صورة من مظاهرة سابقة لجماعة الإخوان قبل الثورة. الصورة: فليكر- مفتوحة المصدر

بجوازات سفر سورية: رحلة إخوان مصر للخروج الثالث من السودان

تأتي الموجة الحالية من هجرة السودان كواحدة من ثلاث موجات، بدأت الأولى في العام 2017 مع أحداث "أركويت". والثانية كانت العام الماضي، بعد صدور توصيات من محمد الحلوجي تفضّل أن يبدأ الشباب في السفر.

نهاية الشهر الماضي، استهل رئيس المجلس العسكري السوداني، عبد الفتاح البرهان، زياراته الخارجية بأداء التحية العسكرية للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في زيارة شهدت تعهدًا بألا يبقى مطلوبًا أمنيًا لمصر على أرض السودان، وألا يتعاون السودان مع أي دولة تضر بمصالح مصر والخليج، وانتهت بتوقيع عدد من الاتفاقيات المشتركة، من بينها اتفاقية أمنية تتعلق بإجراءات تأمين الحدود ومكافحة الإرهاب، وتبادل المعلومات الأمنية.

ألقى الحديث عن المطلوبين أمنيًا لمصر في السودان بظلالٍ من القلق، على العشرات من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين المقيمين في السودان. إذ كانت السودان المحطة الأولى طوال ستة سنوات لاستقبالهم عقب عزل الرئيس السابق محمد مرسي في يوليو/ تموز 2012، سواء للإقامة فيه أو استخدامه كمَعبَر لدولة أخرى.


اتفاق جديد- قديم

واحد من شباب الجماعة المقيمين في السودان قال لـ"المنصة" إن تردد الحديث عن اتفاق أمني بين مصر والسودان بدأ يتجدد عقب عزل الرئيس السابق عمر البشير، ومع زيارة الفريق أول أبو بكر دمبلاب، مدير المخابرات السودانية للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

وأشار المصدر الذي خرج من مصر إلى السودان عام 2014 إلى أن الأنباء التي وصلتهم وقتها أن الطرف المصري طلب من الجانب السوداني تسليم 405 من قيادات وأعضاء الجماعة بالسودان، من بينهم محمد الحلوجي وعضو مجلس الشورى السابق ياسر حسانين، ومن الشباب عبد الهادي شلبي ويوسف حربي.

وسبق للسلطات السودانية اعتقال عبد الهادي شلبي، بعد اتهامه من قبل أعضاء آخرين في الإخوان بالتعامل مع جهاز أمني مصري، ثم أفرجت عنه بعد تبرئته. كما اعتقلت كذلك البرلماني السابق ياسر حسانين، على خلفية حادث أمني في أحد منازل الإخوان قرب الخرطوم.

محاولات الهرب

شرح عضو الجماعة، الذي فضّل عدم ذكر اسمه لأنه ينتظر دوره للخروج من السودان، أنه بعد تداول هذه الأنباء بدأ أعضاء الجماعة التحرك على مستويين، أولهما سفر البعض بصورة فردية لتركيا. واﻵخر، تحرُّك مكتبي الجماعة في السودان للتشاور مع القيادات، ومع أمنيين سودانيين، ووصلوا لنتيجة أنه من الأفضل سفر مَن يتمكن من اﻷفراد، وأن يحاول الخطباء والأئمة المحسوبين على الجماعة الامتناع عن أداء عملهم.

ويعمل في السودان مكتبان يمثلان التيارين المتنافسين داخل الجماعة، وهما تيار القيادات التاريخية المحسوبة على محمود عزت، وتعترف به نائبًا للمرشد العام، ويمثله في السودان محمد الحلوجي، وتيار آخر رفض الإجراءات التنظيمية التي اتبعها عزت، ويدين بالولاء للقيادي الإخواني المقتول محمد كمال، وهذا التيار الأخير كان يعمل وفق منظور عنفي.


أوضح المصدر الذي يطلع على تفاصيل مفاوضات الخروج أن "المشاورات خلُصت إلى نتيجة أن تسليم المطلوبين أمنيًا إلى مصر لن يتحقق، وأن ما يحدث ما هو إلا تكرار لتصريحات سابقة للبشير نفسه بأن السودان سيتعاون مع مصر دون أي تحرك حقيقي لترحيل الإخوان المصريين في السودان. على الرغم من ذلك، صدرت توصيات بسفر الأشخاص المدرجين على قوائم الإرهاب احترازًا، كما اجتمع قيادات المكتبين مع مسؤولي الشُعَب وكتبوا قوائم لمن يرغب في السفر من الخرطوم، وبالفعل بدأت أفواج متتالية في التحرك".

الموجة الثالثة

بحسب المصدر الشاب فإن قيادات الجماعة هناك عملت على تذليل عراقيل السفر، أمام الأشخاص من سن 18 إلى 45 سنة، والتي تتطلب تحمل تكاليف 1200 دولار أمريكي للشخص الواحد، بين تكاليف استصدار أوراق وتأشيرات دخول.

تأتي الموجة الحالية من هجرة السودان كواحدة من ثلاث موجات؛ بدأت الأولى في العام 2017 مع أحداث "أركويت". والثانية كانت العام الماضي، بعد صدور توصيات من محمد الحلوجي تفضّل أن يبدأ الشباب في السفر.

