الكاتب الكبير ابراهيم عبد المجيد - الصفحة الشخصية للكاتب. فيس بوك

"أنا والسينما".. كيف شكلت الأفلام مسيرة إبراهيم عبد المجيد الروائية

في السينما يشاركني المخرج والمنتج تفاصيل العالم المُتخيّل، بينما في الأدب مكاني الذي أعمل فيه حرًا، وحدي تمامًا، أنا حر في روايتي

طفلٌ لم يبلغ خمس سنوات بعد، يجلس في روضة الشيخ عبد الله وهي واحدة من حضانات حي كرموز السكندري الهاديء نهارًا، ينظر من حديقة روضته إلى المبنى المواجه له في شارع باب الملوك، يجد تجمع بشري، يستغل سهو الجميع عنه فيخرج إلى هناك، دس نفسه بين الناس ودخل معهم وهو لا يعلم شيء، كان يشاهد أمامه شادية التي سمع اسمها من أمه قبل ذلك في السينما، انتهى الفيلم وتذكر أن والدته ربما جاءت لتأخذه كالعادة في تمام الواحدة ظهرًا، لكنه وجد الأطفال بالداخل كما هم، دخل أثناء سهو الجميع عنه كما خرج، جلس ولم يخبر أحدهم بالسحر الذي مسّه.

في كتابه "أنا والسينما" الصادر عن الدار المصرية اللبنانية، يحكي صاحب "لا أحد ينام في الاسكندرية" عن علاقته بالسينما، وكيف قادته تلك العلاقة للرواية، حيث "السينما ليست منفصلة عن الأدب ولا عن بقية الفنون".

"فهي فن له تاريخ عظيم من المدارس السينمائية كما للأدب تاريخ عظيم من المدارس الأدبية. كنت أحب السينما وأذهب إليها تقريبًا كل يوم. السينما الشعبية في حي كرموز حيث كانت أسرتي تسكن أو حي القبّاري في الطريق إلى المدرسة. وكنت أقرأ أفيشات الأفلام وأعرف أنها مأخوذة عن روايات لكني لم أبدأ في قراءة الروايات بعد".

دفعني ذلك لاعتباره تأسيسيًا في الحديث عن مشواره الأدبي، بعد الانتهاء من قراءة الكتاب تساءلت: لماذا تحوّلت وجهة ذلك الروائي المتشبّع بالأفلام والمشاهدات السينمائية منذ الصغر كاملة إلى الأدب حتى أنه لم يُخصص أعمال بعينها للسينما والتلفزيون -باستثناءات قليلة- ولو بعد نجاحه والاحتفاء به/ تحقّقه أدبيًا؟

عرف الكاتب الكبير ابراهيم عبد المجيد السينما، التي ظل يذهب إليها أسبوعيًا منذ طفولته، قبل أن يعرف الرواية بكثير، نشأ عقله الصغير على مشاهدة أفلام عالمية ومحلية وهو لا يزال طفل مما أسرع في نضجه وإلتحامه بالعالم والبحث عن إجابات أسئلته الشخصية، كان ذلك في وقت من الصعب على كثيرين دخول السينما، بينما هو يشاهد فيها فيلم موعد مع الحياة (1953) داخل مدرسته. هذه المعرفة المبكرة، انتجت بالضرورة حكايات كثيرة وأسئلة تدور في الذهن وأخيرا خرجت للنور.

السينما واللغة

يطرح الكتاب رؤية جديدة لمسيرة إبراهيم عبد المجيد ومعرفة منطلقاتها، ومحطاتها الأساسية إلى جانب إعادة النظر في مشكلات صناعة التلفزيون والسينما في مصر التي تتداخل مع حكايات عبد المجيد.

رغبته وميله إلى الكتابة الأدبية الغالبة عليه في النهاية لم تغّير وجهة نظره في أن السينما هي التي "تبلور لغته" وهو ما يظهر لقرّاءه، فيكون التكوين اللغوي المكتوب في رواياته تصويريًا مستمد من مشاهداته السينمائية غير المحدودة.

