقي لا يبتعد عن موقف الحكومة في هذا الصدد؛ ففي تصريحات صحفية نشرت تزامنًا مع القمة على لسانه قال إن "الجميع في القارة الأفريقية يتطلع لقيادة مصر للاتحاد الأفريقي في ظل التحديات العديدة التي تواجه القارة".

اما النائبة مي محمود، فهي عضو لجنة الشؤون الإفريقية إلى جانب توليها منصب نائب رئيس لجنة الزراعة والبيئة بالبرلمان الأفريقي، وكانت بحسب تقارير صحفية من بين المشاركين في القمة الأفريقية الأخيرة في أديس أبابا والتي تسلمت مصر خلالها رئاسة الاتحاد.

المصدر الذي يعمل بمجموعة قنوات دي إم سي، التابعة لشبكة دي ميديا الإعلامية أوضح لـ المنصة أنه "لما سألنا قالوا التعليمات أنهم ميطلعوش دلوقتي لأن آراءهم مش هتبقى خادمة التوجه أوي في مسألة رئاسة مصر للاتحاد الأفريقي"، ولم يملك المصدر تفاصيل أكثر.

في الوقت الذي نفى فيه النائبان، الجندي ومحمود، معرفتهما بالأسباب التي أدت إلى اتخاذ مثل هذا القرار بحقهما، في سؤال للمنصة.

تمكن الأذرع الإعلامية

بينما كان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وزيرًا للدفاع، تحدث في لقاء خاص عقده مع مجموعة من ضباط القوات المسلحة تسرب لاحقًا بالصوت والصورة، عن أهمية "زرع أذرع إعلامية" في المؤسسات الصحفية، لمواجهة تغيّر كيفية تناول القوات المسلحة في الإعلام بعد ثورة 25 يناير، وما وصفه أحد الضباط تحدث خلال اللقاء بأنه "تطاول" على الجيش.

في هذا اللقاء الذي سُرّب خلال الأسابيع التالية على عزل الرئيس الأسبق محمد مرسي في يوليو/ تموز 2013، قال السيسي "إنت عشان تعمل دا (مواجهة تناول أخبار القوات المسلحة إعلاميًا بعد انخراط قيادة الجيش في السياسة بعد الثورة) لازم يكون لك أذرع، والدراع عبال ما بيتعمل على مستوى الدولة بياخد وقت وجهد طويل".

وتابع "إنت بتاخد وقت طويل جدًا عبال ما بتستطيع إنك إنت تمتلك حصة مناسبة في التأثير إعلاميًا. إحنا شغالين في دا؟ أكيد. بنحقق نتايج؟ أفضل. لكن اللي إحنا عايزينه لسة ما وصلنالوش".

الإعلام السبب

بعد هذا اللقاء المسرّب انتقد السيسي علانية خلال السنوات الأولى لانتخابه رئيسًا، أكثر من مرة، وسائل إعلام وجهت نقدًا لتعامل الحكومة مع أزمات مثل تكرار انقطاع الكهرباء أو سقوط ضحايا نتيجة هطول بعض الأمطار، واتهم الإعلاميين بأنهم "ناس ولا عارفة أي حاجة، بس قدامي ميكروفون بتكلم فيه أو جرنال بكتب فيه (..) بالطريقة دي إحنا بننشر جهل وعدم وعي حقيقي بين الناس".

وتلى حديث السيسي المسرّب عن ضرورة زرع أذرع للدولة في وسائل الإعلام، ثم هجومه المتكرر على الإعلاميين والصحفيين، استحواذ رجل الأعمال أحمد أبو هشيمة الذي يعمل بشكل رئيسي في مجال حديد التسليح على فضائية أون تي في من الملياردير نجيب ساويرس، وعلى صحيفتي اليوم السابع وصوت الأمة وعدة مواقع إلكترونية، قبل أن يقرر بيع حصته كاملة، بشكل مفاجئ أيضًا، دون إعلان أي أسباب، لشركة إيجل كابيتال التابعة للمخابرات في ديسمبر/ كانون الثاني 2017، وذلك في تحقيق كشف تفاصيل الصفقة، نشره موقع مدى مصر في نفس الشهر.