وفي فبراير من العام 2017 ألقت المخابرات السودانية القبض على 13 من الإخوان المصريين، من بينهم النائب السابق في مجلس الشورى ياسر حسانين، وذلك عقب انفجار عبوة ناسفة في منزل يقطنه عناصر من الإخوان من مصر وسوريا والسودان بحي أركويت شرقي الخرطوم، وتبيّن أن أحدهم كان يُعد عبوة متفجرة.

وانتهت القضية التي باتت تعرف بـ "أحداث أركويت" بالإفراج عن المقبوض عليهم، وترحيل بعضهم إلى دول أخرى. بالتوازي مع طرد الأعضاء المتورطين في أعمال العنف من مساكن الجماعة.


وبحسب مصدر ثان من الإخوان المصريين في السودان، فإن "ما يستدعي الحذر هذه المرة هو اصطفاف المجلس العسكري مع المحور المصري- السعودي- الإماراتي"، وهو ما توقع معه تغييرًا في التحرك اﻷمني السوداني تجاه المطلوبين أمنيًا من القاهرة.

وذكر المصدر أنه في العام السابق لسقوط البشير، تسلمت الحكومة السودانية عدة قوائم مِن القاهرة للمطلوبين أمنيًا، لكن التصرف السوداني كان عادة ما يكون الاتصال بمسؤولي الإخوان، أو استدعائهم وإبلاغهم بأن يبدأ أشخاص بعينهم، في البحث عن بدائل للسفر خارج السودان".

حينها، وبحسب المصدر، كان كل من لديه جواز سفر يسافر فورًا، إذ أن جميع المقيمين يتعاملون مع السودان كمحطة قبل الانتقال إلى دولة أخرى. غير أن القلق الأساسي كان ينصب على الأشخاص الصادر ضدهم أحكام قضائية، أو المطلوبين بشكل رسمي.

جوازات سفر سورية

هنا، يؤكد المصدر أن مسؤولي الجماعة طلبوا من راغبي الخروج من السودان نسخة من أوراقهم الرسمية، واستصدروا لهم جوازات سفر، تبين أنها وثائق سفر صادرة من المعارضة السورية، تسمح لحاملها دخول تركيا وماليزيا، على أن يعيدوا الوثائق بعد وصولهم والتعامل كلاجئين.

إلى ذلك، تأكدت "المنصة" من ثلاثة مصادر إخوانية أخرى في السودان وتركيا، أن عملية استصدار وثائق سفر المعارضة السورية تجري في السودان منذ مطلع العام 2017، وتُقدم كهوية سورية للمصريين تنتهي بمجرد وصوله تركيا، ولا تبقى في حوذتهم هذه الهوية بعد الدخول إلى تركيا.

في منتصف العام 2015، ومع استخدام النظام السوري لإصدار جوازات السفر للتضييق على المعارضين، بدأ "الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية" استصدار وثائق سفر لآلاف السوريين، اعترفت بها كل من تركيا وماليزيا، ورسميًا تعتبره الدولة السورية وثيقة مزورة.

حادثة أركويت

منذ سفر الإخوان إلى السودان؛ دأب النظام السياسي في مصر، ووسائل الإعلام الداعمة له، على الإشارة إلى اتخاذ الأراضي السودانية موقعًا للتخطيط للعمليات المسلحة. برزت أول تلك الإشارات في عملية تفجير الكنيسة البطرسية في العباسية في ديسمبر 2016، بالإشارة إلى أن الانتحاري منفذ العملية كان مختبئًا في السودان. وزادت وتيرة تلك الإشارات مع حادثة "أركويت".

غير أن مصدرًا مطلعًا على تركيبة الجماعة مقيم في السودان قال للمنصة إنه "من الأساس، فإن النسبة الغالبة من المقيمين في السودان محسوبين على جبهة محمود عزت، أما الجبهة الأخرى التي تتبنى الخيار المسلح فكان تواجدها ضئيل جدًا".

استطرد "خلال العام الماضي، تعرض الجناح الأقلية العنيف لثلاثة عوامل، أولًا: رفع مكتب عزت أي دعم أو حماية لهم. ثانيًا: عجز المكتب الآخر عن تعويض الدعم المرفوع. ثالثًا: طلب الأمن السوداني من قيادات المكتبين ومن الأفراد بصورة شخصية، بأنه على أشخاص محددين مغادرة السودان. هذه الأمور دفعت المحسوبين على خيار العنف إلى مغادرة السودان في أوقات سابقة".

ومنذ تأسيس فرع جماعة الإخوان المسلمين في السودان في أربعينيات القرن الماضي، بعد تأثرهم بتجربة الجماعة في مصر، شكّل السودان امتدادًا للجماعة في مصر، اتخذ شكل المصالح في الستينيات، مع إقامة عدد من المشاريع الاقتصادية لصالح الجماعة. كما شهدت علاقة الجماعة المصرية بالسودان نقلة نوعية، بعد انقلاب الرئيس الإسلامي عمر البشير على الحكومة المنتخبة عام 1989، وتوليه السلطة حتى الإطاحة به العام الحالي.