ترامب مع وجبات ماكدونالدر ودومينوز بيتزا وبرجر كنج. الصورة: البيت الأبيض- فليكر

صفقة القرن.. أو شراء لحظة انتصار لترامب بسنوات من العنف

أتى دونالد ترامب إلى البيت الأبيض دون أن يكون مُلمًا بطبيعة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي أو بالدور الأمريكي في إدارة هذا الصراع وإبقائه ضمن دوائر مفرغة من البحث عن السلام.

على خطى جيمي كارتر الذي انخرط خلال أيامه الأولى في الرئاسة في ملف إنهاء الصراع العربي الإسرائيلي؛ جاء ترامب ليعلن عن "صفقته الكبرى" التي ستنهي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلى الأبد، وبدأ السياسيون ورجال الصحافة يطلقون عليها اسم "صفقة القرن"، لكن دون أن يوضحوا ما إذا كان المقصود صفقةً تنهي "قرنًا" من الصراع أم صفقةً هي الأهم خلال القرن الحالي، ونحن لم ننهِ بعد ربعه الأول.

البحث عن كامب ديفيد

لم يكن الوفد المرافق للرئيس المصري أنور السادات خلال مفاوضات كامب ديفيد متفائلًا بإمكانية التوصل إلى اتفاق للسلام مع إسرائيل يتضمن المطالب المصرية بتفكيك المستوطنات والمطارات الإسرائيلية في سيناء وإعادة الأراضي المصرية كاملةً للسيادة المصرية.

ذهب المصريون إلى منتجع كامب ديفيد الرئاسي الأمريكي من أجل المطالبة بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من سيناء والضفة الغربية وقطاع غزة والاتفاق حول وضع القدس كمدينة مفتوحة لكل الأديان والطوائف دون أن تكون ضمن السيادة الإسرائيلية.

السادات وكارتر وبيجن

ثم اكتشف الوفد المصري أن الرئيس السادات أخذ ضمانًا فضفاضًا من كارتر حول انسحاب إسرائيل من سيناء، وورقة غائمة التفاصيل حول الحكم الذاتي للفلسطينيين في أراضيهم المحتلة بعد حرب 1967. وعند الإعلان عن معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية في 1979، تكشّف للمصريين أن الترتيبات الأمنية للمعاهدة لا تسمح بإدخال المعدات العسكرية الثقيلة في المنطقة المحاذية للحدود مع قطاع غزة وإسرائيل.

حينها هاجمت المعارضة المصرية معاهدة السلام باعتبارها تؤسس لسيادة منقوصة على سيناء. فيما كان رد المدافعين عن المعاهدة أنها أخرجت سيناء من مصير هضبة الجولان المحتل أو الضفة الغربية التي تم تفتيتها من خلال المستوطنات.

لكن المعارضين لمعاهدة السلام أو المدافعين عنها لم تكن تصوراتهم عن إنهاء الصراع مع إسرائيل بعد حرب 1973 تتضمن "الترتيبات الأمنية" التي قسمت سيناء لثلاث مناطق من حيث حجم ونوعية الوجودالعسكري المصري.

واليوم مضى على هذه المعاهدة أربعين عامًا وأصبح الحفاظ عليها من مسلمات مؤسسة الحكم.

لحظة إسرائيل التاريخية

منذ دخوله البيت الأبيض، بدا أن ترامب يعتمد في تصوراته عن إنهاء الصراع الفلسطيني الإسرائيلي على صهره جاريد كوشنر ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحلفائهم في اليمين المتطرف داخل واشنطن.

كوشنر بين ترامب ونتنياهو. الصورة: وزارة الخارجية الإسرائيلية- فليكر

ورغم الدعم الأمريكي الهائل لإسرائيل من الإدارات الأمريكية المتعاقبة؛ إلا أن نتنياهو يدرك أن ترامب هو لحظة استثنائية في تاريخ العلاقات الإسرائيلية الأمريكية، وأن ترامب يمكن أن ينجز لإسرائيل مالم ينجزه رئيسٌ أمريكيٌ سابق وربما ما لن ينجزه رئيسٌ قادم.

لذا كان نقل السفارة الأمريكية للقدس، والاعتراف الأمريكي بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان المحتل، وقريبًا صفقة لإنهاء "المعضلة" الفلسطينية للأبد والبدء بنقل العلاقات العربية الإسرائيلية للعلن بما في ذلك التطبيع الكامل وإدماج إسرائيل ضمن منظومة أمن إقليمية مصممة لمواجهة طويلة الأمد مع إيران.

لكن ذلك لن يحدث من وجهة النظر الإسرائيلية دون التخلص أولاً من العقبة الفلسطينية المتمثلة في ملف عودةاللاجئين وإقامة دولة للفلسطينيين وحسم وضع القدس كمدينة إسرائيلية إلى الأبد.

صفقة القرن: تأجير سيناء لا التنازل عنها

حتى الآن لا توجد معلومات مؤكدة حول تفاصيل "صفقة القرن" وما يصل للناس عبر الإعلام هي تسريبات تفترض أن ملف اللاجئين سيتم حله عبر دفع تعويضات مالية ضخمة للدول التي يعيشون فيها من أجل توطينهم هناك. ولا توجد تسريبات حول تنازلات إسرائيلية محتملة فيما يتعلق بالقدس.


هذا يجعل ملف التخلص الإسرائيلي من "عبء" قطاع غزة، الملف الذي حظي بتسريبات أشارت إلى أن منطقةً من سيناء ستكون جزءًا من خطة لتحسين الأوضاع المعيشية في غزة عبر السماح للفلسطينيين بالتجارة والإقامة هناك.

