تصوير: هاجر هشام

حق يوسف| مروة قناوي تستعيد ذكريات "الانتصار العظيم": لم أصالح.. ولن أسامح

الحرب طول الوقت بيني وبينهم كانت حرب طول النّفَس.. وأنا قررت من أول يوم إني مش هسامح في حق يوسف.

هل يمكن لحرب أن تنهي حربًا أخرى؟ هل يؤتى شخص واحد من القوة ما يمكّنه من هزيمة أعدائه "ذوي النفوذ"؟ بل هل هناك أي جدوى من اﻷساس لمقاومة أمر صار واقعًا؟

كم مرّة واجهت مروة قناوي نفسها بهذه الأسئلة قبل أن تقرر خوض حرب شهدت معارك متلاحقة- وأحيانًا متزامنة- لردّ حق صغيرها يوسف وتقديم المدانين بقتله للعدالة؟

كثيرًا، الإجابة أنها واجهت نفسها بهذه الأسئلة كثيرًا.. وربما بصورة يومية. تمامًا مثلما تكررت أسئلتها لنفسها عن سبب زجّ القدر بها وصغيرها إلى قلب تجربة قاسية انتهت فقط هذا الشهر بالقبض على المدانين، بعد شهور من هروبهما.

كانت المعارك كثيرة، تابعتها المنصّة، وحكت مروة عن خباياها؛ فرسمت ملامح حرب خاضتها من أجل حق يوسف؛ وصارت بعدها ممتنة للتجربة بعد أن أنهت حربها منتصرة.

أمل كاذب

كان يوم 18 مايو/ أيّار 2018 يقترب من نهايته، حين فرض القدر على مروة الحرب اﻷولى. خاضتها مُجبرة لا مُخيّرة.

مكالمة هاتفية من صديق ابنها، يخبرها بأن يوسف سقط أرضًا وتم نقله للمستشفى. تهرول الأم إلى هناك، وقد بدأت معركتها ضد الموت، مستعينة فيها بأمل، سيتبين لها بعد 10 أيام أنه كاذب.

يخذلها اﻷمل، تخسر مروة طفلها؛ وتهاجمها التساؤلات عمّا كان وما سيكون في تلك التجربة.

"من أول ما حصلت الحادثة وأنا بفكر ليه حصل ده ليوسف؟! أنا فاكرة إن أول حاجة قولتها: ليه ده يحصل لابني؟! ماكنتش مستوعبة إن طفل صغير يبقى ماشي عادي مفيش حاجة، وفجأة…..".

تستعيد اﻷم تلك اللحظة البعيدة؛ تغلبها الدموع فينقطع حديثها.


لم يكن اﻷمل وقتها حليفًا جيدًا، إذ انتصر الموت، وأخذ الطفل، وسلّمت اﻷم بالهزيمة.

رأى البعض أن الحرب انتهت، طفل رحل ومتهمين هاربين ﻷنهم "ذوي نفوذ". لكنها ما زالت مشتعلة في نفس مروة، اﻷمر صار أبعد من الحادث، فالحرب اتخذت بٌعدًا آخر، وصار الهجوم على اﻷم بأسلحة أشد وطأة، بالحزن والشعور بالعجز وأحيانًا التشكيك في قدرتها على رد حق ابنها.

هنا كان القرار حتميًا، أعلنت اﻷم خوض حرب ظاهرها أنها ضد الجُناة، لكنها بصورة أخرى كانت حربًا ضد الحرب. صحيح أنها لن تغير كثيرًا مما أحدثته الحرب اﻷولى، فلن تعيد إليها طفلها، لكن ستقلل من الخسائر النفسية الجسيمة حين تنهيها منتصرة للصغير.

وبدأت الحرب

في حرب مروة لاسترداد حق الطفل، كانت أولى المعارك هي متابعة سير التقاضي، لكن وبعد هروب المتهمين، اضطرت الأم لخوض معركة ثانية هي الإضراب عن الطعام.

"قراري كان فردي تمامًا وماتشاورتش مع حد. حتى المقرّبين مني ماكنوش يعرفوا. أنا فاجئت الناس كلها على مواقع التواصل الاجتماعي إني هبدأ إضراب عن الطعام لحين القبض على المتهمين".

