من اعتصام المحتجين في الخرطوم - خاص للمنصة

ظلال البشير تخيم على الخرطوم: كيف حاولت كتائب النظام السابق تعطيل المفاوضات؟

مصدر مسؤول في الاستخبارات السودانية أكد لـ المنصة كشف مخطط قبل يومين من الاشتباكات "بترتيب من كتائب ظل النظام السابق، لإحداث حالة من الفوضى في محيط الاعتصام.

تلطخت ملابس الشاب العشريني عثمان النجومي بدماء اثنين من أصدقائه سقطا جرحى خلال الهجوم الذي شنته قوات الدعم السريع الأسبوع الماضي على أحد مداخل اعتصام السودانيين أمام قيادة الجيش، وهو الهجوم الذي رجح مصدر استخباراتي سوداني إضافة إلى عسكريين سابقين لـ المنصة مسؤولية كتائب أمنية موالية للنظام السابق عنه.

وألقت أحداث العنف التي وقعت مساء 13 مايو/ أيار الجاري وأسفرت عن سبعة قتلى بينهم ضابط جيش، بظلال من الشكوك حول مصير المحادثات التي يجريها المجلس العسكري الحاكم في البلاد مع ممثلي المحتجين ومعارضي الرئيس المخلوع عمر البشير من أجل تسليم السلطة، رغم إعلان استئنافها مساء أمس الأحد.

النجومي الذي أصيب أحد صديقيه بطلق ناري في فخذه والآخر في يده كاد يلقى حتفه عندما حاول التوجه صوب القوات التي كانت تطلق وابلًا من الطلقات النارية، لولا أن منعه عدد من أصدقائه الذين كان مفترضًا بهم الاستعداد لإفطار ثامن أيام شهر رمضان، إذ كان آلاف المعتصمين يفترشون الأرض بانتظار ساعة الإفطار عندما انطلق الرصاص.

هذه الهجمات أسفرت، إضافة إلى القتلى السبعة، عن تعثر المحادثات الرامية إلى تحديد شكل الحكومة الانتقالية، والاتفاق على موعد إجراء الانتخابات وتسليم السلطة.

من اعتصام السودانيين في الخرطوم - خاص للمنصة.

ظلال البشير

ولم تستبعد المصادر التي تحدثت إليها المنصة أن تكون القوات التي نفذت الهجوم على المعتصمين هي كتائب أمنية تتبع للنظام السابق ولا تدين بالولاء لقائد قوات التدخل السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، وهو أيضا نائب رئيس المجلس العسكري الانتقالي.

وقوات الدعم السريع المعروفة شعبيا بالجنجويد هي مليشيات سيئة السمعة ساندت الجيش السودان في حربه ضد الحركات المسلحة بدارفور وكانت تتبع لأكثر من عشر سنوات جهاز الأمن والمخابرات الوطني قبل أن تضم في 2017 إلى الجيش السوداني.

ويشير عسكريون سابقون، جميعهم مستقلون عن حزب المؤتمر الوطني الذي كان يتزعمه البشير، وأحدهم كان قائدًا لإحدى المناطق العسكرية قبل إحالته للتقاعد، في إفادات متطابقة، إلى أن جهاز الأمن أسس هذه القوات بعد إعطائه الضوء الأخضر من الرئيس البشير، لإضعاف القوات المسلحة وحماية نظامه، إضافة إلى أنها "ذات طبيعة قتالية عليمة بتضاريس إقليم دارفور غربي البلاد، الأمر الذي ساعد على إنهاء نشاط الحركات المسلحة في الإقليم عدا القليل"، حسبما ذكر أحد الضباط.

مصدر مسؤول في الاستخبارات السودانية، فضّل عدم ذكر اسمه، أكد لـ المنصة كشف مخطط قبل يومين من الاشتباكات "بترتيب من كتائب ظل النظام السابق، لإحداث حالة من الفوضى في محيط الاعتصام واستغلال دعوات تجمع المهنيين الذي قاد الاحتجاجات في البلاد بتوسيع محيط الاعتصام ووضع متاريس في الاحياء وغلق الشوارع الرئيسة، لخلق حالة من التذمر وسط المواطنين بجانب قيادة مواكب ومخاطبات وسط المعتصمين ترفض الاتفاق مع المجلس العسكري نهائيا وتطالب بحكومة مدنية دون مشاركة العسكريين".

واضاف المصدر الاستخباراتي الذي فضل عدم ذكر اسمه "كان معلومًا بالنسبة لنا سيناريو التمدد في الاعتصام وإغلاق الشوراع وإحداث حالة فوضى في مقر الاعتصام وخارجه، لكن لم تكن هناك معلومات عما جرى ليلة 13 مايو بمقر الاعتصام بإطلاق النار على المعتصمين وقتل ضابط في الجيش وستة من المدنيين".

ما ذهب إليه المسؤول الاستخباراتي كان متوافقًا مع ما أفاد به قادة المجلس العسكري عقب الأحداث الدامية، وتأكيدهم على أن هناك قوىً تتربص بالثورة، وإن كان المسؤول ذهب إلى أن المحتجين يساعدون هذه الجهات "دون وعي" لتنفيذ مخططات الثورة المضادة من قبل اتباع النظام السابق، ملقيًا باللائمة على "مندسين وسط المعتصمين".

من اعتصام السودانيين في الخرطوم - خاص للمنصة. 

