لوحة الصرخة للرسالم النرويجي إدفارت مونك. مصدر الصورة: Wikiart

صرخة إدفارت مونك: عندما تساعدنا التروما على الإبداع

لفترة طويلة قاوم إدفارت مونك، صاحب لوحة الصرخة، العلاج النفسي إقرارًا منه بأن أعماله ليست سوى صرخة متصلة بجذور ألمه.

"كنت أمشي مع صديقين وقت الغروب واستحال لون السماء إلى حمرة الدم فحلّ عليّ طيف من الكآبة، بدا الأفق مثل سيف يقطّر دمًا فوق المياه الزرقاء الداكنة وتوقفت لأستند على سور وأنا أشعر بالإنهاك وبقيت في مكاني أرتعد من الخوف، بينما تركني صديقاي يكملان طريقهما، وفجأة سمعت صرخة أبدية تمزق أحشاء الطبيعة".

هذه هي التجربة التي صنعت لوحة الصرخة إحدى أيقونات الفن المعاصر، والمرسومة سنة 1893، كما يحكيها صاحبها الرسام النرويجي، إدفارت مونك، (1863-1944) في مذكراته.

لوحة الصرخة أحد أيقونات الفن المعاصر. المصدر

يرجع النقاد الأهمية العظيمة لتلك اللوحة إلى تعبيرها عن أزمة كل إنسان معاصر فينا يحيط به الشك والقلق، لم يصل أحد آخر مثل إدفارت إلى هذه الحالة بتلك الطريقة المباشرة.

استدعيت في ذهني هذه التجربة التي أنتجت لوحة الصرخة وأنا أسير على كوبري قصر النيل، وسط القاهرة، في موعد خروج الموظفين. من خلفي ميدان التحرير ذو الذاكرة المكبوتة، وأمامي طريق مسدود من ازدحام مروري لا يتحرك حتى الشقة التي أسكنها، تشوش أفكاري كلاكسات السيارات وتعصر الحرارة رأسي وشعرت برغبة في الصراخ.

منحت لوحة الصرخة كل الناظرين إليها صرخة دائمةً تمثل العناء، فصاحب هذه اللوحة رسام بينه وبين الصراخ علاقة عبّر عنها في لوحات كثيرة. لفترة طويلة من حياته قاوم إدفارت مونك العلاج النفسي إقرارًا منه بأن أعماله ليست إلا صرخة متصلة بجذور ألمه.

الصرخة الكبرى

ما الذي يدفع رجلًا لأن يرى مجرد غروب الشمس بهذه الطريقة؟ تمثل لوحته الأخرى "الأم المتوفية وابنتها" مدخلًا مناسبًا لربط "الصرخة" بالقصة التي تجيب على هذا السؤال.

الأم المتوفية وابنتها، 1901 (المصدر)

في هذه اللوحة نرى أمًّا على فراش الموت ابنتها تحدق إلينا في رعب بوضعية يدين تشبه وضعية اليدين في لوحة "الصرخة"، لكن الطفلة، رغم رعبها البادي، لا تصرخ، وكأن ثقل المصيبة أكبر من صرختها، تمامًا مثل إدفارت الذي لم يستطع الصراخ حين ماتت أمه وهو في سن الخامسة، ولا حتى حين ماتت أخته المفضلة "صوفي" وهو في الثانية عشر.

بين عجز إدفارت عن الصراخ طفلًا، وبين الصرخة الكبرى في لوحته الأشهر، وما بعدها، خط طويل من الإنتاج الفني الغزير، الذي لم يكن يشغله إلا شيء واحد؛ محاولة الصراخ من التروما التي تعرض لها.

حين انحفرت التروما

يطلق مصطلح التروما أو الصدمة النفسية على المصائب التي لا يستطيع الدماغ استيعابها كاملة في لحظتها، خاصة عند تعرض الشخص في حياته لحوادث كادت أن تؤدي به إلى الموت، أو موت المقربين له.

