تصميم: يوسف أيمن- المنصة

كيف رافق عادل إمام دروبي الأولى.. وكيف افترقنا؟

في زمن مضى سألتني صديقة عن رأيي في أم كلثوم، وبعد لحظات أنتجَت ضجرًا من غباء السؤال أجبتها بأن هناك ما لا نملك رأيا فيه، فالرأي يحتاج للمسافة، ولتشذيب العاطفة، ولحريّة التخلص من الذكريات.

فماذا لو كنت أكره الطرب وأعتبر الموسيقى الكلاسيكية الغربية هي ذروة تطور الفن في تاريخ الإنسانية. هل يمكن مثلًا بعدها أن أنكر الأصوات التي صاحبت مسيري في الشوارع أو جلوسي على المقاهي أو مصاحبة تشتتي في لحظات المذاكرة.

الأصوات التي سكنت أذني بإرادتي أو رغمًا عنها حين شعرت بالحب أو الخوف أو الأمل.

أم كلثوم مثلها مثل الضجيج والعوادم والصراخ الملتاع ورائحة الأتربة القذرة المرشوشة بمياه الخراطيم لجلب "الطراوة"، تشكل معهم الموسيقى التصويرية للقاهرة وهويتها البصرية ثقيلة الوطأة.

تلك أشياء لا تُحَب ولا تُكره. إنها خوازيق جلسنا عليها منذ كنا لحمًا طريًا فلا نستطيع انتزاعها من أحشاء وعينا، لا نملك أمامها إلا الاستسلام وبعض المحاولة للفهم.

ما يسري داخلي بشأن أم كلثوم؛ يسري أضعافه على عادل إمام.

العالم حين ينهار فجأة

لكل منا عادل إمامه بالطبع، وأنا هنا أتحدث عن عادل خاصة محمد نعيم. الممثل الذي صاحَب صعوده العارم طفولتي المبكرة وكان الضعف ناحيته أعلى مِن سواه لأسباب شخصية وتأسيسيّة شكّلت معانٍ حُفرت في وجداني من دون اختيار. تأكدت من صحة غالبيتها مع الزمن.

وللمصادفة كان عادلٌ آخر هو أحبَ الكبار إلى نفسي.

فخالي عادل عبد الحميد كان الوجود الأكثر مرحًا وطمأنينة وطيبة في عالم طفولتي، كان "عادل الحقيقة" ولا يزال يحمل نفس خفة الظل بنت مرار السخرية الضاجرة التي عند "عادل الشاشة"، وحتى وقت قريب كنت أرى ملامح وجهيهما شديدة الشبه بالرغم من أن هذا ليس صحيحًا بالمرة.

لا أتذكر كم مرة تماهيت مع عادل إمام، فهى مرات كُثر.

حين شاهدت مسلسل دموع في عيون وقحة (1980) وجدت نفسي جزءًا من أسرة جمعة الشوان. هم سوايسة مهجّرين مثل أهلي، أستطيع أن أتذكر حتى الآن لحظات الجزع التي أصابتني حين هرع جمعة إلى الميناء وقت القصف الإسرائيلي لينقذ فلوكته التي خبّأ فيها تحويشة عمره فإذا بالفلوكة تحترق بالمال، وإذا بفاطمة تفقد بصرها في نفس الموقع بينما كانت تهرع خلفه.


فهمت كيف يمكن أن ينهار العالم فجأة: تفقد في لحظة المال والرزق والأهل والبصر والأمان والبيت، أو مثلما حدث لأسرتي في الواقع: تضع قدمك اليمنى في فردة حذاء من دون أن تملك وقتًا لوضع قدمك اليسرى في الفردة الأخرى، لأن عليك أن تغادر حالًا وإلا فقدت حياتك.

التحدي من موقع الذكر المنتصر

تماهيت مع عادل إمام في فيلم لصوص لكن ظرفاء (1969)، أتذكر جيدًا لحظة صعوده من محل الصائغ على الحبال من داخل حفرة في السقف مكلّلًا بتاج ذهبي مسروق ليجد الشرطة في انتظاره، ثم بدأ يغنى "بلدي طنطا وأحب أعيش أونطة" للحضور.

