سيدة تهتف في مظاهرات 30 يونيو. الصورة: Tribes of the world- فليكر

المشاركة السياسية في الريف: من يناير ويونيو إلى "ربنا يولي من يصلح"

تراجع اهتمام الناس بالشأن العام لا نستطيع اختزاله في تعقب الأجهزة الأمنية لنشاط المنتمين لليمين الديني فحسب، ولكن عاد أيضًا الخوف من ممارسة السياسة خشية من "آذان" الأجهزة الأمنية.

منذ طفولتي، وحتى 30 يونيو/ حزيران 2013، لم أسمع عن تظاهرة منددة بفساد هيئة مرفقية أو محلية، في محافظتي (البحيرة)، ولا وقفة احتجاجية تستهجن الجرائم التي ترتكبها قوات الاحتلال في فلسطين، أو التي ارتكبتها الولايات المتحدة الأمريكية في العراق، حتى كسرت ثورة 25 يناير/ كانون الثاني ذلك على استحياء، وبدأ المشهد السياسي في الريف يتغير، حتى وصلنا إلى 30 يونيو وحدث حراك لم أشهد مثله في حياتي، إلا أن جذوة ذلك الحراك ما لبثت أن خمدت، وعاد الريف إلى مقاعد المشاهدين.

ولم يكن للنشاط السياسي في الريف، قبل 25 يناير، آنذاك أي وجود، اللهم إلا نشاط بعض المنتمين إلى فصائل اليمين الديني، خاصة جماعة الإخوان المسلمين، الذين كان نشاطهم يظهر بكثافة بالتزامن مع الانتخابات البرلمانية، بيد أن هؤلاء النشطاء كان يزج بهم في غياهب السجون في كثير من الأوقات، فكانوا بمثابة عِبرة لكل من تسول له نفسه الانخرط في المجتمع السياسي.

25 يناير من مقاعد المشاهدين

لم تكن دعوات المشاركة في تظاهرات 25 يناير رائجة على اﻷرض بين عموم الناس في الريف، بقدر رواجها على مواقع التواصل الاجتماعي، التي كان روادها من شباب الجامعات، الذين وإن عرفوا بأمر التظاهرات وتاقوا إلى المشاركة فيها، إلا أن فرمانات السلطة الأبوية في الغالب ما كانت تحول دون رغبتهم.

ورغم تأجج الأحداث آثر أهل الريف متابعتها عبر شاشات التلفزيون، وعلى الرغم من سقوط الضحايا لم يرف لهم جفن، وإن كانت "مصمصة" الشفاه هي وسيلتهم المفضلة للتعبير عن تأثرهم بسقوط شهداء في أعمار أبنائهم أحيانًا، وتأثرهم بالخطابات العاطفية للرئيس اﻷسبق حسني مبارك، أحيانًا أخرى.

شعار ثورة 25 يناير. صورة مفتوحة المصدر- ويكيبيديا

انتهت حالة الخمول مساء يوم 28 يناير2011 الذي عرف آنذاك "بجمعة الغضب"، بعدما احترق قسم المدينة التي تتبع لها قريتي، وكان مصدر هرعهم ليس ثورة على الظلم بل خوف من البلطجية، فكونوا لجانًا شعبية، لحماية ممتلكاتهم، على شاكلة اللجان الشعبية التي كانت منتشرة في مصر آنذاك.

صعود اليمين الديني

بعد ثورة يناير، انفتح المجال على مصراعيه، وانتعش المجال السياسي في الريف، وترتب على ذلك توسع نشاط جماعة الإخوان المسلمين الذين كانوا يوزعون منشوراتهم بصورة مستمرة بعد صلاة الجمعة، ويعقدون الندوات بصورة دورية.

وطرقت عضوات الجماعة الأبواب، لمطالبة ربات البيوت بالنزول لينتخبن مرشحي اﻹخوان في الانتخابات البرلمانية، ثم فيما بعد لكي ينتخبن مرشح الجماعة في انتخابات الرئاسة، وانتشرت المناقشات السياسية بين بين المختلفين فكريًا طوال الوقت.

وفي هذه المرحلة وصلت السياسة إلى المساجد، ويتجلى ذلك في استغلال خطيب مسجد إحدى القرى لخطبة الجمعة، لمطالبة الناس بانتخاب مرشح اﻹخوان في انتخابات الرئاسة (2012)، ولكن رد فعل المصلين بالاعتراض عليه الذي وصل إلى حد محاولة الضرب، كشف الصمت لم يعد السمة الغالبة في الريف، وأن السياسة والثورة وصلا حتى المنابر.

تنامي الاستقطاب السياسي

وبعد فوز مرشح الجماعة محمد مرسي بالانتخابات الرئاسية، وسيطرة الإخوان المسلمون على مقاليد الحكم، اتسعت المجادلات السياسية بين مؤيديهم ومعارضيهم، وكانت المعارضة تمثل السواد الأعظم في المدينة وقريتي التابعة لها.

