رقصة غجرية. الصورة: James Niland- فليكر

عن الغجر والنَور والكاولية: متمردون وحالمون يقدسون الترحال والموسيقى

في فترة الستينيات، ضيقت السلطات المصرية الخناق على العازفين وفناني الأراجوزات ولاعبي البيانولا الغجر، وقُبض عليهم بقرار من زكريا محيي الدين، وامتلأت بهم السجون، في الوقت الذي كانت تروج فيه بعض الدول لفنون الغجر .

ظل أصل الغجر وبداياتهم الأولى لغزًا عصيًا لفترات طويلة على المختصين، حيث امتزجت الحقائق باﻷساطير، حتى أن بعضهم ذهب إلى القول إن الغجر من سلالة قايين الذي كان التيه جزء من عقابه على قتل أخيه بحسب سفر التكوين في التوراة.

ويقول لطفي الخولي في مقال بمجلة التراث الشعبي 1964 إن ربط أصول الغجر بمصر أو بلاد الشرق محض أسطورة، بينما يُرجع الرحالة الإنجليزي جورج هنري "بورو" أصول الغجر إلى شمالي الهند.

وبحسب بورو، الذي عاش بين جماعات الغجر وألف عنهم كتبًا عديدة منها The Zinkali وThe Bible in Spain ، فإن الغجر كانوا يتكلمون لغة واحدة تشبه في أصولها وتركيبها لغة الهنود القديمة "السنسكريتية"، بل هي أقدم منها، وفيها كثير من الالفاظ الهندية القديمة وهم يسمونها ويسمون جنسهم"رُماني" ومعنى"رم" في لغتهم "زوج" وروماني تعني طائفة الأزواج.

فتاة غجرية تمسك بآلة الماندولين. بورتريه لجان باتيست- ويكيبيديا

ويوضح بورو أن العديد من الغجر هاجروا من الهند إلى أوربا في أوائل القرن الثاني عشر للميلاد، وفي القرن الرابع عشر هاجرت جماعة أخرى منهم فرارًا من وجه تيمورلنك القائد التتري الشهير، فأقام معظمهم في المجر وفي أماكن أخرى من جرمانيا وسويسرا وإيطاليا، ولم يظهروا في باريس إلا عام 1427 فظهر منهم 120غجريًا، ادّعوا أنهم من مسيحي مصر وفروا من ظلم المسلمين، ولعل هذا السبب وراء تسميتهم بالـ"Gypsies".

الغجر والنّوّر والزنجاني

الغجر لهم أسماء عديدة حسب البلاد التي يقيمون فيها، فاسمهم في سوريا "النَوَرْ"، وفي مصر "الغجر"، وفي بلاد فارس وتركستان"زنجاري" وفي ايطاليا "زنجاني"، وقد يبدو أن هذه المسميات ترجع إلى أصل واحد (زنكالي) يسمون به أنفسهم وهو لفظ هندي قديم ومعناه "سود الهند" أو السند.

ويُعرف الجيل الحديث من الغجر في أوروبا باسم Gypsy الذي ربما دعوا به لاعتقاد أنهم مصريون، بناء على دعواهم وعلى سمرة بشرتهم، بحسب مجلة الهلال عام 1869.

ويعيش الغجر في معظم البلاد العربية بمسميات عديدة، فهم "النور" في فلسطين وسوريا، و"المطاربة" على الساحل السوري، ويطلق عليهم أبناء الصعيد في مصر مسمى "الحَلَب"، وفي العراق"الكاولية".

عشق الموسيقى

ومع ترحال الغجر فإنهم لا يتمسكون بشيء إلا الموسيقى، فالآلة الموسيقية بالنسبة للغجري بمثابة قلبه، لا تفارفه ولا يستغني عنها، فهي امتداد لكل العذابات والأفراح التي يلاقيها أثناء مواصلته للحياة ومخالطته لكل أجناس البشر في حلوله وترحاله.

ويرى جمال حيدر في كتابه "الغجر.. ذاكرة الأسفار وسيرة العذاب" أن الموسيقى بالنسبة للغجري كديانته، تتأثر إلى حد كبير بما يعتقده الشعب الذي يعيش وسطه، وأنه ليس للغجري لغة موسيقية مشتركة، فهو يحفظ الأغنيات والموسيقى المحلية للشعوب التي خالطها وشاركها الحياة، ثم يضيف لها طابعه الخاص، ومنذ القرن الـ18 أصبح للغجري هيمنته الواضحة على الموسيقى، إلى أن أصبحت مهنته التي يتكسّب منها قوته اليومي.

ويقول حيدر إن أول إطلالة موسيقية غجرية على العالم خارج الهند كانت عبر الموسيقيين الذين أرسلهم الملك شانكال إلى ملك فارس بهرام جور، وكانوا من أشهر عازفي آلة السيتار.


واشتهر الغجر بإحياء الحفلات الموسيقية التي كانت تقام في قصور كبار الإقطاعيين منذ مطلع القرن الـ17، وطلبت العديد من الدول الفرق الموسيقية الغجرية للسير أمام الجيوش المتجهة نحو جبهات القتال، وتم استخدام موسيقاهم في مراكز التطوع لتحريك روح الحماس في روح الجنود، خاصة في حروب الدول العثمانية في البلقان مطلع القرن الـ 19 ميلاديًا، بحسب حيدر.

وكانت العائلات الغجرية تمارس عملها كفرق فنية جوالة في دول أوربية عديدة، لكن الغجري لم يعرف فكرة التدوين الموسيقي أو النوتة الموسيقية، لذا لم يحفل التراث الموسيقي الغجري بوجود كبير واندثر.

