مئوية الثورة والغضب| صفية زغلول.. مصر على هيئة امرأة

بينما تنافس سعد والملك فؤاد كقادة رجال في تغطيات الصحف، لم تجد صفية منافسة من القصر، فالملكة نازلي لم يرها الشعب بغير غطاء الوجه وكانت بعيدة عن الأضواء.

هكذا وصفت الكاتبة الأمريكية بيث بارون قوة حضور صفية زغلول في الحراك السياسي أثناء وبعد ثورة 1919، في كتابها Egypt as a Woman الذي تحدثت فيه عن السيدات المصريات من عصر الجواري وحتى المشاركة السياسية، وخصصت الفصل السادس فيه عن صفية زغلول.

واعتمدت بارون في كتابتها عن صفية زغلول على سيرة ذاتية كتبتها صديقتها الفرنسية فينا جيد فيدال في الأربعينيات، من واقع عيشها مع صفية خلال مارس وأبريل 1919، ومن خلال فهيمة ثابت التي رافقتها في منفى جبل طارق 1922.

تكوينها الأسري

ولدت صفية زغلول في 16 يونيو/ حزيران 1876 وهي الابنة الصغرى لرئيس الوزراء الأسبق مصطفى فهمي وأم تركية، وكان لها أختين وأخ واحد. ولم تذهب صفية للمدرسة، ولكنها تعلمت الفرنسية والتطريز على يد مدرسين أجانب.

بعد زيارة ملجأ مع أمها في سن الثالثة عشر قررت صفية كفالة طفلة. وتقول بارون إن صفية كانت تقدم وجبات يومية للفقراء، لكنها لم تنتقد الأوضاع الاجتماعية التي أدت إلى تلك التفاوتات الطبقية الكبيرة، وربما كانت أعمالها الخيرية نتاج تدينها، فكانت تضع المصحف على الوسادة وتصلي دائمًا ولم تمس الكحول طوال حياتها.

وتزوجت عام 1896 سعد زغلول القاضي الطموح وهي في سن الثامنة عشر، وكان الفرق بينهما حوالي عشرين عامًا، وربت ابني أخته (سعيد ورتيبة) وكونها لم تنجب أطفالا كان ذلك في صالحها سياسيًا أن أصبحت "أم المصريين".

وما ذكرته فهيمة عن صفية وسعد زغلول بالإضافة لصورهما معًا يقول إنهما كانا زوجين متحابين.

مقاتلة وفدية

في أعقاب اعتقال ونفي زوجها في مارس 1919 اندلعت المظاهرات في أنحاء البلاد وفكر قادة الوفد المتبقين في مصر في جمع أوراقهم والاجتماع في مكان آخر، ولكن صفية أصرت أن تستمر الاجتماعات في منزلها، وتعهدت بدعمهم "كمقاتل من حزب الوفد" وقالت إنه لا شيء يمكن أن يردعها عن العمل والقتال في مكان زوجها.

وأدركت صفية أهمية مواصلة اللقاءات في منزلها في غياب زوجها، فهذا يضمن موقفه المركزي داخل المجموعة وتركيز النشاط القومي على المنزل، الذي أصبح معروفًا على نطاق واسع باسم بيت الأمة، وهو الاسم الذي ساعد على غرس الشعور بالأسرة الوطنية. هذا أعطى أيضا صفية فرصة للعب دور محوري في الحركة.

وكان ذلك نقطة تحول في حياتها، فبعد أن عاشت في عزلة، مدركة للأحداث السياسية ولكن بعيدًا عن أعين الناس، تغير دورها الآن بشكل مثير فأصبحت شخصية عامة، حيث التقت وفود الرجال والنساء الذين تدفقوا إلى بيت الأمة، ووقعت على عرائض وخطبت في المتظاهرين الذين استخدموا المنزل كنقطة تجمع.