لم تتمثل صدمة إدفارت النفسية في وفاة أمه وأخته في عمر مبكر فقط، بل عقّدتها عوامل أخرى كثيرة، كان مصابًا بداء السل الذي تسبب بوفاة الأم والأخت وبقي يحمل إحساسًا بالذنب ظنًا منه أنه السبب في نقل العدوى المميتة لأخته المتوفية.

وفي مراحل لاحقة، توفى جده بالسل أيضًا، وتوفى أخوه بالالتهاب الرئوي، كما كان لدى مونك أخت أخرى مصابة بالفصام.

يغلّف كل ذلك تديّن الأب إلى حد الهوس واستخدام العنف في عقاب أولاده خاصة بعد وفاة الأم، وحديثه الدائم معهم عن الموت وملاقاة أمهم في الحياة الأخرى، كان أبوه طبيبًا في الجيش يتقاضى مرتبًا ضئيلًا تسبب في انتقال الأسرة الممزقة من شقة صغيرة إلى أخرى، فلم يعرف مونك معنى البيت.

وبدت المملكة التي كانت تضم بلده النرويج مع السويد (1814 – 1905) تعاني أعراض الانهيار، حتى انهارت لاحقًا أخيرًا ومونك في الأربعينيات من عمره.

باختصار، فإن "أجنحة الخوف والحزن والموت" كانت تطوق إدفارت منذ ولادته، كما قال في مذكراته، لذلك كان الفن منفذه الوحيد لمعالجة وطأة الواقع منذ كان طفلًا، علمته عمته الرسم أولًا، ثم علم نفسه ذاتيًّا بدافع الاحتياج إلى ممارسته، وفي شبابه المبكر، شجعه الفيلسوف العدمي، هانز جيجر، على ممارسة رسمه باستمرار ليعبر عن مشاعره، كما حثه على الالتزام بكتابة مذكراته اليومية.

المشهد الحاضر دائمًا

في لوحة مماثلة للوحة "الأم المتوفية وابنتها"، رسم إدفارت مشهد وفاة أخته وبجانبها عمته، التي انتقل للعيش معها من بعد وفاة أمه.

الطفلة المريضة، 1885 (المصدر)

بحسب إدفارت فإن هذه اللوحة معبرًا تجاه أعماله الفنية الأخرى؛ فبالإضافة إلى إعادة رسمها مرارًا وتكرارًا على مدار أربعين عامًا، انطلقت من هذا المشهد غالبية أعماله التي تمحورت حول ثيمات الموت والحياة والحب من منظور تشاؤمي.

يمثل استرجاع ذكرى التجارب المؤلمة وعدم القدرة على تخطيها أعراض اضطرابات ما بعد الصدفة النفسية الحادة Acute PTSD. تلك التراكمات كونت أعراضًا أخرى يعتقد من خلالها علماء النفس إصابة إدفارت باضطراب ثنائي القطب Bipolar Disorder.

وبالإضافة إلى التشاؤمية الواضحة في ألوان إدفارت المظلمة، وتعبيرات شخوصه المتألمة التي تحدق غالبًا في مشاهدي اللوحة، بإمكان المتخصصين في العلاج بالفن Art Therapy رؤية عبء البيت المدمّر في الرمزية غير الواعية لشكل المنزل الذي يبدو غارقًا في الدماء أو مشتعلًا بالنار، وجروح الطفولة في الرمزية غير الواعية للأشجار المقطوعة وغير المورقة أحيانًا في لوحات مثل اللوحة التالية.

نبات فيرجينيا المتسلق الأحمر، 1900 (المصدر)

ملاصقة الحائط

مثلما كان الانعزال عن البيئة والبشر باديًا على شخوص الغالبية العظمى من أعماله، كان مونك يفضل دائمًا السير ملاصقًا للحائط، مبتعدًا عن المساحات المفتوحة، بعكس أي تخيل حالم عن الرسامين عامةً، لم يكن إدفارت ينظر حوله كثيرًا، بل كان محصورًا داخل الطفل الصارخ في صدره، فلم ترشحه هذه الصفة لامتلاك علاقات صداقات حميمية مع من حوله.