مَن يملك الإعلام ؟

في 10 سبتمبر/ أيلول الماضي، أعلنت مجموعة إعلام المصريين عن شراء الحصة الحاكمة (نسبة 51%) من أسهم مجموعة المستقبل القابضة للإعلام والاتصالات والتي تتضمن فيها شبكة قنوات سي بي سي، لتكون المجموعة أحدث ممتلكات إعلام المصريين، بعدما كانت قبلها بأشهر قليلة قد وضعت يدها على مجموعة قنوات الحياة، في يوليو/ تموز 2018، فضلا عن كونها مالكة شبكة قنوات أون وموقع وجريدة اليوم السابع، وترددات راديو النيل، وشركة بريزنتيشن الرياضية.

مصدر ثالث يعمل أيضا ضمن طاقم عمل قناة إكسترا نيوز، والتي تعتبر الذراع الإخباري الرئيسي لمجموعة إعلام المصريين في الوقت الحالي بعد تسويد وإغلاق قناة أون لايف في 28 يوليو 2018، كشف عن واقعة أخرى قريبة حول سيطرة الأجهزة على الضيوف الذين يظهرون على شاشات الفضائيات.

بحسب المصدر الذي كان مُطلعًا على الواقعة، فقد تم إبلاغ فريق إعداد برنامج المواجهة الذي تقدمه الإعلامية ريهام السهلي في 3 فبراير/ شباط الجاري بأن ضيف الحلقة سيكون النائب البرلماني كريم سالم نائب رئيس ائتلاف دعم مصر، المحرك الرئيسي للتعديلات الدستورية، للحديث عن "إيجابيات" التعديلات المقترحة ومدى "حاجة الدولة لها في الوقت الحالي"، رغم أن فريق الإعداد كان يبحث عن ضيف آخر، لكن تم إبلاغهم بـ"التوقف عن البحث والضيف سيكون موجودًا في الموعد".

بالعودة للحلقة سنجد النائب أشاد بالتعديلات، ومدى قدرتها على تمكين الشباب في المناصب القيادية.


المصدر ذاته كشف أن التوجيهات التي وصلت للقناة، والقنوات الأخرى، شملت ترشيحات بأسماء بعينها من داخل مجلس النواب للظهور سواء كضيوف في الاستوديو أو عبر مداخلات هاتفية، للحديث عن التعديلات الدستورية.

وكشف أن القائمة ضمت السيد الشريف وكيل مجلس النواب وأحمد السجيني رئيس لجنة الإدارة المحلية والنائب أحمد حلمي الشريف وكيل اللجنة التشريعية والنائب طارق رضوان رئيس لجنة الشؤون الأفريقية والدكتور محمود حسين وكيل لجنة الشباب والرياضية والنائب محمد أبو حامد وكيل لجنة التضامن بمجلس النواب والنائبة داليا يوسف عضو لجنة العلاقات الخارجية والنائب طارق الخولي عضو لجنة العلاقات الخارجية أيضا.

المروّجون للتعديلات: محمد أبو حامد ظهر على 4 قنوات في 3 أيام فقط. وداليا يوسف وطارق الخولي 3 مرات في يومين. ووكيل لجنة الشباب 4 مرات في 10 أيام، ووكيل التشريعية 5 مرات في 10 أيام.

المصدر الدوّار

بمراجعة ما دار في الأيام الأخيرة على شاشات القنوات، وتحديدًا منذ فتح ملف التعديلات الدستورية رسميا في 3 فبراير الجاري، سنجد أن هذه الأسماء كانت حاضرة بقوة إعلاميًا.

