من حريق كنيسة الأنبا بولا، تصوير: ميرو إسماعيل

ليس اﻷول من نوعه: حريق مقر اﻷنبا بولا يكشف إهمال معايير السلامة في المنشآت المصرية

لم يكن حريق مقر دير اﻷنبا بولا بحدائق القبة هو اﻷول من نوعه الذي يُتهم فيه ماس كهربائي، بالتسبب في اشتعال النيران، لكن هناك عدة حوادث مماثلة سابقة طالت مبانٍ خاصة وحكومية، مما يطرح اﻷسئلة عن مدى تطبيق معايير الأمان والسلامة في المنشآت الدينية والحكومية والخاصة بمصر.

والتهمت النيران مقر دير اﻷنبا بولا، مساء أول أمس الثلاثاء، وأسفرت عن تدمير مبنى المقر بالكامل، دون وقوع خسائر بشرية، بحسب بيان نشرته صفحة المتحدث باسم الكنيسة القبطية اﻷرثوذكسية على فيسبوك.

وبحسب ما نشرته الصحف، فإن معاينات النيابة لموقع الحدث أفادت بأن سبب الحريق الذي بدأ بالدور الثالث وانتقل إلى الدورين الأول والثاني كان ماسًا كهربيًا في أحد التكييفات.


بحسب ما نشرته صحف مصرية عن معاينات النيابة وشهود العيان، وتصريحات الراهب بطرس اﻷنبا بولا من الدّير، فإن عدة حرائق اشتعلت هذا الصيف كانت بسبب ماس كهربائي في أحد التكييفات، ففي مايو/ آيار الماضي اندلع حريق في مأمورية الضرائب بالمهندسين وكان السبب، بحسب تحقيقات النيابة ماس كهربائي في وحدة التكييف، وفي نفس الشهر اندلع حريق في مكتب وكيل نيابة الورّاق بسبب ماس كهربائي في وحدة التكييف بالمكتب.

الحرائق بسبب التكييفات طالت الوحدات السكنية أيضًا، ففي نفس الشهر التهمت النيران واجهة عقار سكني من خمسة طوابق في مصر الجديدة، كما طالت الحرائق شركة بترو سيلا بقرية العدوة في الفيّوم، بسبب ارتفاع درجة الحرارة وارتفاع الأحمال على أحد التكييفات التي أدت إلى اشتعاله.

وفي يوليو/تموز الجاري، اندلع حريق في مستشفى الحسين الجامعي كان سببه، بحسب معاينات النيابة، ماس كهربائي بأحد وحدات تكييف الطابق المحترق، كما اندلع حريق داخل غرفة عمليات تابعة لقسم الطوارئ بمستشفى الشاطبي الجامعي للولادة باﻹسكندرية، بسبب وحدة تكييف في الغرفة، كما سيطرت قوات الحماية المدنية على حريق في فندق بالعجوزة، خلال نفس الشهر، بسبب ماس كهربائي بغرفة التحكم بوحدات التكييف.

معايير السلامة

بحسب الخبير في الأدلة الجنائيّة، اللواء فارس بقطر، فإن التكييفات تعتبر من الأسباب الشائعة للحرائق في مصر، خاصة مع تدنّي معايير الأمن والسلامة "إحنا ماعندناش تطبيق لشروط الأمن والسلامة، الناس ما تعرفش أي حاجة عن الكهرباء في بيتها ولا أمان الأسلاك، كذلك في الأماكن المختلفة كالمصانع وخلافه".

خلال عمله كوكيل سابق مصلحة الأحوال الجنائيّة، قرأ بقطر العديد من تقارير المصلحة عن الحرائق، يقول إن من خلال تلك التقارير تلك يستطيع إرجاع تكرار اشتعال الحرائق بسبب التكييفات، إلى عدم تأكد المسؤولين عن الأماكن وتجهيزاتها من قدرة شبكة الكهرباء على تحمّل تركيب تكييف "هل الشبكة والفيوزات والأسلاك هتتحمل التكييف وسحب التكييف ولا لأ؟ إحنا ماعندناش الموضوع ده نهائي".

يقول بقطر إن هذه الأمور يتم إهمالها في العادة حتى في الأماكن الكبيرة والمصالح الحكومية "المفروض الكلام ده يحصل، وإهماله بيسبب الحرائق، خاصّة التكييفات"، ويرى بقطر أن هذا اﻹهمال هو السبب هو السبب الرئيسي وراء اشتعال التكييفات.

يضيف بقطر أن هناك أسباب أخرى تؤدي إلى تحوّل وحدات التبريد إلى سبب في الحرائق، منها أخطاء التوصيلات "عشان كده إحنا (الخبراء الجنائيين) بنسأل، امتى حصلت آخر صيانة للتكييف، لأن ممكن الصيانة تكون سبب المشكلة"، ذلك إضافة إلى الاختيارات الأفضل للأسلاك.

أسباب اشتعال التكييف

يرى بقطر أن الصيانة بحد ذاتها قد تكون مشكلة تتسبب في اندلاع حرائق من وحدات التكييف"أغلب فنييّن الصيانة بتجيب جردل ميّة ويروح غاسل الوحدة، وبعدها ينتظر جفافها ويشغّلها، الميّة ديه ممكن تعمل ماس".