كنت كل مرة أراقب حركاته وهو يحاول أن يرمي نفسه في حفرة السقف مرة أخرى أملًا في هروب مستحيل، كنت في كل مرة أتمنى أن ينجح في الهروب منهم.

مع عادل إمام تبدأ في حُب اللص أو المجرم أو الجانح أو المتمرد دون أدنى شك أو خجل أو اعتذار أو شعور بالذنب.


جبهة الخطايا العالية

تبدأ الرحلة مع إبراهيم الطاير وأحلامه، الخطايا لا تعتذر عن نفسها. جبهتها عالية وحمّالوها ذوي كرامة. وفي أعماق وعي هذا المجتمع المحافظ لا يوجد ما هو أكثر تقدمية وشجاعة من ذلك.

ستحب ولن تعتذر عن حبك. وسترتكب جرمًا وتشعر أن الحق يقف إلى جانبك. ستمارس عنفك وجنوحك ورغباتك بنظرة حادة متحدية واستعداد لدفع الأثمان.

ستفعل كل هذا وتُشعِر كهنة الأخلاق القابعين في محكمة حياتك بأنك على حق، أو لديك بعض الحق، أو على باطل لكن ربما يكون النصر حليفك. سيتّفقون أو يختلفون على تحديد كُنه الحق والباطل، لكنهم سيرونك حرًا ويهابون حريتك.

كل القهر الذي ينالك في البيت والمدرسة والشارع سيكون عادل حليفًا لك في مواجهته ورفيقًا لك في جبهتك.

كره المحافظون وفي القلب منهم الإسلاميون عادل إمام ليس لأنه يسخر منهم كما يشيعون، ولكن لأنه يتحداهم من موقع الذكر المنتصر الذي طالما احتكروه لأنفسهم.

يكرهونه ويخافون منه ومن انتصار ما يمثله.

الحب لا يعتذر عن نفسه

في المجتمعات المحافظة المتدخلة؛ الحب نوع من التحدي وأحيانا هو معركة يتطلب الانتصار فيها دعمًا اجتماعيًا وموافقات أهلية وشبكات تأمين صديقة وربما رأي الدولة. المسألة ليست شخصية بالمرة.

لذا فحين أحبَ ماهر النمر في المشبوه (1981) بطة العاهرة وتزوجها وأنجب منها علي، فإن الأمر لم يكن بالهيّن ولكنه بَدا هينًا بالنسبة إلى عادل وحضور تحدّيه الدائم على الشاشة.

أحب ماهر بطة حبًا حقيقيًا. بحث عنها في المواخير حتى إنه سأل عنها زميلاتها العاملات بالدعارة.

حبُها فقط هو ما دفعه لمحاولة سلك طريق أكثر أمنًا وأقل ملحمية في حياته. لم يكن التنازل الشخصي الذي قدّمه هو الوقوع في غرام عاهرة؛ لكنه كان التحول إلى نفر عادي من أنفار الحياة بعيدًا عن شقاوة مستحقة لصاحبها. فقط من أجل حياة بسيطة آمنة فقيرة مع العاهرة السابقة.

وفي فيلم خلّي بالك من عقلك (1985) أحب وائل طالب دراسات علم النفس فتاة مضطربة نفسيًا ومقيمة داخل إحدى المصحات، متحديًا العار الاجتماعي والتشكك في أصحاب المرض النفسي.


وفي مسلسل دموع في عيون وقحة أحب جمعة الشوان جوجو الإسرائيلية، صحيح أن الرقابة تدخلت في اللحظات الأخيرة وجعلت جوجو عميلة للمخابرات المصرية؛ إلا أن جمعة أحب جوجو قبل أن يعرف ذلك. ولم يعتذر عن ذلك ولم يعتذر عن أسبابه أمام جهاز كشف الكذب الإسرائيلي حين قال "أحب فاطمة لأنها زوجتي، وأحب جوجو لأنها بيضاء".

بدا لي الحب عند عادل إمام مجردًا من الرفعة كمعنى أو من الإفصاح الرومانسي الفج. شحيح التعبير على المستوى اللفظي، مٌغرق في الممارسة. مستندًا بشدة على رقة الموسيقات التصويرية لعمار الشريعي وعمر خيرت وآخرين، مع تعبيرات اليأس والألم والضجر الوجوديين على وجه عادل إمام. حب شديد المحلية والصدق والخفة أيضًا، وابنًا لسياقات تكرهه وتدينه وتنال منه بشكل تلقائي.