"أنا لا أرسم ما أراه، بل ما رأيته"

زاد انعزاله عامًا بعد عام تحت تأثير العلاقات الغرامية الفاشلة التي مر بها واحدة تلو الأخرى، فتضخم لديه الخوف من الحب والجنس، ومن المرأة أصلًا. الحب، مثل الموت، قاد إدفارت إلى الانهيار.

انحصرت علاقات مونك العاطفية في إطار المذهب البوهيمي الذي انتمى إليه منذ عشرينياته، حيث الحرية في الحب والعلاقات المفتوحة التي لا تتقيد بالالتزامات، لكن إدفارت في الوقت نفسه لم يستطع منع مشاعر الغيرة التي تولدت لديه بسبب انعدام الحدود، فأنتج الكثير من الأعمال التي تتلوى بنيران هذه المشاعر.


كذلك نرى النهايات الفاشلة دائمًا لعلاقاته في لوحاته التالية.


وكانت على الذروة امرأة

في عام 1902 وصل لذروة علاقاته الفاشلة مع تولا لارسن التي أصرت على الزواج منه بعد أربعة أعوام من العلاقة بينهما. كان في التاسعة والثلاثين وقتها، رفض إدفارت بشدة لأن "بيت طفولته المريض والمضطرب يولدان داخله شعورًا بأن ليس لديه الحق في أن يتزوج"، كما كتب في مذكراته.

المختصون في التحليل النفسي لم يتوقعوا خلاف ذلك، فطفولة مونك الجافة عاطفيًّا لم تسمح له بأن يطور إدراكًا سويًّا عن نفسه باستحقاقه الحب، ولذلك لم يقدر على ممارسته في علاقة ملتزمة في مراحل حياته اللاحقة.

يقول رائد التحليل النفسي، إريك إريكسون، إن الطفل الذي يدرك ذاته من مرحلة مبكرة بوصفها ذاتًا تستحق الحب هو الذي يستطيع بناء الأساس ليكون هو الذي يمارسه تجاه الآخرين فيما بعد.

وعلى شفا انهيار العلاقة، احتالت تولا عليه وادعت أنها على فراش الموت وأرسلت إلى مونك لتراه مرة أخيرة، وعندما ذهب لها وجدها تحمل في يدها مسدسًا وتهدد بالانتحار إن لم يتزوجها، حاول إدفارت خطف المسدس منها، فانطلقت رصاصة بالخطأ أصابت يده اليسرى. استحضر الطلق الناري أجنحة الموت من طفولة إدفارت مجدّدًا، وغذى جذور التروما القديمة. ربما استلهم مونك هذه الحادثة في بعض أعماله، مثل اللوحتين التاليتين

القاتلة، 1906 (المصدر)
موت مارا، 1907 (المصدر)

رحل إدفارت عن تولا ولم يعد.

وبدأت تولا علاقة عاطفية جديدة بأحد زملائه الأصغر، اعتبر مونك الأمر إهانة له، ووقع في دائرة من الشك في جميع أصدقائه الرجال والخوف من جميع المحيطين به.

جذور التروما خنقت مونك من رقبته.

صار أكثر إدمانًا للكحول وأميل للشجار العنيف.

وفي ليلة سُكْر، دخل في جدال مع رسام آخر وأطلق النار عليه، كاد مونك أن يقتله لولا أن الرصاصة حادت عن الهدف بأقل من شبر.

حتى انبحّت الصرخة

لم يعد في الصدر نفس، ولم يعد في القلب حيلة للصراخ بعد الآن.

من قبل الوصول إلى هذه النقطة، كان إدفارت يعرف أن أزماته المزمنة بحاجة إلى العلاج، لكنه كان يرفضه، خاف أن يفقده العلاج معاناته، فيفقد فنه، ويفقد روحه.