كتب عبد المجيد سيناريوهات لأعمال فنية إلى جانب الأعمال الفنية التي أُخذت عن رواياته لكن مخرجو تلك الأعمال "غيروا السيناريوهات" التي كتبها كما قال؛ فقدّم فيلم واحد فقط حصل على تصريح رقابي بإتاحة تصويره ولكن لم يكتمل، أيضًا كتب مسلسل قناديل البحر، ومسلسل لا أحد ينام في الأسكندرية المأخوذ عن روايته التي تحمل المسمى ذاته.

إلى جانب مسلسل بين شطّين ومية ذلك العمل الوحيد الذي قدّمه المخرج عمر عبد العزيز كما أراد كاتبه "ولم يغير فيه شيئًا" وهو المسلسل الممنوع عرضه حتى الآن ربما لما يحمله من لمسة فانتازية تكاد تلازم الكاتب في أغلب أعماله والتي غالبًا ما يمكن أن يعطيها تفسيرات سياسية.

وفيلم قرفة بالجنزبيل سيناريو وحوار هالة خليل. وإخراج عمر عبد العزيز، والذي لم يُعرض بعد والمأخوذ عن روايته عتبات البهجة.

الكاتب الكبير ابراهيم عبد المجيد في حواره مع حسام الخولي - تصوير أحمد مجدي همام

حرية الأدب وبيروقراطية السينما

يضع فنجان قهوته على الطاولة، يصمت قليلًا وبتأثر نسبي يقول "لا قوانين في الأدب مثل السينما لكن هناك ظروف، خَشيتُ الصراعات الكثيرة فتركت العمل في التلفزيون والسينما وقررت البُعد عن مشكلاتٍ ربما يضيع معها الزمن ولا تعود بشيء نافع، في السينما يشاركني المخرج والمنتج تفاصيل العالم المُتخيّل بينما في الأدب مكاني الذي أعمل فيه حرًا، وحدي تمامًا، أنا حر في روايتي".

على ما يبدو كانت بيروقراطية صُنّاع السينما في مصر إلى جانب الافتقار إلى مخرجين يمكنهم تحويل كتابات عبد المجيد السينمائية إلى صورة شبيهة بتخيّله عنها كان السبب الرئيسي في بُعده عن السينما التي شكّلته ليس طغيان الأدب وحده. استهلاك الزمن وتحمّل أعباء كتابة عمل فني غير مضمون نشره/إذاعته ربما كانت أسباب أكثر منطقية لبُعد كاتب أنا والسينما المليء بحكايات حب فطري للسينما من اتهاماته بالعجز عن إنتاج أعمال سينمائية متميزة.

مرة أخرى تطفو مشكلات صناعة السينما والتلفزيون في مصر "اقتصارها على أعمال كُتاب بعينهم وقصص مستهلكة وروتينية في التعامل ربما يصل لدرجات التعجيز لخلق مساحات شاسعة تتسبّب في بُعد كُتّاب لنفس أسباب كاتبنا الذي أخبرنا عن فرحة الراحل أسامة أنور عكاشة عندما أخبره ابراهيم أنه يريد تقديم مسلسل تلفزيوني ولم يكن يعلم وقتها الوقت الذي سوف يضيع -غالبًا- دون جدوى".

كيف تغير المدينة لغة الأدب

يمكن القول أن عبد المجيد صنع تاريخًا للأسكندرية عبر ثلاثيته، منذ عصرها الكوزموبوليتاني، حتى بدايات الألفية، وعادة ما تستحضر "الثلاثيات" نجيب محفوظ وما يمكن تسميته بكتابته للقاهرة من خلال الثلاثية الشهيرة؛ بين القصرين، قصر الشوق، السكرية. يرى عبد المجيد أن هناك فارقًا يتعلق بالمكان بالأساس، وأن "كتابة نجيب محفوظ عن القاهرة أنتجت لغة كلاسيكية تمامًا أثناء الثلاثية، تغيرت بالطبع أثناء كتابته رواية اللص والكلاب التي تدور أحداثها في الإسكندرية، تغيرت اللغة فأصبحت الجمل قصيرة وشاعرية ومتدفقة وسريعة".