يختبر الحب صدقيّته حين يُبادل مع مَن لا يحبهم الناس، أو حين تشعر بجذوته ناحية مَن هم مطلوب كراهيتهم أو اعتزالهم.

في الحالات التي ذكرتها لا يملك المشاهد إلا الإيمان بالحب وجسارة المحبين.

فأن تحب العاهرة أو المختلة أو العدوة الصهيونية فتلك أشياء فضلًا عن كونها "معيبة" فهي أيضًا عالية الكُلفة وخطيرة المآلات بشكل لا يقوى عليه إلا الرومانسيين الشجعان.

دروس كهذه لطفل صغير نحتت في وجدانه تصورًا متطرفًا عن الحب، له ثمنه وحلوه ومره.

"أنا عمّي دراعي"

لعقود طويلة ظلت معايير المصريين عن الجمال تجعلهم شعبًا قبيحًا إذا ما نظروا في المرآة. نحن الفلاحون السمر نحيلو الأجساد والوجوه، الذين لا يعترفون إلا برفعة بياض بشرة أسيادهم الُملّاك من الأقلية التركية، استدارة وجوههم واحمرارها مع سمنة أجسادهم.

جاء الاستعمار الأوروبى ليزيد من تعقيد معايير الجمال لتشمل تنويعات أكثر بياضًا، ثم أتت الهيمنة الهوليوودية على المخيلة البصرية العالمية لتحسم الأمر تمامًا.

في هذا الميزان؛ يعتبر عادل إمام رجلًا قبيحًا: وجه بارز بلا ملامح دقيقة. لا تظهر عليه النعمة بفعل تشقق قسماته. قصير القامة بظهر أحدب ورأس تداري صلعها بشعر مصفف خصيصًا لذلك.

لطالما سخر النقاد والأفنديّة من عادل إمام لأنه أصر مع صعود نجمه على لعب دور البطل القوي الذي يستطيع هزيمة أعدائه بقوة سواعده اتساقًا مع مقولة "أنا عمي دراعي" في فيلم سلام يا صاحبي (1987)، وكذلك ظهوره بمظهر زير النساء الجذاب بشكل لا يقبل التشكيك من أيّ مَن كانت بشكل تجسدت ذروته فى مقولة "أنا مفيش مرَه متحبنيش" في فيلم سلام يا صاحبي أيضًا.

الأستاذ يوسف شعبان هو بس اللي يبوس

تبدأ المفارقة في مشوار عادل مع فيلم 1/2 ساعة جواز (1969)، والذي يقوم فيه بدور سامح، الكومبارس الذي يظهر في الأفلام كبديل للبطل في مشاهد المعارك ليتلقى اللكمات نيابة عنه.

وفي مشهد الذروة لشخصية سامح، يقوم بمحاولة تقبيل نجلاء فتحي قبل أن يهمّ الممثلون بضربه، فيُوقف المخرج المشهد صارخًا فيه بأنه ليس مسموحًا له تقبيل البطلة، فيردّ سامح متضرعًا بأن القبلة من حقه أيضًا، ليحسم المخرج الجدل بمقولة "أستاذ يوسف شعبان بس هو اللي بيبوس. إنت هنا جاي تتضرب وبس".


تستمر الرحلة بأن يقرر عادل إمام أنه جدير بتوجيه أقوى اللكمات وتبادل أعنف القبلات، بل بتجسيد فانتازيا الفحولة المصرية المتخيَلة من خلال القيام بدور ممثل أفلام بورن تعشقه الإيطاليات.

ومرة أخرى يسخر الساخرون دون أن يسألوا أنفسهم عن أي شيء يعبّر عادل إمام، هل عن فانتازيات جموع غالبية المصريين قبيحي الوجوه ذوي الظهر الأحدب والكرش الخفيف والميل للمسالمة، أم عن الواقع نفسه الذي يعلم عنه كل خبير أن من بين جموع هؤلاء المصريين يوجد صاحب القلب الميت الذي ليس بالضرورة صاحب الجسد الأقوى، أو أكثر الرجال جاذبية الذي ليس بالضرورة أكثرهم وسامة.