"أزماتي هي جزء مني ومن فني، لا يمكن الفصل بيننا، وعلاجها سيدمر قدراتي الفنية، ولذلك فأنا أصر على الاحتفاظ بمعاناتي"

كان مونك وحيدًا في فنه مثل حياته الواقعية، فلم يرحب الجمهور في بلده النرويج بلوحاته الحزينة المظلمة ولم يفهمها، سافر إلى باريس ثم إلى برلين ليجد أسلوبه المعبر عن ذاته في الرسم ويجد جمهوره.

تنقل إدفارت كثيرًا بسبب فنه، وكان مستعدًا للانزواء في ركنه النفسي المظلم كي لا يفقده؛ لأنه لم يكن يملك غيره، إلا أن الانهيار النفسي الذي عاناه عام 1908 أجبره على تسليم نفسه أخيرًا إلى العلاج في ألمانيا، ثم انتقل إلى مصحة في الدنمارك، حيث شخصوه حينها برهاب الخلاء الحاد (Severe Agoraphobia) مع قلق مزمن، وبقي عامًا تحت الملاحظة الطبية مع خضوعه لجلسات كهربائية.

انمحت التروما.. وطلعت الشمس

لم يداوِ العلاج فقط تشخيص مرض إدفارت، لكنه اقتلع جذور التروما المزمنة التي كان يعيشها، والتي سنتأكد الآن أنها هي فعلًا نفسها جذور أهم أعماله الفنية.

كان مونك محقًّا حين قال أن علاجه سيدمر قدراته الفنية؛ فكأن روحه قد تبدلت تمامًا بعد العلاج وتغيرت أعماله جذريًا فور خروجه من المصحّة، فحينها رسم مونك الشمس بألوان مضيئة وأسلوب لم يستخدمه من قبل، وكأنه يراها لأول مرة.

الشمس، 1909 (المصدر)

أصبح بإمكاننا رؤية ألوان أقل إظلامًا في لوحات إدفارت، كما ابتعدت موضوعاته عن بركان الرعب من الموت والتشاؤم من الحب والتلوي من الغيرة.

لم يعد يعبر عن كل ذلك بألوانه القاتمة القوية، والشخوص المعزولة في مقدمة اللوحة.

لم يبقَ في فنه إلا طيف من طبيعته التشاؤمية المبنية على آرائه العقلانية المستمدة من الفلسفة العدمية، مثل اللوحات التالية.


التخلص من التروما أم الاستمرار في الفن؟

مر مونك بتجربة العلاج وهو في الخامسة والأربعين من عمره، وقضى بعدها 35 عامًا حتى وفاته في الثمانين وهو مستمر في الرسم، أي أنه رسم نصف عمره الفني وهو بنفسية عليلة، والنصف الآخر بنفسية سليمة.

تعتبر الغالبية العظمى من أعمال مونك بعد العلاج أعمالًا عادية، أما أعماله الأهم التي تذكر له حتى الآن، والتي تميزه تمامًا عن غيره من الرسامين، هي من النصف الذي كان عليلًا فيه، وعلى رأسها لوحة الصرخة، إحدى أيقونات الفن المعاصر.

وبملاحظة روح إدفارت الفنية الخافتة بعد علاجه، يمكننا بشجاعة الاستنتاج أن مونك لو كان سلم نفسه للعلاج مبكرًا فلم يكن ليقدر على إنتاج عمله الأعظم لوحة الصرخة.

فربما قد حرمنا علاج إدفارت مونك النفسي، وحرمه هو أيضًا، من صرخة أخرى أقوى كان بإمكانها أن تريح لنا قلوبنا المكتومة بالرغبة المتضخمة في الصراخ.

فهل كان عليه التضحية بصحته النفسية حتى نهاية حياته من أجل الفن؟ أم أن الصراخ لا يستحق كل هذا العناء؟

بورتريه ذاتي مع سيجارة مشتعلة، 1895 (المصدر)