ربما ذلك التحيز من عبد المجيد تُفهم أسبابه ويُظهر مدى حبه لمدينته لكن في النهاية يمكننا اعتبار أن كليهما قدّما المدينة كقصة تأريخية تاريخية ومتخيلّة في آن؛ تختلط فيها حكايات المدينة مع حياة الناس المستقاة من التاريخ الشفوي المتناقل بالألسنة ضمن قصة خُلق أبطالها من عقل الكاتب.

أثناء رحلاته المدرسية صغيرًا جاء الكاتب السكندري إلى القاهرة، زار الجمالية والأحياء التي كتب عنها نجيب محفوظ في ثلاثيته التي فُتنته وقرر عدم الرجوع مع أتوبيس مدرسته والبقاء في القاهرة، كان يبيت في مسجد الحسين، انتهت أمواله -نصف جنيه- بعد ثلاثة أيام فقط من إقامته وهو ما أجبره على العودة. هكذا كانت بدأت تجاربه وحكاياته التي طالما أكدت على التأثيرات الجنونية للأمكنة على وعيه.

الكاتب السكندري المفتون بمدينته أكثر من أفكار صديقه الروحي الفيلسوف زينون الإيلي ..أحد الفلاسفة السبعة الذين كانوا قبل سقراط وأفلاطون ولم يتركوا كتبًا لكنهم تركوا أفكارًا تناقلت بعدهم.. وأفكاره التي "سحرته طالبًا ولا زالت" والتي يُبرهن خلالها الفيلسوف على عدم وجود الزمان والمكان والحركة فجعلته يؤمن بها لكنه يرفض الاعتقاد بعدم وجود المكان بل يُناقضه فينتصر للمكان على ما سواه رافضًا تصورات معلّمه.

لم تكن الثلاثية أولى كتاباته عن المدينة وبالتأكيد لم تكن آخرها؛ كتب قبلهم.. ليلة العشق والدم (1982٩، والصياد واليمام (1984)، وبيت الياسمين (1986)، و، وبعدها كتب أداجيو (2014)، التي تحمل رسائل من أب لابنته.

وربما يخيّل للقاريء المتابع لأدب عبد المجيد، أن أبطاله ينتقلون بين رواياته.. فأوّل حكاياته عن المدينة مع بطل صياد اليمام، ذلك الرجل الذي يصطاد يمام غير موجود بسبب موت إبنه بين خطوط السكة الحديد، يبدو أحيانا هو نفسه مجد الدين بطل لا أحد ينام في الإسكندرية الذي أجبرته الحرب على العمل في السكة الحديد داخل الصحراء منعزلًا عن العالم -ميّت- لو لم ينقذه الكاتب في النهاية من وحشة الصحراء؛ كلاهما داخل زمن مفقود بالنسبة لهم، مشتتون، مغتربون بسبب "مكان" لا يملكون فيه شيئًا. فقط لو توهّمنا خطًا زمنيًا يربط تلك الحكايات بعضها بالآخر.

الأسكندرية الحاضرة دومًا

حتى أنه عندما قرر بعد سنوات عديدة أن يكتب عن القاهرة في كتابه هنا القاهرة 2014، صدّر الكتاب ببعضٍ من رواياته السكندرية وحكاياته عن نفسه كشاب شيوعي في السبعينيات، يهجر حبيبته والتنظيم الذي يتبعه ليرحل إلى القاهرة مغصوبًا نوعًا ما، فيسترجع الماضي السياسي السابقة ومآثرها على المستقبل، ربما حتى بنفس المساحات المتروكة داخل الكتابات السابقة عن دور الأنثى في حياته ومغازلة الأكلات الجميلة وصنوف الأسماك المغرية غير المنتهية.

