عمر نادر صاحب المبادرة. تصوير هاجر هشام

صاحب مبادرة "احذري الإيدز يا أختاه": خرجنا بالحديث عن الجنس إلى العلن.. ولا نخاف الوصم

بنكلم كل الناس اللي ليها ممارسات جنسية، سواء كانت مثلية أو غير مثلية، بنتكلم عن المتعايشين والمدمنين.

- عُمر نادر، صاحب مُبادرة احذري الإيدز يا أختاه.

"تعرّف على أماكن التحليل للكشف عن فيروس الإيدز"، "معلومات عن الأمراض المنقولة جنسيًا"، "إزاي تجهز للجنس الشرجي؟"، محتوى يراه البعض طبيًا، لكن قد يراه آخرون صادمًا وربما خارج عن الأعراف المجتمعية، خاصة لو علموا أنه لا يُقدّم في قاعات مُغلقة بكليات الطب، بل عبر فيسبوك وتويتر.

صاحب المدونة عُمر نادر، شاب قرر العمل على التوعية بالجنس وممارساته واﻷمراض المنقولة من خلاله؛ فكانت مبادرة "احذري الإيدز يا أختاه"، عمر الذي يدرس الحقوق فضّل العمل المجتمعي على القوانين؛ فتراكمت لديه خبرة مكّنته من تقديم محتوى علمي مُبسّط، تحدّث للمنصّة عنها بالتزامن مع مرور عامين على إطلاقه المبادرة.

محاولة لإزالة اللبس

في مايو 2017، وبعد اشتغاله لفترة في أحد المشروعات المتعلقة بالتوعية بفيروس نقص المناعة المكتسبة (الإيدز)، قرر عُمر تقديم مساعدة لأقرانه الشباب عبر إزالة اللبس المتعلق بالجنس وممارساته وأمراضه..

"وأنا شغّال في المشروع المتعلق بالإيدز (طلب عدم ذكر اسمه أو جهته)، اكتشفت إن أكتر ناس بتطلب مساعدة هما الشباب بين 18 و30 سنة، وإن الشريحة دي ماتعرفش كتير عن الإيدز، لكنهم بيعملوا حاجات بتخليهم عُرضة للإصابة بيه".

قرر عُمر تقديم المساعدة؛ فواجهته تحديات كان أبرزها غياب المحتوى العربي أو الإنجليزي المُبسّط.. "الناس بتنزعج من قراية المصطلحات الطبية التقيلة؛ ففكرت إني لو اتعاملت كأني قاعد معاهم وبشرحلهم؛ الموضوع هيبقى أسهل بالنسبة لهم وبيفهموا أسرع، فقررت ابدأ ببوستات على فيسبوك".

وأما تسمية الصفحة بهذا الاسم فلها سبب وضّحه صاحب المباردة بقوله.."الاسم catchy (جذّاب) للناس وحبّوه فعلاً ﻷنه خفيف؛ فاخترته من بين الهاشتاجات التانية اللي كنت بنشرها مع البوستات، ومنها بدأت الحملة كصفحة على فيسبوك في مايو 2017 بنفس الاسم، والناس تفاعلت معاه بدأوا يشيروه".

وكان للتفاعل السريع من الجمهور تفسير لدى عُمر.."المصطلحات كانت سهلة جدًا، كُنّا بنعرّبها، وحتى لما يبقى التعريب صعب شوية كُنّا بنبسّطها على قد ما نقدر..كإننا قاعدين معاهم على القهوة".

حملة للجميع

انطلقت الحملة لتحقيق أهداف تلبي احتياجات الشباب التي لخصّها عُمر في نقاط قال إنها كثيرة وتزداد مع الوقت.. "كل فترة بنبدأ نكتشف حاجات الناس عايزاها؛ فبنزودها على أهداف الحملة. بس البداية كانت توعية أكتر ورفع للوصم عن المتعايشين والناس اللي ليهم ممارسات المجتمع بيرفضها".

