تصميم: المنصة

على هامش هجوم الشيخ زويد: عمليات ثأر متزامنة لتنظيم يتداعى

بدأ بيان ولاية سيناء بتبني العملية بجملة "ضمن غزوة الثأر لولاية الشام المباركة". هنا تكمن أبرز معاني العملية. هذه المرة الأولى التي تدخل عملية للفرع المحلي ضمن سياق إقليمي محدد للتنظيم الأم.

حملت العملية الانتحارية التي نفذها تنظيم ولاية سيناء في سوق الشيخ زويد يوم أمس الثلاثاء، بالتزامن مع عمليات أخرى نفذتها التنظيمات الموالية لتنظيم الدولة الإسلامية "داعش" جاءت جميعها تحت عنوان "غزوة الثأر لولاية الشام"، عدة دلالات على انحسار قوة تنظيم الدولة الإسلامية المركزي الذي يواجه هزائم عسكرية كبرى في آخر معاقله في شمال شرق سوريا.

وخلال شهري فبراير/ شباط ومارس/ آذار الماضيين نفذت قوات سوريا الديمقراطية، وهي قوات يتكون معظمها من الأكراد، عملية عسكرية في شمال شرق البلاد لتحرير آخر جيوب يسيطر عليها تنظيم الدولة الإسلامية، وأعلنت في 23 مارس تحرير كامل الأراضي السورية من مسلحي التنظيم الذي كان يسيطر يومًا على أكثر من ثلث مساحة العراق وسوريا.

وأسفرت عمليات الثأر المزعومة للتنظيم في سوريا والعراق والنيجر وليبيا والصومال عن سقوط نحو مئة قتيل وجريح.


في سيناء، خالفت عملية الأمس الانتحارية نمط العمليات التي اعتاد التنظيم الإسلامي المسلح تنفيذها في شبه الجزيرة.

التعاطي الإعلامي للدولة وللتنظيم

بعد ساعات من تنفيذ العملية أصدرت وزارة الداخلية بيانًا ذكرت فيه أن عمر الانتحاري 15 سنة. جاء بيان الداخلية بعد دقائق من إصدار بيان إعلان المسؤولية الصادر عن ولاية سيناء، ولم يحدد هذا الأخير أي معلومات عن المنفذ سوى كنيته؛ أبو هاجر المصري.

وبعد قليل من إصدار بيان الداخلية، وزعت وكالة أعماق، الواجهة الإعلامية للتنظيم الأم "داعش"، صورة المنفذ، ولم يكن سنه بأي حال قريبًا من السن الذي أعلنته الداخلية.

الفارق الزمني بين بيان الداخلية ونشر صورة المنفذ الحقيقية أظهر ردود فعل متفاجئة من احتمالية مشاركة قُصّر في عمليات التنظيم الإرهابي في مصر. على أي حال، وحتى إن كان المنفذ طفلًا، فلن تكن هذه المرة الأولى التي يظهر فيها أطفالًا في نشاطات التنظيم.

في يناير/ كانون الثاني 2017 أعلن التنظيم مقتل أحد عناصر وكنيته حيدرة الأنصاري، ولم يكن قد بلغ الثامنة عشر من عمره بعد.

المقاتل القاصر ضمن صفوف داعش حيدرة الأنصاري

وبرزت مشاركة القُصر في نشاطات التنظيم في سيناء منذ مبايعته لداعش وتحول اسمه من «أنصار بيت المقدس» إلى «ولاية سيناء». وفسّر البعض ذلك الأمر بلجوء التنظيم لشرائح قد تكون بعيدة عن دوائر اشتباه قوات الأمن من جهة، ووجود ميول ثأرية لدى هؤلاء القُصّر صاحبت اتساع العمليات الأمنية لأجهزة الدولة في سيناء من الجهة الأخرى.

العملية.. انتحارية

ميدانيًا، شكلت عملية الأمس سابقة في نشاطات التنظيم في سيناء. اعتاد التنظيم منذ تخليه عن أسلوب تنظيم القاعدة وتحوله للشكل الداعشي على الاشتباك المباشر مع القوات الأمنية والعسكرية. وفي العمليات التي يكون الأسلوب الانتحاري جزءًا منها فتكون حصرًا "عمليات انغماسية"، يفجّر الانتحاري نفسه فقط بعد أن تنفذ ذخيرته أو عندما يضيق عليه الخناق.

الأسلوب الانتحاري الخالص اتبعه التنظيم في عملياته خارج سيناء وفي العمليات ذات الأهداف المفتوحة، كعمليات الكنائس الثلاثة، البطرسية ومارجرجس والمرقسية.

في تلك العمليات يكون المحيط المستهدف جميعه من خارج البيئة المحتمل استهداف تعاطفها. مسيحيون أو من رجال أمن أو تأمين، وكلهم يستهدف التنظيم قتلهم.