يضيف بقطر أن الاختيار الخاطئ لمفتاح الأمان الخاص بمصدر كهرباء التكييف، قد يجعله محمّلًا بتيّار أكبر من قدرته على الاحتمال، فلا يستطيع أداء وظيفته في حالة حدوث ماس كهربائي أو "قفلة" في الدائرة الكهربائيّة الخاصة بالجهاز، وهي فصل الجهاز عن الدائرة الكهربية المنزلية "لما مش هيفصل السلك هيسخن، يسخن زيادة يبتدي يولّع".

صيانة التكييف

محمود القبيصي، فنّي تكييف، تحدّث إلى المنصة عبر الهاتف عن عمل فنيّي التكييف "من المفترض أن فنّي التكييف عند الصيانة بغسل الوحدة الداخليّة، والتأكد من الوصلات والأسلاك". يضيف "لو كان الفنّي مش فاهم ممكن يبوّظ أي حاجة من الحاجات ديه".

يقول القبيصي إنه من المهم أن يتأكد فنّي التكييف من عزل الكهرباء، قبل عمل الصيانة أو غسل الوحدة الخارجيّة "المفروض إن شغلي بيكون بعيد عن الكهرباء وبكون عازل الكهرباء قبلها، ولو في ميّة جات ناحية الكهرباء المفروض أنشّفها بطريقة معيّنة وبعدها أرجع الكهرباء للجهاز".

يقول القبيصي إنه في حالة التركيب، ففنّي التكييف ليس مسؤولاً عن الأحمال الكهربيّة الخاصة بالمكان، لكنه تقع عليه مسؤوليّة تنبيه صاحبه أو المسؤول عنه، إذا كان التكييف غير ملائم لكهرباء المكان "لو معايا تكييف سبعة حصان مثلًا ولقيت إن كهرباء المكان اللي أنا فيه مش 3 فاز، أو إن المفتاح اللي هشتغل عليه التكييف الأمبير بتاعه أقل من الأمبير بتاع التكييف بنبّه صاحب المكان"، يضيف "ديه أقصى حاجة ممكن أعملها لكن الكهربائي هو اللي بيأسس الكهرباء في المكان، فالمفروض يبقى عارف الأجهزة اللي هتركب".

لكن القبيصي يشير إلى سبب آخر قد يتسبب في حرائق التكييفات، وهو إهمال الصيانة الخاصة بوحدات التكييفات "كبّاس الموتور لما ما بيتعملّوش صيانة دوريّة ممكن ضعطه يعلى" وهو ما قد يتسبب في التأثير على أداء الجهاز وتسببه في إشعال حريق، على حد قول القبيصي.

وإضافة إلى أسلاك الوحدة الخارجية التي غالبًا ما تكون في الخارج، وقد تتعرض للانصهار نتيجة التعرض لدرجات الحرارة الشديدة "لما بتسيح الأسلاك ممكن تلمّس مع بعضها وده يتسبب في حرائق". يضيف القبيصي "الناس ساعات بتشوف الصيانة مش مهمّة لكنها مهمّة جدًا".

توفيق أوضاع الكنائس

كجزء من إجراءات تقنينها، يطلب مجلس الوزراء، بحسب قانون بناء وترميم الكنائس، أن تستصدر الكنيسة، المراد توفيق أوضاعها وترخيصها، تقريرًا استشاريًا هندسيًا (تخصص حريق) موضحًا به وصف المشروع تفصيلًا، ومصادر الخطورة به وأنظمة الإطفاء ونظام الإنذار المقترح تركيبه بالمشروع، ومراجعة التقرير من الناحية الفنية وفقًا لمعايير الكود المصرى لوقاية المنشآت من أخطار الحريق، وهو ما يطلب من الكنائس المنشأة أصلًا ومطلوب توفيق أوضاعها، خاصة تلك التي لم تُرخّص بعد.

في حالة كنيسة الأنبا بولا بحدائق القبّة، فهي من المنشآت الكنسيّة المقننة والمرخصّة، بحسب ما قاله رئيس لجنة حصر الكنائس المشكّلة من البابا تواضروس القس ميخائيل أنطون للمنصّة في اتصال هاتفي، والراهب بطرس، أحد رهبان الدير، وهو ما يجعل المنشأة مطابقة لمعايير الكود المصري للوقاية من الحرائق، وعرضة لتفتيش الجماية المدنية بخصوص إجراءات الأمن والسلامة الخاصة بالمنشآت، سألنا الراهب بطرس عمّا إذا كان الدير يقوم بالصيانة الدورية لوحدات التكييف المتواجدة به، فأحالنا للتحدّث مع القمّص ميصائيل المسؤول عن المقر.

حاولت المنصّة التواصل مع القمص ميصائيل، المسؤول عن مقر الدير، لكنّنا لم نستطع التواصل معه نظرًا لحالته الصحيّة، كونه كان داخل مقر الدير وقت الحريق. حاولت أيضًا المنصّة التواصل مع المتحدّث باسم الكنيسة الأورثوذكسية، القس بولس حليم، عن طريق الهاتف والرسائل النصيّة القصيرة، لاستيضاح حالة الكنائس الأرثوذوكسية من حيث تطبيق معايير الأمن والسلامة، لكنّنه لم نتلق ردًا منه.