يمثل عادل إمام في هذه المعادلة الفانتازيا والواقع في نفس الوقت، وحين تُمثّل الفانتازيا والواقع في ذات نفس اللحظة؛ فقد حفرت نفسك في لا وعي المتلقي، لتصبح نموذجه الطبيعي لدرجة تقترب من البداهة.

غضب الهامش مشروع.. وعنف المهزوم مبرر

ما تم غزله في نفسي عن الحب والرغبة في أفلام عادل إمام كان لاحقًا على افتتاني بالعنف المفرط في أفلامه وقتما كنت أصغر في السن.

لن أخفي سرًا بأن أول ما نقلته من عالم "عادل إمام الشاشة" إلى "حياة محمد نعيم الواقعية" لم يكن الجاكيت الجينز المميز لعادل، بل شفرة الحلاقة التي وضعها ماهر النمر أسفل شفته في فيلم المشبوه قبل أن يحول حمودة الأقرع إلى حمودة الأعور في أحد حمامات سجن الاستئناف البشع، في مشهد مخيف يتسم بالسرعة والقسوة وشبق الانتقام.


مشاهد العنف الملحمي في أفلام عادل إمام كثيرة ومؤثرة وربما تكون الأشد دموية في السينما المصرية، وبقدر ما هي مشبّعة بالانتقام بقدر ما كانت مبررة.

هنا أتذكر كيف كان عادل إمام مؤثرًا في نفسي بالسلب، لأن العنف معه كان مبررًا ومشروعًا حتى لو كان مؤجلًا.

الرسالة المتواترة بنت عالم الثمانينيات المحبِط كانت غياب العدل وانسداد الآفاق بما يجعل الحل الفردي العنيف هو ذروة الملحمية. فكان مشهد نهاية فيلم الغول (1983) واغتيال عادل عيسى لفهمي الكاشف بضربة ساطور واحدة على الرأس وجلوسه على كرسي خشبي هادئا بجوار الجثة هو ذروة تجسيد العدل المرتجَى في نهاية العمل الدرامي. وكذا مشهد حشّ صلاح الغرباوي كرش الشرنوبي بيه في حمام منزله في نهاية فيلم حب في الزنزانة (1983).

من الصعب كذلك نسيان لحظات انتقام مرزوق لصديقه بركات في فيلم سلام يا صاحبي والتي وصلت ذروتها لدهس الرأس الكبيرة للخصوم بالجرار. أو مشهد تعليق هيما الرمانة للباشا في فيلم المولد (1989).

عادل عيسى يتأمل عقب قتل فهمي الكاشف

في أي جانب من العنف يقف الحق

العنف كان رسالة أبطال عادل إمام التي يعرف مشاهدوها أن ملحمتهم لن تتكثف إلا به. فالخيال الذي يجعل من الدميم معشوقًا للنساء، ومن الضعيف مقاتلًا شرسًا ومنتصرًا على كل الأقوياء، لن يكتمل إلا بانتصار هذا الدميم الضعيف على تجليات السلطة والقوة باستخدام عنف قاسٍ مخيف.

عادل أمام هنا كان دون أن يدري صورة موجبة من الجماعات الإسلامية التي كانت تمارس عنفًا استثنائيًا في هذه المرحلة التاريخية، ليس غريبًا هنا أن يكون عادل والجماعات خصومًا أشداء، والخصومة في رأيي لم يكن عنوانها الحقيقي هو الخلاف الإسلامي- غير الإسلامي، بل كان محوره هو في أي جانب من العنف وتَمثُل الذكورة والانتقام يقف الحق.


يالّا ندشدش كام مليون

هكذا كانت نظرة "عادل إمام الأول": الأغنياء إما أشرار أو متعالين أو تُفّه أو ليسو رجالًا بما يكفي، أو هن نساء ماجنات لا يعرفن الحب، مداعبًا التصورات النمطية الشعبية عن استحقاق الفقراء في مواجهة سادتهم من علية القوم.

في حنفي الأبهة (1990) الذي شاهدته مرتين مع أصدقاء الجيرة كانت أكفنا تلتهب من التصفيق الحماسي في أغنية "هوبا اصحوا للّون، يالّا ندشدش كام مليون" والتي رافقها قيام حنفي المجرم الهارب توًا من السجن بتحطيم تحف ومقتنيات عائلة غنية بينما كان يرقص في سعادة.