لا تقتصر الأهداف على الإيدز والتوعية به ورفع الوصم عن متعايشيه، فهناك أهداف أخرى.. "الحملة بتخاطب كل فئات المجتمع، بنكلم كل الناس اللي ليها ممارسات جنسية، سواء كانت مثلية أو غير مثلية، بنتكلم عن المتعايشين والمدمنين. لكن أكتر فئتين بنركّز عليهم هما العاملين والعاملات بالجنس التجاري ومجتمع الميم، ﻷنهم أكتر ناس بيتم تهميشهم من الحملات اللي بتنفذها المنظمات".


نشاط عمر يبدو بعيدا عن دراسته، ولكن لا يشكل ذلك بالنسبة له عائقا.. "فعلاً الحملة بعيدة عن دراستي تمامًا. أنا دخلت كلية حقوق بسبب مجموعي، وبدأت اشغل في مبادرة التوعية بالإيدز في أول سنة دراسية في الجامعة، ﻷني من زمان كان نفسي اشتغل عمل مجتمعي؛ فحاولت اخلق رابط بين دراسة مش بحبها وبين شغل بحبه، ولقيت إن دراستي ممكن تساهم في تغيير الوضع الحالي تجاه القضايا دي وتقدم للناس مساعدات قانونية أو اجتماعية".

عقبات ومحاولات

كواحد من أبناء هذا المجتمع، يعرف عمر أن الكلام عن الجنس من المحظورات، لكنه تخطى العقبات.."احنا في مصر مابنحبش الكلام عن الجنس في مساحات مفتوحة، لكن في الحقيقة المجتمع بيتكلم في الجنس وبيفكر فيه. الناس كلها عندها ميول وأفكار ومتطلبات جنسية، بس ماحدش بيتكلم فيها ﻷنه خايف يتشاور عليه ويتقال إنه مش كويس، فالكلام بيكون في القعدات المغلقة".

وقرر عُمر الخروج بأحاديث الجنس إلى من "القعدات المغلقة" إلى العلن، فدفع لهذا القرار ثمنًا.."بنتشتم على الصفحة، بس حتى اللي بيشتمنا ده عنده أفكار جنسية وأسئلة عن حاجات عايز يعرفها، فاحنا بنساعدهم يفهموا نفسهم واحتياجاتهم أكتر ويعرفوا هما عايزين إيه، خاصة وإن فيه علاقات بتفشل ﻷن ممكن يكون فيه طرف عنده احتياجات والطرف التاني له احتياجات مختلفة، لكن مابيتكلموش فيها ﻷنهم خايفين إن اللي يتكلم يتقال عليه مش محترم. احنا بنتكلم في حاجة الناس كلها بتفكر وبتتكلم فيها".

لكن، كدارس للقانون ربما يكون عُمر على يقين من أن حديثه قد يجلب مشاكل قانونية، خاصة لو كان عن أمور تبدو غير مقبولة مجتمعيًا.."فعلاً، الكلام عن الجنس الشرجي مثلاً كان شائك، ﻷن الناس شايفة إن غلط جدًا. لكن فيه ناس بتعمله وأحيانًا بطريقة غلط. ده اللي احنا بنحاول نعمله.. نساعدهم، خاصة إنه بيجيلنا أسئلة على الصفحة عنه، فاحنا بنلبي طلبات الناس، وبنتكلم عن حاجة موجودة فعلاً".

احنا في مصر مابنحبش الكلام عن الجنس في مساحات مفتوحة، لكن في الحقيقة المجتمع بيتكلم في الجنس وبيفكر فيه.

تقدم الصفحة موادها تلبية لاستفسارات، لكنها ليست الشيء الوحيد الذي تستقبله، فردود الفعل أبعد من مٌجرد تساؤلات.."فيه ناس كتير ماقبلتش كلامنا، لكن أكيد ناس أكتر استفادوا، واحنا استفدنا لما اشتغلنا على حاجة زي كده".