وفي خضم هذه السجالات، التي كانت في أوجها، ظهرت حركة تمرد التي امتد نشاطها في بقاع مصر المختلفة، بما فيها هذه المناطق الريفية، وكانت منتشرة بصورة كبيرة ضمن أنشطة الأمانات اللامركزية لأحزاب المعارضة، وظل الوضع يحتدم رويدًا رويدًا، حتى جاء يوم 28 يونيو 2013، الذي كان بمثابة "بروفة" ﻷحداث 30 يوينو 2013، وكان يوم جمعة.

يومها صلى الناس في الساحات المحيطة بقسم المدينة، وبعد الصلاة أخذت الهتافات تتعالى، "يوم 30 العصر مرسي برة القصر، آه لو عبد الناصر عايش كان لبسكم طرح وغوايش، أحمد دومة يا ولد سجنك هيحرر بلد، جِندي جِندي يا ولد دمك هيحرر بلد"، وغيرها من الهتافات التي انطلقت عبر مكبر صوت على سيارة نصف نقل تجوب شوارع رشيد، ويتبعها عدد كبير من المتظاهرين.

كانت هذه المسيرة صادمة لمؤيدي جماعة الأخوان المسلمين، ولكن ما صدمهم أكثر هو اﻷعداد الكبيرة التي خرجت في 30 يونيو، وكانت بمثابة الطامة الكبرى على صعيد المناطق الريفية، إلا أن من يسمع تعليقات الناس على جماعة اﻹخوان، أو يسمع أغنية "الكائن الإخواني" لرامي عصام في محلات ومكتبات القرى، لن يندهش من اﻷعداد التي خرجت، فلم يكن من المعتاد تشغيل أغنية ذات نكهة سياسية بالمتاجر.


ولم يكن مشهد شاب في تظاهرات 30 يونيو وهو يصرخ في المتفرجين على المسيرة من شُرفات منازلهم ويدعوهم للنزول "انتم مستنين الإخوان يعملوا فيكم إيه تاني"، مدهشًا أيضًا، لا سيما أن هذه التظاهرات كانت في حماية الشرطة، فأصبح الوضع أكثر أمانًا.

وهيأ هذا الفرصة لأرباب الأسر لكي يسمحوا لزوجاتهم وبناتهم وأولادهم للمشاركة في هذه التظاهرات، التي استمرت بنفس الكثافة العددية حتى بيان 3 يوليو، الذي قبل أن يستكمل انطلقت اﻷلعاب النارية والأهازيج والزغاريد، للدرجة التي جعلت بائع بطيخ يصرخ قائلًا "والله لازم أوفي النذر وأكسر بطيخ"، ففي هذه اللحظة شهدت هذه المناطق احتفالات لم تشهدها عند سقوط مبارك، بل إني لم أرَ أحتفالات كهذه منذ أن انفتحت عيناي على هذه الدنيا.

وبعدما وصل الحراك في الريف إلى ذروته في لحظات فريدة، تقهقر ولم يعد من جديد بنفس الحجم إلا بعد أن طالب وزير الدفاع وقتها، الفريق عبد الفتاح السيسي، الشعب للنزول لتفويضه لمواجهة الإرهاب.

احتقان سياسي

وازدادت حالة الاحتقان ما بين بيان 3 يوليو وفض اعتصام رابعة، جعلت معارضي الجماعة يتعرضون ﻷتباعها مثل تجمهر عدد من الشباب حول زميل دراسة كان والده معروف بانتماءه للإخوان المسلمين، وإهانته بقولهم "مسكنا خروف هنا"، وكذلك عزوف عدد من مؤيدي بيان 3 يوليو عن الصلاة وراء إمام مسجد لأنه كان معروفًا هو الآخر بالانتماء للجماعة، واستسحسان حملة الاعتقالات لأعضاء جماعة الإخوان المسلمين من قبل أغلبية مؤيدي بيان 3 يوليو، بل والتحريض ضد أعضاء الجماعة أيضًا، وأضف إلى ذلك ممارسة التنمر إزاء الملتحين والمنتقبات لفترة ليست بالقليلة.

وبلور فض اعتصامي رابعة العدوية وميدان النهضة حالة الاحتقان، وكان عدد داعمي فض الاعتصام يزيد بكثير عن معارضيه، فحتى الذي شجب سفك الدماء من مؤيدي بيان 3 يوليو اتسم تنديده بالميوعة، ناهيك عن وضعه ضحايا الشرطة والقوات المسلحة في مواجهة ضحايا فض اعتصامي رابعة والنهضة، بمنطق "الأولى التعاطف مع ضحايا الجيش والشرطة".

أما من ناحية مؤيدي الرئيس اﻷسبق مرسي فإنهم توقعوا جمعة غضب جديدة وهذا لم يحدث، كما تبددت أحلامهم في عودة مرسي منتصرًا، في مشهد مشابه لعودة الرئيس الفنزويلي هوجو تشافيز، كما قالي لي أحد مؤيدي الرئيس اﻷسبق محمد مرسي.