محمد أبو حامد ظهر في 4 فبراير على شاشة أون إي عبر برنامج كل يوم، ثم في أربع مناسبات تلفزيونية من 13 وحتى 16 فبراير، ما بين مداخلات وحضور عبر الاستوديو في برنامج اليوم بشاشة دي إم سي، وبرنامج رأى عام بقناة تن، وبرنامج مصر النهاردة بالتلفزيون المصري، وبرنامج على مسؤوليتي بصدى البلد.

أما داليا يوسف فقد ظهرت على شاشة أون إي في برنامج كل يوم في 3 فبراير، ثم أجرت حوارًا عبر مصر النهاردة في التليفزيون المصري في 5 فبراير، ثم مداخلة تليفونية في اليوم نفسه عبر برنامج مساء دي إم سي.

ظهر صوت طارق الخولي في مداخلة هاتفية مع برنامج الحياة اليوم عبر فضائية الحياة، ثم في 13 فبراير أيضًا أجرى داخلة أخرى لبرنامج ما رواء الحدث، عبر فضائية إكسترا نيوز، ثم في 14 فبراير ظهر مرة ثالثة بمداخلة هاتفية مع برنامج كل يوم لفضائية أو إي.

وكيل لجنة الشباب والرياضة محمود حسين ظهر للمرة الأولى في حوار يوم 4 فبراير مع تامر أمين عبر فضائية النهار في برنامج أخر النهار، ثم في 5 فبراير في حوار عبر قناة تن في برنامج بالورقة والقلم مع نشأت الديهي، ثم في 13 فبراير في مداخلة مع الإعلامية عزة مصطفى في برنامج صالة التحرير بصدى البلد، ثم في مداخلة مع سعيد حساسين في 14 فبراير عبر برنامج انفراد على فضائية الرافدين.

ظهور طارق رضوان للحديث عن التعديلات الدستورية كان محدودًا، إذ تحدث في مناسبتين فقط عن الدستور، الأولى في 5 فبراير خلال لقاء مع برنامج هنا العاصمة المذاع عبر فضائية سي بي سي، والثانية خلال مداخلة هاتفية ببرنامج آخر النهار، المذاع عبر فضائية النهار في 13 فبراير.

السيد الشريف، وهو الوكيل الأول لمجلس النواب، لم يظهر قط في أى مداخلات هاتفية أو برامج تلفزيونية كضيف، بل اقتصرت تصريحاته عن الدستور في جلسة مع المحررين البرلمانيين يوم 17 فبراير.

وظهر أحمد السجيني رئيس لجنة الإدارة المحلية قبل 24 ساعة من تقديم إئتلاف دعم مصر لمذكرة التعديلات وتحديدًا في 2 فبراير عبر برنامج الحكاية مع عمرو أديب على فضائية إم بي سي مصر، ثم توالى الظهور في 13 فبراير عبر مداخلة هاتفية ببرنامج ما رواء الحدث عبر فضائية إكسترا نيوز، ثم في 14 فبراير عبر برنامج أخر النهار مع تامر أمين على فضائية النهار.

الظهور الأول لوكيل اللجنة التشريعية أحمد حلمي الشريف كان في 3 فبراير عبر لقائه ببرنامج بالورقة والقلم، الذي يقدمه الإعلامي نشأت الديهي عبر فضائية تن، ثم في 4 فبراير عبر برنامج كل يوم في فضائية أون إي كضيف، ثم خلال مداخلة هاتفية لبرنامج صالة التحرير في 13 فبراير، ثم في مناسبتين في 14 فبراير، الأولى عبر برنامج آخر النهار مع تامر أمين، ثم في مساء اليوم ذاته في برنامج مصر النهاردة في التلفزيون الرسمي للدولة.