ما بعد الهجوم

سبقت الحادث حالة من التفاؤل في أوساط المعتصمين عقب مؤتمر صحفي لقوى إعلان الحرية والتغيير، أكدوا فيه اقتراب التوصل لاتفاق مع المجلس العسكري الانتقالي على القضايا العالقة فيما يتعلق بصلاحية مجلس السيادة ونسب المشاركة فيه بين العسكريين ومجلس الوزراء المدني والمجلس التشريعي المدني.

في مساء الثلاثاء، اليوم التالي لمحاولة فض الاعتصام، أعلنت الخطوط العريضة للاتفاق المجلس العسكري وقوى إعلان الحرية والتغيير، على صلاحيات مستويات الحكم الثلاثة، السيادي والتنفيذي والتشريعي، وكذلك الاتفاق على أن تكون مدة الفترة الانتقالية ثلاث سنوات.

وقضى الاتفاق على أن تكون الفترة الانتقالية (لتسليم السلطة) ثلاث سنوات، تخصّص الأشهر الستة الأولى منها لأولوية التوقيع على اتفاقيات السلام ووقف الحرب في كافة أرجاء البلاد هذا الى جانب حصول قوى إعلان الحرية والتغيير على 67% من مقاعد المجلس التشريعي والبقية للأحزاب الأخرى. واتفق الجانبان أيضا على تشكيل لجنة للتحقيق في حادثة الاعتداء على المعتصمين أمام مقر قيادة الجيش ليل الاثنين.

وكان مقررًا إعلان الاتفاق النهائي ليلة الاربعاء، الا أن المجلس العسكري علق التفاوض مع قوى إعلان الحرية والتغيير 72 ساعة حسبما أعلن رئيسه عبد الفتاح البرهان في بيان بثه التلفزيون الحكومي الذي اشترط إزاحة المتاريس من على الشوارع الرئيسية ووقف التصعيد الإعلامي والسماح بتسيير القطارات إلى الولايات، هذا إلى جانب زعمه بأن الثورة خرجت عن سلميتها.

قوى إعلان الحرية والتغيير ردت على "تطاول المجلس العسكري على سلمية الثورة السودانية المشهودة"، وقالت في بيان اطلعت عليه المنصة الإربعاء إن "تعليق التفاوض قرار مؤسف ولا يستوعب التطورات التي تمت فى ملف التفاوض، ويتجاهل حقيقة تعالي الثوار على الغبن والاحتقان المتصاعد كنتيجة للدماء التي سالت والأرواح التي فقدنا، خاصة أن اجتماع الأربعاء كان لوضع آخر النقاط على بنود وثيقة الاتفاق، وهو ما سيعني وقف التصعيد وانتفاء أسباب قفل الطرق والشوارع وتطبيع حياة السودانيين كافة".

من اعتصام السودانيين في الخرطوم - خاص للمنصة. 

واضاف البيان "إن التصعيد السلمي حق مشروع لحماية ما انتزعته جماهير شعبنا بنضالها ودماء الشهداء وعرق الثوار وقد صدر بتوافق تام بين مكونات قوى إعلان الحرية والتغيير قبل انطلاق جولات التفاوض، والمتاريس الموجودة منذ السادس من أبريل حصوناً بناها الثوار دفاعاً عن أنفسهم، وخطوط السكة الحديد مفتوحة منذ 26 أبريل وقبل أي طلبٍ، وبتوافق بين لجان الميدان وهيئة السكك الحديد، وقد قررنا مسبقاً تحديد منطقة الاعتصام وقمنا بخطوات في ذلك في سبيل ضبط وحدة الحركة الجماهيرية السلمية ومن أجل استمرار تماسكها، وبذلك تنتفي كل مبررات وقف المفاوضات من طرف واحد وهو ما يخل بمبدأ الشراكة وينسف دعاوى التوافق بما يسمح بالعودة لمربع التسويف في تسليم السلطة".

وشدد على إن "التمسك بما توصلنا له من اتفاق مع المجلس العسكري عبر المكون التحالفي في قوى الحرية والتغيير يجعل الحكمة هي ضالتنا في التعامل مع المستجدات في الساحة السياسية، ولكن ذلك لا يمنعنا من رد الاتهامات في أي وقت ومن أي شخص، وما الاتهام بانتفاء سلمية الثورة إلا طعن في وطنية الشرفاء من بنات الوطن وأبنائه الذين كظموا الغيظ وكتموا الغضب في خضم سيل الدماء من صدور رفاقهم بفعل الرصاص، فالسلمية لم تعد شعاراً تردده الحلوق بل أصبح طوق نجاة للشعوب المستضعفة من عسف الحكام المستبدين".


اقرأ أيضًا: نظرة على نظام البشير وبقاياه: ثنائية القمع المزدوج


وقبل انقضاء المهلة الممنوحة من المجلس العسكري لقوى اعلان الحرية والتغيير، نزلت قيادات منها إلى الشوراع لرفع الحصون "المتاريس" التي تمددت خلال الايام الفائتة، وتمكنت هذه القيادات بالفعل من إقناع المعتصمين بفك الحصون من على الشوارع الرئيسية وفي أحياء الخرطوم والعودة إلى حدود 6 أبريل امام مقر القيادة العامة للجيش نزولا على رغبتها في مواصلة التفاوض الذي قطعا شوطًا كبيرًا مع المجلس العسكري.