أغنياء أفلام عادل إمام يستحقون الاستباحة الإنسانية في أفضل الأحوال، والقتل في كثير من الأحوال. ربما اختتم عادل إمام هذا الحس الشعبوي في فيلم المنسي (1993) مع خطبة كرم مطاوع الشهيرة المعادية للفقراء والناموس والهاموش والتي أظهرت أن الأغنياء يكرهون الفقراء أيضًا ويدركون طبيعة الصراع من موقعهم.

هذا الحس الواعي أو الشعبوي الذي اختفى على كل حال لاحقًا، بعد أن أصبح ماهر النمر هو خطّاب النجاري، وبعد أن تطور "هيما المولد" ربما ليصبح لاحقًا مرجان أحمد مرجان (2007).


انحياز عادل إمام الطبقي في سينما الثمانينيات، وفي أعماله الدرامية عمومًا، بدءا بـ أحلام الفتى الطائر (1978)، وحتى فيلم المنسي (1993) كان واضحًا ومبدئيًا وشعبويًا في آن واحد.

يمكن اعتباره انحيازًا للميل غير المتدين داخل الطبقات الوسطى والشعبية. الأفراد أصحاب "النزعات السينيكية" الذين لا يقتنعون إلا بالتجربة والخبرة المباشرة، ومثلما خاصم أبطاله النزعات الإيمانية الاستعراضية وسمات الإحساس بالذنب والضعف المصاحب لها؛ سيجد عادل إمام نفسه أيضا في تخاشن مستمر مع المثقفين الذي لا يفهم أبطاله كلامهم ولا يعتبرونهم مرجعًا.

أبطاله أصحاب الفعل السابق على القول. الانحياز الشعبوي ذو المسحة اليسارية لعادل إمام جعل من أسطورته الثمانينية عدوة للمحافظين وقليلة الأهمية عند الانتلجنسيا، ومرهوبة بقدرٍ ما من الإعجاب من قبَل الدولة.

هذا وقد حان وقت الفراق

بعد ملحمة الإرهاب والكباب (1992) متكاملة الجمال ومع منتصف التسعينيات، غادرت نفسي عادل إمام وأنا في المرحلة الثانوية. افترقنا مع النضج وكل منا اختار طريقه.

أصبحت أنا بطلَ أفلامي، وأصبح هو بطلًا لناس لا أحبهم.

وجدته مع الوقت وقد أصبح عميد شرطة ورجل أعمال ووزيرًا في حكومات مبارك. نترقى اجتماعيًا ونغادر حوارينا ومساكننا الشعبية، هذه هي سنّة الحياة في هذا البلد وعجلة تاريخه الدائري.

لم أغضب منه حين أصبح ضابط شرطة هُمام ورجل أعمال فاسد متحرش، وأخيرًا معادٍ لثورتنا وموالٍ فج للنظام، رغم ذلك ظل يضحكني من أجل عز وخاطر الأيام الخوالي، فأنا لا أنكر الجميل.

عادل إمام أسطورة حية تعي وجودها، لذا حين سُئل في وقت ذروة مجده عن أشرس منافس له أجاب: "الزمن". ولأنه أسطورة فكل عربي أينما كنت يسألني عن أخباره كما لو كان صديقًا شخصيًا لـ 100 مليون مصري.

ولأنني أكره الأساطير كنت أجيبهم بجديته، هو، المتجهمة المصطنعة بأن عادل إمام مات وقد دفنته بيدي قبل شهور.

لا أخجل من قول هذا عن رجل أحبه فهذا هو حصاد جنوحه الذي نال مني، أن أقتل أساطيري وهى حية، مثلما قتلَ هو إحساسه ناحية الجموع التي مثّلها مرارًا كما لم يمثلها أحد من قبل.

ذات مرة سألته مذيعة غبية هل تحب يا أستاذ عادل المشي وسط الناس في الشارع. أجابها: لا محبش. فاستزادت من غبائها غباءً واستفاضت: ليه كده بس يا أستاذ عادل. فرد قائلًا: أصل أنا مشيت كتير أوي زمان.