كان القرار فرديًا، لكنه لم يكن انفعاليًا. فطالما بدأت الحرب، فلابد لكُل تحرّك فيها أن يكون محسوبًا.

"قبل إضرابي بحوالي شهر ونص كنت بجهّز جسمي لده، بإني بقلل أكلي، وبستعد نفسيًا ليه".

شهر ونصف مدّة طويلة، وتعكس تفكيرًا متأنيًا في قرار الإضراب قبل بدئه. فلماذا رأت مروة أن معركة الإضراب ضرورية؟

"قراري ده كان بعد خطوات كتير اتاخدت ولم تثمر عن أي نتايج أو استجابة من الجهات المعنية بالقبض عليهم".

نفس طويل

في نظر المحيطين بها، تعتبر مروة مثالاً للقوة والأمل، لكن ما قد يخفى عليهم أنها وبعد أن وعت درس الرحيل، لم تعد تمنح اﻷمل كامل ثقتها بعد خيانته اﻷولى لها، تتعامل معه بحذر حتى في أوج لحظات انتصارها بالقبض على المتهمين يوم 13 مايو 2019.

"بعد 45 يوم من إضرابي عن الطعام، وأنا كل يوم بصحى منتظرة الخبر ده، إلقاء القبض عليهم. فجت اللحظة وسمعت الخبر ده. لكن أصريت إني اتأكد منه علشان مايبقاش فيه أي لبس".


اقرأ أيضًا: رفض إعادة محاكمة المتهمين بقتل يوسف العربي.. والأم تنهي إضرابها


تأكدت اﻷم مما وصفته بـ"الانتصار العظيم"، بعد شهور من اندلاع حرب كان من بين ما كان من معاركها، تدوينها المستمر عن القضية، دون كلل.

"الحرب طول الوقت بيني وبينهم كانت حرب طول النفس. ﻷن عادة القضايا اللي من النوه ده، القتل الخطأ بسبب الأفراح، بتكون دايمًا قصيرة المدى. يعني اﻷهل بيبقوا غضبانين شوية وبعد كده بيحصل تصالح وتنتهي القضية".

كان النَفَس طويلاً، ولم تصالح مروة.

"اللي حصل في قضية يوسف عكس ده تمامًا. أنا قررت من أول يوم إني مش هسامح في الحق".

صورة لمروة قناوي تحتضن صغيرها يوسف- تصوير: هاجر هشام

الدافع اﻷول لمواصلة الحرب كان يوسف، لكن هذا لا يمنع وجود دوافع أخرى.

"مش بس علشان يوسف، لكن كمان علشان أبطّل العادة نفسها. وعلشان ده يحصل فمش بس هوّعي، لكن كمان لازم يُقام العدل، لازم يبقى فيه رادع علشان مايحصلش ده تاني، فيبقى فيه نموذج صارخ لناس عندها نفوذ ومع ذلك اتسجنوا".

ثمن الحرب

كان النَفَس طويلاً، يليق بمحارب، لكن كان للحرب ثمنًا دفعته مروة التي ظلت على موقفها دون استسلام أو إقامة وزن للإضراب، إلى أن ظهرت آثاره.

"على المستوى المهني، فضلت لحد آخر لحظة أروح شغلي بانتظام. يمكن بس تغيبت في الفترة اﻷخيرة ﻷني كنت خلاص صحيًا مش قادرة أواصل".

وجه نحيف، عينان تحاصرهما هالات سوداء، جسد هزيل، ومحقن طبي (كانيولا) التصق باليد اليمنى لإعانة هذا الجسد. ما تزال آثار الحرب المُنهكة بادية على مروة، التي قررت عدم الالتفات ﻷي متاعب.

"أنا تعبت مرتين قبل الحُكم، لكن كل همي كان إني أزقّ نفسي لغاية يوم الجلسة، وإني حتى لو هفك الإضراب، فالتاريخ لازم يكون تاريخ الجلسة، خاصة وإن المؤشرات كانت بتقول إني هاخد تأييد للحكم".

بعد 45 يوم من إضرابي عن الطعام، وأنا كل يوم بصحى منتظرة الخبر ده، إلقاء القبض عليهم.
- مروة قناوي

قررت مروة إبقاء متاعبها الصحية سرًا، لتجنّب كل ما قد يدفعها للتراجع، وللحفاظ على ما تبقى من طاقتها.