المبعوث الأمريكي إلى الشرق الأوسط، جيسون جرينبلات، نفى أن تتضمن "صفقة القرن" بنوداً حول "منح جزء من سيناء إلى غزة." ووصف التسريبات التي نشرتها صحيفة إسرائيلية بأنها"مفبركة"، مضيفًا أنه من "المدهش والمحزن أن ترى أشخاصًا لا يملكون معلومات حول ما تتضمنه الخطة، يقومون بصنع ونشر قصص مختلقة".

لكن التسريبات الإسرائيلية لم تتحدث عن منح جزء من الأراضي المصرية للفلسطينيين وإنما عن "تأجير أراضٍ لفلسطين الجديدة من أجل إنشاء مطارٍ ومنطقة تجارية حرة".

السلام مقابل الاقتصاد

الهدف من هذا التصور هو تحقيق المفهوم الإسرائيلي لإنهاء التوتر مع قطاع غزة إلى الأبد عبر تطبيق ما يسمى بـ"السلام الاقتصادي" الذي دعا إليه نتنياهو في 2008 وكان امتدادًا لخطط بدأت عام 1987 مع مبادرة وزير الخارجية الأمريكي جورج شولتز والذي افترض أن تحسين مستوى حياة الفلسطينيين يمكن أن يكون بديلًا للتفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية والاعتراف بها.

إعادة اختراع كامب ديفيد

في الوقت الذي تبدو فيه مفاوضات كامب ديفيد (1977) ومعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية نموذجًا يمكن تكراره بين الفلسطينيين والإسرائيليين من وجهة نظر القائمين على "صفقة القرن"؛ فإن التسريبات التي تحدثت عن بعض تفاصيلها تشي بأن أوهام تحقيق السلام أكبر من قدرة الأطراف الإقليمية على إنجاز الصفقة. فالأردن، أحد أقدم وأهم حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة، أبدى رفضه لأي مساس بوضع القدس أو مبدأ إقامة دولة فلسطينية على الأراضي المحتلة بعد 1967.

وإذا تضمنت الصفقة المرتقبة تنازلاتٍ حول الملفات التي يعتبرها الأردن خطاً أحمر، فإن السيناريوهات المتعلقة بانفجار البلاد من الداخل لن تكون مستبعدة.

أما الفلسطينيون فقد أجمعوا على رفض أي خطة تتضمن تنازلات عن حقهم في القدس أو حقهم في إقامة دولتهم المستقلة على الأراضي المحتلة. وهو الأمر الذي سيفرض ضغوطًا على أي طرفٍ إقليمي يريد التعاون مع ترامب وفريقه في إنجاز صفقتهم للتخلص من "المعضلة" الفلسطينية.


ومن المدهش أن يكون التصريح الأهم لجيسون جرينبلات قبل الإعلان عن الصفقة بأن "الأمر الوحيد الذي لن تفرط فيه إدارة ترامب (ضمن الصفقة) هو أمن إسرائيل"، وهو ما ينسف أي مصداقية لجهود السلام بعد الإعلان عن الصفقة في يونيو القادم. كما أن الجانب المالي للصفقة من تعويضات واستثمارات للدول المشاركة فيها مرتبطٌ ببقاء ترامب في الرئاسة لولاية مقبلة، وبالتزام الرئيس الذي يليه بالصفقة، وهو الأمر الذي يجعل اتفاقًا للسلام بهذا الحجم معرضٌ للانهيار في حال تغيرت التوجهات الأمريكية نحو المنطقة أو انسحبت بعض الدول المشاركة من الاتفاق في ظل الاضطرابات والزلازل السياسية التي تمر بها المنطقة بشكل دوري.

لكن العقبة الأكبر التي ستواجه "صفقة إنهاء المعضلة الفلسطينية" أنها لا تؤسس لسلامٍ طويل بين أطراف الصراع على نحو ما جرى في كامب دافيد عام 1977، وإنما تعيد عقارب الساعة إلى ما قبل اتفاق أوسلو عام 1993، وهو ما سيعطل خطط إعادة صياغة الترتيبات الأمنية في المنطقة وربما يفجر أوضاعًا سيكون من الصعب احتواؤها.

فإنجاز صفقة تتجاهل حق الفلسطينيين في القدس وأراضيهم المحتلة سيؤدي إلى صعود قيادات فلسطينية لا تؤمن بالمسار التفاوضي منذ أوسلو أو بالتعاون الأمني مع إسرائيل، وقد تصل في راديكاليتها إلى حد قطع الصلة مع الأنظمة السياسية المشاركة في الصفقة.

ترامب يوقّع الاعتراف الأمريكي بالسيادة الإسرائيلية على الجولان المحتل. الصورة: البيت الأبيض- فليكر

إيران أيضًا تشاهد من بعيد

وبالإضافة إلى تصاعد احتمالات انفجار الوضع الداخلي في الأردن، فإن أكبر المستفيدين إقليميًا من الاضطرابات السياسية العنيفة التي ستلي الصفقة هي إيران وحزب الله في لبنان، حيث ستكون الصفقة فرصةً ذهبية لاستعادة الرصيد الشعبي الذي تم خسارته خلال الحرب الأهلية في سوريا لدى قطاعات واسعة من الجماهير العربية.

كل هذه التطورات سوف تنعكس إسرائيليًا في تبني سياسات أكثر عنفًا تجاه الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة، وهو ما سيجعل تكلفة التطبيع معها من قبل الدول الخليجية أمرًا باهظ التكلفة.

وبهذا تكون الأوهام التي سيطرت على أذهان المخططين بتحقيقِ سلامٍ أبدي في المنطقة قد مهدت الطريق لسنواتٍ مقبلة من العنف.