لا نفكر كثيرا في الشتيمة

ينظر صاحب مبادرة احذري الإيدز إلى أوجه الاستفادة، دون النظر للانتقادات أو حتى ما يواجهه وصفحته من وصم.."بنتوصم كل يوم إننا بنتكلم في الجنس وعن الإيدز وفي موضوعات جريئة، وبنتشتم. الوصم موجود في كل حتة على كل الناس، سواء كان متعايش أو مش متعايش، سواء بيتكلم في الجنس أو السياسة أو الدين. الناس بتلاقي وصم ﻷي حد في أي حاجة هما خايفين يتكلموا فيها قُدّام الناس".

على الرغم من الوصم والهجوم، إلاّ أن عُمر قرر مواصلة أحاديثه التوعوية.. "احنا مابنفكرش في اللي بيشتمنا، بنفكر في الناس اللي فعلاً محتاجة المساعدة. ممكن نكون مابنساعدش حد بحاجة ملموسة، لكن بنوجههم في أمور معينة، مثلاً فين ممكن يعمل تحليل، أو لو عايز يعرف أكتر عن مرض ما أو موضوع بعينه ليه علاقة باللي بنتكلم فيه".

صدمات وتحديات

لا يخشي الشاب الوصم ولا تردعه الشتائم والتهديدات، ليس فقط لإيمانه بضرورة مساعدة من ينشدون العون، بل ولما يتلقاه من ردود فعل إيجابية.."أكتر حاجة مبهجة، لما تجيلنا رسايل من ناس عملوا تحليل لفيروس الإيدز والنتيجة طلعت سلبية ويشكرونا، أو ناس تسألنا عن مشكلات كانوا بيواجهوها أو عن دكاترة مش هيوصموهم لو فحصوهم واكتشفوا مرض معين".

وبجانب ما يتلقاه عُمر من رسائل إيجابية وسلبية، هُناك نوع ثالث من الرسائل، هو الاستفسارات، وبعضها صادم.."أكتر استفسارت بتجيلنا بتكون عن الإيدز، وأكتر حاجة الناس عندها مفهوم مغلوط عنها هي الجنس الآمن، الناس بتتعامل مع الواقي الذكري كأنه عدوها اﻷول. أما المعلومات المغلوطة اللي اكتشفناها كانت عن الإيدز، يعني فيه ناس كانت فاكرة إنه بيتنقل بطرق غريبة زي التلامس أو السلام".

الوصم موجود في كل حته على كل الناس، سواء كان متعايش أو مش متعايش، سواء بيتكلم في الجنس أو السياسة أو الدين.

مثّلت المعتقدات المغلوطة عن الإيدز صدمة لعُمر، أما التحدي بالنسبة له فتمثّل في أمر آخر.. "أكتر حاجة كنا خايفين واحنا شغالين عليها هي موضوع الجنس الشرجي، ترجمنا كُتيب عنه واحنا مش متأكدين الناس هتقبله ولا ﻷ، ﻷن زي ما كُنّا متوقعين فيه ناس كانت ضده وشتمونا، لكن فيه ناس كتير بعتوا لنا رسايل بيقولوا لنا إنهم استفادوا".

الترجمة ليست استثناءً في حالة محتوى الجنس الشرجي، فهي تقريبًا المصدر الرئيسي للصفحة.. "مفيش دكاترة معانا، ﻷن عندنا تشكك في إنهم هيقبلوا يساعدونا في موضوعات زي دي؛ فدايمًا مصادرنا بتكون أجنبية، بنترجمها ونبسطها علشان توصل للناس بطريقة أسهل".

مخاوف التبسيط

تقدم الصفحة المحتوى مبسطًا للجمهور، والتبسيط بقرار من عُمر كان تحويل المصطلحات العلمية إلى عامية ساخرة، لسبب يراه منطقيًا.."الناس بتنفر من المحتوى المكتوب عن الموضوعات دي ﻷنه بيكون بلغة علمية بحتة، فحاولت احل المشكلة دي بإن المادة تكون عامية وبلغة سهلة جدًا، وإن المحتوى البصري يكون ساخر، علشان يعلّق مع الناس".