"حصل مرتين إن صحتي اتدهورت، والدكاترة كانوا بينبهوني إني بدأت ادخل في مرحلة خطرة جدًا. ده كان قبل فك إضرابي بحوالي 6 أيام. لكن ماحبتش اكتب عن ده، ﻷن فيه ناس من كتر تعاطفهم معايا؛ كان بيصعب عليّا أذيهم نفسيًا".

كان من بين مؤشرات الخطورة خسارة خُمس الوزن، وانخفاض الضغط والسكر، لكنها لم تدفع مروة ولو لمجرد التفكير في وقف الإضراب. واستمرت الحرب

"مافكرتش أوقف الإضراب. وفي الأواخر، الناس كانوا بيقولوا لي كملي، وده كان بيديني الشجاعة أكمّل، حتى لما ببقى تعبانة أو مرهقة".

مروة تتحدث للمنصّة عن رحلتها لاسترداد حق يوسف- تصوير: هاجر هشام

لم تصل مروة لمرحلة كسب التأييد والدعم بسهولة، فقبلها خاضت معارك جانبية هاجمها فيها إحباطات ومحاولات لإثنائها عن المواصلة.

"في بداية الإضراب كان كله ضدي، يعني المقربين والناس اللي مجرد متعاطفين مع القضية نفسها".

لكن إصرار مروة، دفع كثيرين لتغيير موقفهم.

"مرورًا بمراحل الـ45 يوم إضراب، بدأ الناس تختلف من إن اللي ضدي يبقى متعاطف، لدرجة إننا وصلنا لمرحلة إن كان فيه يوم تضامني أعلنت فيه سيدات مصريات كتير تضامنهم معايا، فدلوقتي في لحظة النصر حسوّا إنه انتصارهم".

كما كان لها مؤيدين، كان لخصومها. ومن بين ما دفعته مروة من ثمن للحرب، كان هجومهم عليها.

"كان بعض قرايب المتهمين أو أصحابهم يدخلوا (على فيسبوك) يشتموني أو يتهموني بإني بعمل ده علشان طمعانة في مبلغ ما، وإني بتاجر بابني".

حتى هذه الاتهامات، لم تشغل بال مروة.، فالهدف واضح ووحيد ومُحدد، هو العدالة.

عدالة بطيئة

تحققت العدالة، لكن بعد كفاح من مروة.

"من شروط العدالة إنها تكون سريعة، ﻷنها بتشفي غليل المجني عليه. لكن في قضية يوسف، يمكن ماحصلش ده".

لا تلوم اﻷم على جهة أو شخص بعينه في تأخر تحقيق العدالة، بل إنها تصالحت مع اﻷمر.

"فيه قضايا أوحش من كده، وفيه ناس بقالها 5 و7 سنين قضاياهم لسه في المحكمة. وقد يجوز الضغط اللي أنا عملته سرّع شوية".

لكن، حتى الضغط الذي مارسته لم يكن خيارها المفضل.

"كنت اتمنى إن ده يحصل من غير ضغط. يعني يمكن أنا كنت أكثر حظًا وعرفت أعمل ده، بس مش كل الناس بتعرف تعمله، فهي دي المشكلة".

سلمى من ساعة الوفاة مابتتكلمش عن يوسف، هو بالنسبة لها موجود وعايش معانا.
- مروة قناوي

فعلتها مروة، مارست الضغط السلمي من أجل نشر قضية ابنها، وذلك بمفردها، في غالبية وقت تلك الحرب.

"الحقيقة، عندي عتب شديد جدًا على منظمات حقوق الإنسان، ﻷن مفيش حد بينهم تضامن معايا كجهة رسمية. جايز كأشخاص، لكن بيان رسمي يطلع بده، ماحصلش".

لكن السيدة لاقت تضامنًا من جهات أخرى، كأعضاء في مجلس النواب، فضلاً عما لعبه الإعلام من دور تراه مهمًا.

"بعض الصحافة، وخصوصّا الخارجية، كان فيه تضامن كبير قوي منها، وكان ليهم فضل كبير جدًا في إن صوتي يوصل".