أما عملية الأمس، والتي استهدفت سوقًا تنعقد بشكل دوري، زبائنها من المدينة، فتكلفة القتلى تتعدى ما يريده التنظيم عادةً، ما تجلى في العدد الكبير من الإصابات بين المدنيين، وفي مدينة قدمت موطأ قدم معتاد لعناصره.

محافظ شمال سيناء يزور مصابي تفجير سوق الشيخ الزويد تصوير: محمد علي السوهاجي

التكلفة التي اختار التنظيم تحملها واتباع أسلوب غير معتاد يميزه الابتعاد عن الاشتباك المباشر مع القوات النظامية، يعني أمرين، الأول ضعف الإمكانيات العملية التي يتطلبها الاشتباك المباشر وتراجع الجانب الاستعراضي الذي لجأ له التنظيم عوضًا عن فشله في السيطرة على أي قطاعات جغرافية، كالكمائن المفاجئة وحملات التفتيش والتغطية الإعلامية المرافقة للعمليات.

أما الأمر الثاني، فهو استمرار خيار التضحية باحتمالية استمالة البيئة المحيطة، وهو أمر بدأه التنظيم مع عملية مسجد الروضة العام الماضي، والتي راح ضحيتها أكثر من 300 قتيل.

سيناء تثأر للشام.. وليست وحدها

بدأ بيان ولاية سيناء بتبني العملية بجملة "ضمن غزوة الثأر لولاية الشام المباركة". هنا تكمن أبرز معاني العملية. هذه المرة الأولى التي تدخل عملية للفرع المحلي ضمن سياق إقليمي محدد للتنظيم الأم.

منذ منتصف يوم أمس أصدرت التنظيمات المحلية الموالية للتنظيم الأم سيلًا من بيانات إعلان المسؤولية عن عمليات إرهابية في مختلف فروع التنظيم ثأرًا لهزيمة التنظيم في بلاد الشام، الهزيمة التي حولته من دولة شبه حقيقية تسيطر على ثلث مساحة العراق وسوريا، لها مناهج دراسية وشرطة تنظيم سير وخط لبيع النفط في السوق السوداء، إلى بقايا تنظيم لا يكاد يفرض سيطرته على بضع جيوب وأحياء صغيرة في بعض القرى النائية.

ولاية الرقة أعلنت قتل عنصرين وقصف منزل قيادي في حزب العمال الكردستاني في قرية جديدة خابور، كما أعلنت قتل وإصابة 12 آخرين من نفس الحزب في الرقة. وفي الحسكة، أعلن التنظيم استهداف رتل مشترك لقوات التحالف الدولي وحزب العمال الكردستاني ما أدى لمقتل وإصابة عدد غير محدد منهم وتدمير ثلاث آليات.

بيان "ولاية الشام" عن هجوم الرقة

وأعلنت ولاية العراق تدمير سيارة لجندي في الجيش العراقي وقتله، وأيضًا استهداف عنصر من الحشد الشعبي العراقي في طوزخورماتو، واستهداف آلية للحشد الشعبي في بهزر ما أدى لمقتل عنصر وإصابة اثنين آخرين. وفي القائم في العراق أعلن التنظيم تنفيذ سلسلة من الهجمات المتزامنة على دوريات للجيش العراقي أدت إلى مقتل وإصابة ثمانية ومقتل ضابط قيادي في المخابرات العراقية، كذلك أعلن عن مقتل وإصابة 11 آخرين من الجيش العراقي على الحدود الأردنية.

كما أعلنت ولاية الصومال عن اغتيال عنصر من الشرطة في مدينة بوصاصو. وأخيرا أعلنت ولاية غرب إفريقيا استهداف قاعدة عسكرية ومطار في مدينة ديفا في النيجر ما أدى إلى قتل وإصابة 20 شخصًا.

بيان تنظيم "ولاية غرب إفريقيا" عن عملية النيجر

وفي ليبيا أعلن التنظيم القيام بعملية أمنية في الجفرة أدت إلى مقتل رئيس المجلس البلدي وقائد الحرس البلدي واختطاف عدد غير محدد من عناصر قوات المشير خليفة حفتر.


اقرأ أيضًا: دماء على الملابس: شهادات المصابين في حادث الشيخ زويد الانتحاري


قدم اليوم المزدحم من عمليات التنظيم في فروعه المختلفة صورة متعمدة في مقابل الهزائم التي تلاحقه من منطقة إلى أخرى. صورة تضع بديلًا للسيطرة الجغرافية المفقودة، عنصرها الأساسي عمليات متزامنة في كل نطاق يستطيع مسلحو التنظيم الوصول إليه.