يتمثّل المحتوى الساخر في صور شخصيات سينمائية قدمتّها أفلام باعتبارهن رمزًا لأصحاب الخبرات الجنسية، وذلك ليس لمجرد السخرية فقط.. "بنستخدم صور شخصيات نسائية في السينما المصرية كانوا بيتصنفوا إنهم خبرة (بالمعنى الجنسي)، وبنعيد إنتاجها باعتبارهم مش شخصيات وحشة، لكنهم أصحاب الخبرة فعلاً. واخترنا المحتوى الساخر، علشان يكون سهل ويوصل للناس أسرع".

صورة للتوعية بأهمية الواقي الذكري باستخدام شخصية سينمائية ساخرة- المصدر: صفحة احذري الإيدز يا أختاه

للغة الساخرة أثر إيجايبي، لكن هناك أثرًا سلبيًا محتمل، كأن ينظر البعض للصفحة باعتبارها ساخرة وليست معلوماتية.. "فيه ناس كتير كانت فاكرة إن الصفحة هزار، بس لمّا لقوا المحتوى نفسه مفيد ليهم فهموا هدفها. وماخوفناش واحنا بنعمل محتوى ساخر، ﻷننا في حياتنا بنستخدم الألش، فاحنا اتكلمنا بلسان الجيل الموجود".

حملات متواصلة

يُنتج عُمر المحتوى المُترجم والمُصوّر بمجهود ذاتي مع مساعدة من أصدقائه، دون تعاون بين مبادرته وأي جهة حقوقية أو طبية "حفاظًا على ما يقدمه من أية تدخلات"، إلاّ أنه سعى لتعاون من نوع آخر..

"المبادرة من أول ما بدأت كل اللي عليها عمل تطوعي. وفي وقت ما أطلقنا حملة تمويل وجمع تبرعات لأهداف كتير، منها إننا نطلع كتيبات وفيديوهات وننظم فعاليات، كان هيبقى من ضمنها التحليل السريع لفيروس الإيدز".

لم تؤت الحملة ثمارها، لكن الشاب لم ييأس وسيُطلق واحدة أخرى ليقينه بأنها "ممكن تقدم حاجات أكتر للناس، وتخلينا ننتج لهم حاجات تساعدهم".

وبجانب حملة التبرعات، أطلق عٌمر حملتين أخريين، هما no shave، و"نو نط"، بالتزامن مع حملات عالمية مماثلة، لتحقيق أهداف عديدة منها ما يتعلق بالمجتمع المصري تحديدًا..

"في مصر عندنا أزمة، وهي إننا متأخرين في الكلام عن موضوعات معينة، ومحتاجين مجهود علشان نتكلم فيها. في الحملات دي مثلاً اكتشفنا إن الأمراض المتعلقة بالرجال ماحدش بيتكلم عنها كتير، يعني ماحدش بيقول إنه عنده سرطان بروستاتا، علشان دي حاجة أول ما الناس بتفكر فيها ممكن تشكك في ذكورة الشخص اللي قدامها؛ فاحنا قررنا نتكلم في ده بمنطق إن دي حياتك والمفروض تخلي بالك من صحتك".

الناس عندها مفهوم مغلوط عن الجنس الآمن، ومنهم اللي فاكر الإيدز بيتنقل بالتلامس أو السلام.

لا يقتصر حديث عُمر أو حملاته عن التوعية، فبحكم عمله هو واحد من المناصرين لفئات تواجه مصاعب مجتمعية كالمثليين والعابرين جنسيًا، والذين يحيون في شهر مايو اليومين المصري والعالمي لمكافحة الممارسات العدائية ضدهم. والذي يوافق في مصر ذكرى قضية الباخرة "كوين بوت" عام 2001، حيث تم احتجاز 52 مثليًا في الملهى العائم، وقُدموا للمحاكمة أمام محكمة أمن الدولة، حيث تم الحكم على 21 متهما بالسجن ثلاث سنوات، بتهمة "ممارسة الفجور".

عمر ختم حديثه معنا قائلا.."بقول لكل مختلف جنسيا، كل الوصم اللي بيحصل ده مسيره في يوم هيتغير، وهيبقى فيه ناس أكتر هتتقبل الموضوع وهتفهم لما تقرا أكتر".