أعداء أحيانًا.. أحباب أحيانًا

لوهلة تبدو هناك منافسة بين دي ميديا وإعلام المصريين. منافسة بين مؤسستين تسعى كل واحدة منهما لجذب أكبر عدد من المشاهدين وتحقيق أكبر ربح من الإعلانات، ومنافسة من نوع آخر تتعلق بالجهاز الذي يقف خلف كل مؤسسة منهما، ولكن ذلك لا يمنع أيضًا بعض مظاهر الود والتعاون.

فإعلام المصريين اختارت دي ميديا لتكون وكيلًا إعلانيًا لمجموعة قنوات الحياة وأون في الفترة ما بين أبريل/ نيسان ومايو/ أيار الماضيين، التعامل الظاهري أيضا كانت أبرز وقائعه هو انتقال الإعلامية إسعاد يونس وبرنامجها الأشهر صاحبة السعادة إلى شاشة دي إم سي بدلا من سي بي سي التي قدمت على شاشتها خمس مواسم من برنامجها.

وجاء في بيان رسمي من dmc في نهاية أكتوبر 2018 قائلًا "بشكل رسمي انتقل برنامج صاحبة السعادة الذي تقدمه الفنانة إسعاد يونس من قناة cbc ، إلى شبكة قنوات dmc"، لتخسر وقتها " سي بي سي" وجهًا إعلاميا وإعلانيا مميزًا، رغم أن نفس الشبكة في يوليو 2017 كانت أعلنت في بيان صحفي أنها ستنتج حلقات صاحبة السعادة لمدة 28 شهرًا، الأمر الذي يعزز فرضية التفاهمات السياسية.

قوائم حصرية للخبراء العسكريين

سيطرة الأجهزة على الإعلام لا يعود لتلك الوقائع فقط؛ بل يمتد إلى نهايات العام 2013. واقعة يرويها أحد أفراد طاقم عمل التغطية المباشرة في غرفة الأخبار بقناة سي بي سي اكسترا، حيث كان ذلك هو مسماها القديم في 2014، قبل أن تتحول بعدها إلى إكسترا نيوز بعد اندماجها مع قناة النهار اليوم، حول القوائم الموزعة على فريق الإعداد وقتها بشأن الالتزام بخبراء عسكريين بعينهم، للتعليق على الوقائع التى تتعلق بالقوات المسلحة أو أي هجمات يشنها مسلحون، وعدم الخروج عن تلك القائمة.

تعميم بالقائمة المعتمدة للخبراء العسكريين أرسلت بالإيميل لرؤساء القنوات الخاصة عام 2014

في ذلك الوقت كانت القائمة على رأسها اللواء الراحل سامح سيف اليزل، والذي بعدها تحول للسياسة ليكون رئيسًا لائتلاف دعم مصر قبل وفاته، وتضم أيضا اللواء حمدي بخيت الذي أصبح نائبًا برلمانيًا في الوقت الحالي بالأضافة للواءات مختار قنديل وعبد المنعم سعيد ونصر سالم ونبيل فؤاد وطلعت موسى وأحمد عبد الحليم، بالإضافة لاسم مميز ظهر فيها وهو اللواء كمال عامر الذي ترشح للانتخابات ضمن قوائم إئتلاف دعم مصر الذي كان وقتها يحمل اسم في حب مصر، ليكون رئيسًا للجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب منذ بداية دور الانعقاد وحتى الآن.

بعدها بثلاث سنوات في 2017، خرج القائمة الإعلامية المعتمدة للخبراء العسكريين منها سيف اليزل بعد وفاته، واستمر نبيل فؤاد وطلعت موسى وأحمد عبد الحليم، واستجدت وجوه مثل اللواءات علي حفظي وناجي شهود وهشام الحلبي وطه السيد ومحمود محي الدين وسمير بدوي.

تعميم بالقائمة المعتمدة للخبراء العسكريين أرسلت بالإيميل لرؤساء القنوات الخاصة عام 2017

اقرأ أيضًا: من وثائق البنتاجون إلى ووترجيت.. دروس الصحافة للرئيس ورجاله