عدد من المتظاهرين بشرفة بيت الأمة- اللطائف المصورة 19 مارس 1928

أم المصريين

وعن لقب أم المصريين تقول بارون إنه تم تشكيله وسط الاضطرابات، وتشير إلى رواية فينا حمل المتظاهرون شابًا مصابًا إلى بيت الأمة، فلما شعر بقرب نهايته قال لصفية "سأموت بعيدًا عن أمي"، فحاولت طمأنته متسائلة "ألست أنا أيضًا أمك يا بني؟" ليرد الشاب "بلى، ولكنك أم كل المصريين".

وفي رواية أخرى أن مجموعة من المتظاهرات من طنطا غنين أمام بيتها "عائشة كانت أم المؤمنين وصفية أم المصريين".

وتقول الكاتبة إن الشبه بين لقبي أم المؤمنين وأم المصريين منح قوة للحركة. وربما تكون صفية شجعت اللقب ليس فقط لأهميته السياسية ولكن العاطفية أيضًا.

تأثيرها على سعد زغلول

ولم تكن صفية زغلول مجرد زوجة داعمة لنضال زوجها، ولكن يبدو أنه كان لها تأثير كبير على زعيم الثورة، فتشير بارون إلى حادثة سجلتها هدى شعرواي في مذكراتها عن طلبها من سعد زغلول أن يوقف الاستقبال المهين (بالبيض الفاسد والطماطم) الذي أعده الوفد لعدلي يكن بعد عودته من المفاوضات مع بريطانيا، خاصة أنه رفض المعاهدة المعروضة عليه، ولكن زغلول قال لها "والله لو كان الأمر متعلقًا بي شخصيٍّا لأجبت رغبته إرضاء لخاطرك، ولكن إن رضيت أنا، لا يرضى غيري بذلك". وعندما سألته هدى شعرواي عمن يخالفه، أسرعت صفية زغلول وقالت له "والله يا سعد لو وضعت يدك في يد عدلي، لن أكون لك زوجة بعد الذي فعله".

بديل سعد

بعد نفي سعد زغلول إلى سيشل فضلت صفية أن تبقى في مصر رغم موافقة (أو رغبة) السلطات البريطانية في أن تصاحب زوجها، وفرضت رقابة على تحركاتها حيث كانت تشكل- بوجودها في بيت الأمة- خطورة أكثر من زوجها في المنفى.

وبررت صفية بقائها في مصر في خطاب إلى الأمة نشرته الصحف قالت فيه إنها عندما رأيت القوات تحيط بالمنزل وتملأ الحديقة لأخذ سعد، كان ميولها في البداية أن تتبعه أينما أخذته هذه القوة. لكن عندما رأت المتظاهرين يقتلون شعرت أنها لا يمكنها التخلي عنهم في مثل هذا الوقت الحرج. ثم طلبت من "أبنائها المخلصين" أن يستخدموا طاقاتهم بحكمة والتشبث بروابط الأخوة القوية، والامتناع عن العنف، "لحماية ضيوفنا، ومنازلهم وممتلكاتهم".

ضغطت صفية من أجل الإفراج عن زوجها وحاولت أن يكون صوتها مسموع دوليًا، وواصلت الكتابة في الصحف في الوقت الذي كان قادة الوفد فيه إما منفيين أو ممنوعين من الكتابة، وحاولت أن تبقي التركيز على زعامة سعد زغلول، وحذرت "أبناءها الأعزاء" من خداع السياسيين الذين تحالفوا مع بريطانيا لتشكيل حكومة جديدة في غياب زغلول ورفاقه، الذين كل جريمتهم أنهم تحدثوا باسم المصريين وطالبوا بالاستقلال. وحاولت السلطات البريطانية منع الصحف من نشر خطابات صفية زغلول باعتبارها ضد بريطانيا.

والتقت صفية بالوفود الأجنبية التي زارت مصر، وقالت للكاتبة الأمريكية جريس طومسون سيتون إن "سعد زغلول سجين في سيشل لكني أبقى هنا بديلا له، زوجته، وأحل محله". وفي ذلك اللقاء وافقت صفية أن تلتقط لها سيتون صورة بدون حجاب وترتدي فستانًا منقوش عليه علم مصر.