ليسير في توازٍ تام مع سيرته الذاتية وقصصه المُتخيّلة التي اكتسبها من أمه وأخته وأصدقائهن بجانب السينما التي شكّلت عقله منذ الطفولة. فحتى مع مجيئه للقاهرة يظل يحكي الطفل الذي يكتشف الأشياء ليحفظها في متحفه الورقي من النسيان عن ثقافته المختلفة ودخوله للمسرح وسماعه للراديو ومعرفة أسرار الشوارع وسياسات

الشيوعيين، عن الإسلاميين ونقاشات الحجاب وأزمات المثليين منبوذي المجتمع، عن معايشته لثورة 25 يناير في روايتيه التي تحمل أحدهما شجن الثورة قبل أن أنسى أني كنت هنا (2018)، بينما تحمل قطط العام الفائت (2016)، ما داخلها من سخرية وفانتازيا.

المدينة .. البطل الذي يدور حوله الجميع

لا يمكن الحديث عن ابراهيم عبد المجيد بدون الحديث عن علاقته بالمكان، فالمكان يبدو تأسيسيًا في الحديث عن مشوار عبد المجيد الأدبي.. أثناء حديثه معي يحكي.. "كان والدي رجلًا متدينًا، يجمعنا حوله ليحكي لنا قصص القرآن وحكايات السيرة، وفي أوقات أخرى يستأجر عازف الربابة ليعزف لنا داخل المنزل". تبدو تلك الكلمات مفتاحًا يفسر

ولع الكاتب الكبير، بتداخل الحكايات البِكر وتنويعاتها، وأيضا لتقديس الروائي السكندري للمكان على الأشخاص.

يصبح المكان هو البطل الذي يدور حوله الأشخاص في أعمال عبد المجيد؛ فضّل تقديم المكان على أي شيء، درسُه في الفلسفة التي أنهى دراستها بكلية الآداب بجامعة الإسكندرية عام 1973، وتشبّع به، وأيّدت تجربته وجهة نظر كتّاب الواقعية الجديدة فأصبح "المكان يصنع الشخصية وحديثها" لديه أيضًا كما لديهم حتى جعل بطل روايته في كل أسبوع يوم جمعة (2009)، المدن والصحاري داخل مدينة افتراضية، فـ"المكان له الوجود الأول والإنسان ثانوي" كما يرى عبد المجيد.

اشتهرت ثلاثيته عن الإسكندرية ربما أكثر من كل أعماله التي سبقتها والتي تلتها أيضًا؛ بدأها عام 1996 بلا أحد ينام في الإسكندرية التي استغرق في كتابتها ست سنوات جمع خلالهم ما حدث في المدينة بسبب الحرب العالمية الأولى وإرهاصاتها، ثم طيور العنبر (2000) التي صوّر خلالها فترتي الخمسينيات والستينيات، وأنهاها بالإسكندرية في غيمة (2012)، التي تدور حول عن ما لاقته الإسكندرية من انحدارٍ شامل مع بدايات الانفتاح الاقتصادي الذي باركه السادات.

إذا سلمّنا بفرضية أن الأفكار والحجج لا تكون قدوة في ذاتها و"أن الجميع يملكون أفكارًا [هي] أفكار خليطة وكثيرة معًا لكنها الأفكار نفسها ويتفرجون على البرامج التلفزيونية نفسها وأن وسائل الثقافة الشعبية تفكّر لنا"1 فسوف يظل التساؤل حول "كم عدد الأفراد المثقفين الذين يحملون فكرة واحدة ملء الذراع حتى النهاية ودون تسوية؟" كما يذكر ريجيس دوبريه في كتابه الشهير "مذكرات برجوازي صغير"، يجد إجابته عند كتّاب وفنانين مثل كاتبنا؛ يُخلص لفكرته الأم عن "المكان"، يعطيها قصصه لثبوت محوريتها، الأمر الذي يجعل من غير المنصف فضلًا عن ما يمثّله من مفارقة "تجهيل" تقديمها تلفزيونيًا وسينمائيًا بالرغم من إثبات نجاحها الأدبي الذي كان سببه الأساسي السينما.