ومن جهة ثانية اتهموا الأجهزة الأمنية بتلفيق السلاح الذي وجد في ميداني رابعة والنهضة، كما اتهموا الحكومة المصرية آنذاك بقتل العساكر والضباط حتى يتبين للجميع أن جماعة الإخوان إرهابية، فضلًا عن غض طرفهم عن فيديو القيادي الإخواني محمد البلتاجي، الذي يشير إلى أن هناك ثمة علاقة بينهم وبين الانفجارات التي تحدث في سيناء، وزعمهم أنه فيديو مفبرك.

اعتصام رابعة العدوية. صورة مفتوحة المصدر- ويكيبيديا

هربًا من النبذ والاعتقال

بعد هدوء اﻷحداث فرَ الكثير من أعضاء الجماعة بأسرهم إلى محافظات أخرى، هربًا من النبذ المجتمعي، وتعقب الأجهزة الأمنية، واقتصر الحراك السياسي على بعض السلاسل البشرية التي نظمها أعضاء الجماعة في الريف، قبل أن يتم إجهاضها بصورة نهائية ولم تقم لها قائمة بعد ذلك.

اندثار نشاط الفصيل الأبرز لليمين الديني، أفسح المجال لأنشطة الأحزاب المدنية، ومنها حزب الدستور، الذي قامت أمانته الفرعية بتنظيم بعض الفاعليات الخدمية البسيطة، دون اشتباك مع الأحداث السياسية الدائرة، اللهم إلا حدثين؛ أولهما هو الدعوة للمشاركة في الاستفتاء على دستور 2014، ومحاولة إجلاء مميزاته إلى الناس، وثانيهما هو تأييد حمدين صباحي في الانتخابات الرئاسية 2014، عن طريق تنظيم سلسلة بشرية.

وهو ما لم يقابل بالترحاب من الناس، ولكن اعتبرهم مؤيدو السيسي مخربين أو ممولين، فيما انتقدهم مؤيدو الإخوان، لمشاركتهم في انتخابات 2014 التي شبهوها بالمسرحية.

ربنا يولي من يصلح

بعد ذلك اختفى الحراك السياسي تدريجيًا حتى اندثرت آثاره بصورة نهائية، وعاد الوضع من جديد إلى المربع صفر، فكل فرد في المناطق الريفية انطوى على نفسه، وأضحى يشيح بوجهه عن التطورات التي تحدث، وأصبحت جملة "ربنا يولي من يصلح" الملاذ لكل من يريد أن يقطع سبل الحوار مع أي شخص حول الشأن العام، واختفت التعددية، وعاد المجتمع الريفي إلى مقاعد المتفرجين، كما كان قبل الثورة.

وبعد الانتخابات البرلمانية اختفى الحراك السياسي الذي كان في الريف، بل أن المنتمين إلى الأمانات اللامركزية للأحزاب التي بزغت من كنف ثورة يناير تركوها للموت البطئ، وانضموا لأحزاب أخرى معروفة بدعمها المطلق للرئيس الحالي.

وبين اليأس والخوف تراجع اهتمام الناس بالشأن العام، فالبعض اعتبر الحراك السياسي يساوي عودة الإخوان للحكم، وآخرون كانوا يخشون حتى الحديث عن السياسة، خشية من "آذان" الأجهزة الأمنية التي انتشرت بصورة كبيرة في المحافظة.، فيما اعتبر آخرون أن مشاركتهم السياسية مثل عدمها، وأنها لن تغير أمرًا واقعًا.

وهو ما وضح في انتخابات الرئاسة 2018، التي شهدت مشاركة كبيرة من الموظفين العموميين، بينما كان أغلب من قاطعوها هم الشباب، الذين لم يروا فيها منافسة سياسية حقيقية، بل انتخابات مرشح واحد.


اقرأ أيضًا: من 25 يناير إلى 3 يوليو.. في مذكرات شاب ريفي


اتجاه واحد

وبات واضحًا منذ تلك اللحظة أن السياسة عادت أحادية الاتجاه، وبينما كان هناك هامش من الحرية في المدينة استغلته القوى السياسية المعارضة، لعقد الندوات لمقاطعة الانتخابات، التي وصفتها بأنها انتخابات المرشح الواحد، لم يستطع أحد عمل الشيء نفسه بالريف، أو الترويج لما يراه صوابًا.

وهو نفس ما حدث في استفتاء التعديلات الدستورية، حيث كان هناك حشد من جميع الأحزاب الموالية للسلطة، بل حتى من الوحدات المحليةللتصويت بنعم للتعديلات الدستورية، عن طريق اللافتات والملصقات والندوات، في وقت لم يتمكن أي معارض من أن ينبس ببنت شفة عن موقفه المناوئ لهذه التعديلات، أو أن يسوق حججه للمحيط الذي يعيش فيه، خشية أن يلقى ما لا يُحمد عقباه.

كل ذلك عزز عزلة الريف السياسية، وأعادها إلى ما قبل الثورة، وضرب الحراك السياسي الوليد في مقتل، فعاد المواطنون إلى أماكنهم على مقاعد المتفرجين.