صفية زغلول- تصوير: جريس طومسون سيتون

واستقبلت كذلك وفودًا من أعيان الريف، وتحدثت معهم من خلف ستار ووجهت لهم الشكر على تعاطفهم وشجعتهم على الاستمرار في مطالبتهم بالاستقلال.

ووصل عدد من تستقبلهم في المرة إلى 200 شخص في اليوم، وكانت عادة ما تخطب في الوفود الذين كانت تقابلهم بجلابية حريرية بيضاء وبرقع يغطي الوجه.

وترى الكاتبة أن ذلك كان ذكاءً من صفية أن ترتدي ما يناسب الموقف، فتنوع من مظرها ما بين السيدة الريفية القوية، أو المرأة المتعلمة الحديثة، أو الأرستقراطية.

وفي خطاب إلى زوجها- اعترضته السلطات البريطانية- أخبرته عن محاولاتها إعادة المنشقين عن الوفد. ورحبت ببعض منهم في بيت الأمة بعد التوصل إلى اتفاق. وتحدثت إلى هيئة الوفد وحثتهم على بذل قصارى جهدهم من أجل قضية مصر، وأن يقسموا بأنهم سيضحون بكل مصلحة شخصية من أجل الانتصار ونسيان الماضي.

مصالح النخبة

وترى بيث بارون في كتابها أن صفية زغلول- مثل باقي النخبة المصرية- كانت تخشى أن تتخذ الاضطرابات ضد الاستعمار أبعادًا اجتماعية تهدد مصالحها الاقتصادية.

وتذكر أحد المشاهد عندما تجمع حشد غاضب من العمال والفلاحين والمراكبية والجزارين من الريف أمام بيت الأمة، وحاولت صفية تهدئة الحشد، الذي كان مسلّحًا بالعصي بإخبارهم أنهم يؤذون البلاد، وأن سعدًا كرر عدة مرات أنه لا يريد ثورة، وأنه لن يفوز بالحرية من خلال العنف. وأن قضيتهم الآن هي العودة لأعمالهم، وأن يتركوا لقادتهم مسؤولية نيل استقلال البلاد.

ووفقًا لرواية فينا (صديقة صفية) وضع أكثر من ثلاثمائة رجل وضعوا عصيهم، وهم يهتفون عاش سعد! تحيا أم المصريين!

وترى الكاتبة أن صفية- كغيرها من طبقتها- سعت لقمع الاضطرابات الاجتماعية ومنع الضرر الاقتصادي، عن طريق توجيه غضب الفلاحين والعمال نحو النضال ضد الاستعمار.

وأنها عملت في هذا بالتنسيق مع قيادة الوفد، التي كانت تتألف في معظمها من ملاك الأراضي، وكانوا يخشون العنف الذي قد يهدد ممتلكاتهم الخاصة، حيث شبح الثورة الروسية لا يمكن أن يكون بعيدًا عن الاعتبارات الخاصة بهم.

وتضيف الكاتبة أن الخطاب الأسري الذي استخدمته صفية زغلول بمهارة، كان له وظيفة مزدوجة، فمن جهة خلق شعورًا بالتضامن والوحدة بين أفراد الشعب، ومن جهة أخرى لم تكن العائلة مؤسسة مساواة، بل هي مؤسسة هرمية، فعززت تلك المصطلحات التسلسل الهرمي الاجتماعي والنوعي، مما أعطى الإحساس بأن النخبة لها حق طبيعي في القيادة، بنفس الطريقة التي يتمتع بها الآباء والأمهات بحق طبيعي في تربية أبنائهم الذين يدينون لهم بالاحترام والطاعة. باختصار، استخدم أسلوب الخطاب الأسري في هذه الحالة لتعزيز عدم المساواة الاجتماعية.