رفاق المعركة

وصل صوت اﻷم، ليس فقط بمساعدة الإعلام، بل عبر معركة أخرى، هي التوعوية التي خاضتها في مرحلة ما من عُمر القضية والحرب.

"كنت بناضل ضد العادات والتقاليد السيئة اللي ابني اتوفى بسببها. عادة، القضايا اللي من النوع ده مابتاخدش صدى كبير. بتبقى حالة وخلصت ونكتفي بإننا ندعي للضحية، لكن اعتقد إن إضرابي عن الطعام خلّى ناس كتير تفكر في الموضوع؛ فالمعركة مابقتش شخصية".

بالتعاون مع رفاق جُدد، خاضت اﻷم معركتها للتوعية.

"فكرت أنا وأصدقاء ابني نعمل له حاجة. أنا كنت مشوشة، لكن اختيار أصحابه كان إن تتعمل له كراسة باسمه".

في معركة التوعية، وجدت اﻷم العون في أصدقاء صغيرها، أعدّوا العدّة واختاروا سلاح يتناسب وطفولتهم، كراسة مطبوع عليها صورته مبتسمًا؛ فانتشرت باسمه، كراسة يوسف.

"هما اللي اختاروا الصورة اللي هتترسم عليه، وبقينا نبيع الكراسة دي وبالعائد بتاعها بنعمل ورش حكي ورسم وتعديل سلوكيات، وبنلف بيها محافظات. رُحنا الفيوم وبني سويف؛ وكان الصدى كويس جدًا".

صور يوسف على أحد حوائط منزله- تصوير: صفاء سرور. jpg

العون لم يكن من أصدقاء الصغير فقط، بل جاء أيضًا من شقيقته ذات الثلاثة عشر عامًا.

"سلمى من ساعة الوفاة مابتتكلمش عنه. يعني بعيدًا عن مشاعرها تجاه الموضوع، فهي يوسف بالنسبة لها موجود وعايش معانا. احنا بنتعامل عادي جدًا".

وكأنه اتفاق غير مُعلن بين الأم والابنة على خوض معركة ضد الغياب. يوسف هنا، لم يرحل. وكان لهذا الاتفاق أثرًا كبير في نفس الأم.

"كنت محتاجة أبقى قوية علشان خاطر سلمى. واعتقد إنها عملت من نفسها أمان ذاتي بإنها مش هتتكلم في الموضوع. يوسف بالنسبة لها في الجنة ومتطمنة عليه".

استراحة محارب

شخصيات عامة، أصدقاء يوسف واخته، شكل هؤلاء جميعهم مصادر دعم لمروة قناوي في حربها.

"أحب دايمًا اركز على نقطة إني ماكنتش لوحدي. الموضوع عمل جماعي فعلاً. الناس دلوقتي بتبارك لي وأنا ببارك لهم في المقابل. ﻷن الموضوع مش مجرد طفل اتقتل خطأ، ﻷ ده بقى قضية خلاص وخرج من إطار يوسف اللي بقى أيقونة للتغيير".

التغيير والقصاص، هدفان سعت مروة بكل ما أوتيت من قوة لتحقيقهما، لكن التخوفات ما زالت قائمة.

"القبض على المتهمين دي مجرد بداية. لسّه فيه إعادة إجراءات محاكمتهم ومرحلة نقض، وقد يحدث في أي مرحلة إنه لا قدّر الله يُخفف الحُكم، أو لأي سبب أجهله ياخدوا براءة".

تهاجم التخوفات مروة، لكنها في النهاية قررت أن تنفضها عن ذهنها ولا تفكر إلاّ في انتصار يمنحها مزيد من القوة وكذلك اﻷمل الذي عوّضها الآن؛ فغفرت له خيانته السابقة وتصالحت معه وقد صدق هذه المرّة وأنهى حربها الأولى مع الحُزن والفقد، بل وصارت ممتنة للتجربة.

"طبعًا عندي التخوفات دي، لكن بقول لنفسي إن اللي حصل بداية الانتصار مش نهائي. لسه فيه جولات تانية بجهّز نفسي ليها. مش عايزة اسبق الأحداث، ومنتظرة كل مرحلة هتكون الحرب ماشية بيني وبينهم إزاي. وطول الوقت الحرب بيني وبينهم طول النَفَس، وأنا نفسي طويل جدًا".