في جبل طارق

انضمت صفية إلى زوجها في جبل طارق لمدة 6 شهور قضوها في متابعة تطورات الموقف السياسي في مصر، قبل الإفراج عنه والسماح بعودته إلى مصر، وتحكي فينا أن سعدًا قال لها مرة "انظري إلى حالتي المثيرة للشفقة وضعف صحتي، وعلى الرغم من حاجتي الكبيرة لوجودي عزيزتي صفية، إذا كنت قد عرفت كيف أنها كانت بديلا لي في مصر لما كنت دعوتها أبدًا".

وسافر سعد برفقة صفية إلى أوروبا حيث التقطت لهما عدة صور في ليون بفرنسا بدون حجاب، وهناك ألقت خطبة في المصريين الذي قابلوهم.

خلاف حول وجهها

عقب إعلان الدستور أبحر سعد وصفية زغلول إلى مصر على متن نفس السفينة التي كانت تقل هدى شعرواي، وعلى المتن جرى نقاش حول وجه صفية زغلول، وهل الأفضل أن تكشفه أو تغطيه، وبحسب سيزا نبراوي (من قيادات الاتحاد النسائي) طلب سعد زغلول من هدى أن تساعد صفية على ارتداء وشاحًا على الرأس بطريقة مماثلة لها، لكن عندما جاء أعضاء الوفد للالتقاء بهم أخبروا صفية أن الناس لن يقبلوا أبدًا أن تظهر مكشوفة الوجه لأنها "أم المصريين"، وهذا يخالف العرف الاجتماعي وقتها.

الأرملة القوية

بعد وفاة سعد زغلول ارتدت صفية الأسود لبقية حياتها، وانقطعت عن السينما والمسرح ومراسم الزفاف والحفلات، ورصدت الصور التي التقطت لها حزنها وكأنها في حداد دائم، ووجهها مغطى بنقاب داكن، لم تعد تبتسم بعيون متلألئة، لكن ظهر وجهها عابسًا وبدت أكبر سنًا.

ولكن نجمها السياسي لم يخفت، فظلت سيدة الوفد القوية، وحافظت على شعبيتها التي كانت واضحة حينما استقبلتها الحشود بعد عودتها من إحدى رحلاتها بالخارج بنفس الحفاوة، وفي أبريل 1931، انضمت صفية مع نساء بارزات أخريات في مظاهرات ضد حكومة إسماعيل صدقي، وظل أعضاء حزب الوفد يلتقون في جناح ببيت الأمة بمشاركة صفية زغلول.

صفية زغلول تقرص أذن النحاس باشا- كاريكاتير في "الكشكول" 1932

وبعد إلقائها خطابًا ضد الحكومة عام 1932 من أمام قبر سعد زغلول فرضت حكومة صدقي طوقًا أمنيًا من 40 شرطيًا حول بيت الأمة، وأرسل خطابًا لصفية زغلول يهددها فيه بغلق البيت، وهو ما رفضته صفية وردت عليه بأن بيت الأمة هو مهد الحركة القومية المصرية الذي لم تجرؤ السلطات البريطانية على غلقه.

الشرطة تطارد هدى شعرواي وصفية زغلول- كاريكاتير في "الكشكول" 22 مايو 1931

رحيلها

توفيت صفية زغلول بشكل غير متوقع في 12 يناير 1946 عن عمر يناهز 69 عامًا، وصباح اليوم التالي أعلنت الحكومة وفاة "زوجة الزعيم الخالد سعد زغلول"، ونظمت لها جنازة كبيرة تقدمها رئيس الديوان الملكي وعدد من الوزراء والدبلوماسيين والأعيان وغيرهم من كبار الشخصيات، يتبعهم حشد كبير من كافة أطياف الشعب.

يمكنك الاستماع إلى هذه الحلقة التمثيلية من البرنامج الخاص من تراث الإذاعة المصرية عن صفية زغلول



للعودة إلى الصفحة الرئيسية للملف اضغط هنا.


اقرأ أيضًا: القمص سرجيوس.. ضد الإنجليز والوفد والإخوان والكنيسة