ورغم كل ما يشار إلى علاقة الغجري بالموسيقى، لم يكن الغجري مبدعًا، ففي دراسته المعنونة بـ"جماعات الغجر"، يقول نبيل صبحي حنا، أن الغجر أخذوا موسيقاهم من البلاد التي طافوا بها، فاقتبسوا منها ما يوافق شخصياتهم وطباعهم ومزجوها ببعض إبداعهم، فورث الغجري التراث الموسيقي القديم بالجيتار والكمان، وفي القرن الثامن عشر كان للغجري سيطرة على الموسيقى وأصبح الكمان أعلى الآلات منزلة.

عصر ذهبي

القرن 19 هو العصر الذهبي للموسيقى الغجرية، بعد انصهارها مع الموسيقى الفلكورية الهنجارية، وأسست العائلات الغجرية فرق موسيقية خاصة بها، وطافت القرى والمدن، لتعزف الموسيقى الغجرية التي كانت أقرب لصيغة الموسيقى الشرقية.

خرج الموسيقيون الغجر من ثوب الموسيقى المهجنة المحلية للشعوب التي خالطوها، فبعد مرحلة إضافة صياغتهم الخاصة لتلك الموسيقى، إتجهوا لتشكيل وخلق موسيقاهم الخاصة، فألف الفنان يانوس بهاري مقطوعة"بهاري نوته" عام 1808 وعُزفت في احتفالية خاصة بالإمبراطورة ماريا لويزا، كما ينسب بعض الباحثين له تأليف مقطوعة راكوسيزي مارش مع فرانز ليست التي تطورت لاحقًا إلى النشيد الوطني للمجر.


وفي منتصف القرن التاسع عشر أصبحت الموسيقى الغجرية ذات طابع خاص له شأنه المميز، واشتهرت في روسيا بالرومانسية، وأحيا العازفون الغجر حفلاتهم في الحانات والخانات، وفي الأسواق والمهرجانات الشعبية وحفلات الزفاف، وتتوزع الفرق الموسيقية الغجرية في ألمانيا وهولندا وسويسرا وفرنسا وإسبانيا.

ويشير الكاتب العراقي جمال حيدر، إلى عدم اكتفاء الغجري بالعزف على آلة اللوت رغم براعته في استخدامها، بل عزف على الدف والطبلة والكمان، الذي يكن له الغجري احترامًا عميقًا، وهو ما ظهر في الأساطير الغجرية عن ارتباط المكان بأصول الغجر، منذ نشوء الخليقة الأول.

استخدم الغجر في موسيقاهم آلات النفخ الهوائية كالناي والمطبك والمزمار والكلارنيت، والآلات الوترية كالكمان والبُزُق والربابة والجيتار، والعود أحيانًا، أما آلات الإيقاع تنوعت ما بين الطبلة والرق والدف، والأكورديون الذي يمثل ركنًا مهمًا في موسيقاهم في وسط وجنوب أوروبا.


تنوع موسيقي

خالط الغجر الشعوب واستعاروا منهم الآلات الموسيقية والغناء وأضافوا لهم نكهتهم الخاصة، ما أضاف لهم تنوع موسيقي، فاستعاروا من بلغاريا الكوبزا وهي آلة موسيقية تشبه آلة العود، وأضافوا لموسيقى الزفاف البلغارية روحًا جديدة، وفي خلال القرون الأخيرة من تجارة العبيد في رومانيا واسترقاق الغجر، حصل الموسيقيون من الغجر على الكثير من الامتيازات التي لم يحصل عليها الفلاح الروماني، وتم توظيف العازفين في الفرق الموسيقية الكلاسيكية، وشاركوا في الحفلات الموسيقية داخل رومانيا وخارجها.

تميل الموسيقى الغجرية في رومانيا للتعبير عن الأحزان والمعاناة والرثاء، تعبيرًا عما لاقاه الغجري، الذي في نفس الوقت حثّ بموسيقاه على الأحلام وإشعال الحماس في ذاته المليئة بالهموم، من خلال طقوس خاصة ملحمية وشعبية، وطقوس تخص الأطفال وأعياد الميلاد والمناسبات الخاصة.

وهناك نوعان من الموسيقى لدى الموسيقي الغجري في رومانيا؛ الأولى هي القديمة التي تتمركز حول الملاحم الشعبية لسيَر الأبطال المحليين وصفاتهم، والثانية المُطعّمة بموسيقى الجاز والغربية المعاصرة.

تيارات موسيقية

ويقول حيدر إن الموسيقي الغجري شكَّل تيارات موسيقية مختلفة في عدة بلدان ودول، ففي روسيا في عهد الإمبراطورة كاثرين كان له تيار موسيقي هامشي ومحاصر في دائرة الجماعات الغجرية، وبعد ثورة 1917 منح البلاشفة للموسيقي الغجري حريته، لتنتعش الموسيقى الغجرية وتضعها الدولة نصب أعينها، إلى أن جاء ستالين وسخّر الطاقة الموسيقية للغجري في تجربته السياسية، لكن محاولاته فشلت.

وفي تركيا، مزج الموسيقي الغجري الموسيقى الشعبية التركية بموسيقاه، ونتج عن ذلك خليطًا راج وانتشر، واستخدم الآلات الشرقية كالعود والقانون، وآلات أخرى مثل الكلارنيت والدف، وفي إيران استخدم عددًا كبيرًا من الآلات الموسيقيى الإيرانية المحلية مثل الطنبورة والسنطور، وطوعهم ليلائموا موسيقاه، وطور الغجري الموسيقى البرتغالية والبرازيلية خاصة السامبا.


وفي فرنسا انفرد الغجري بالعزف على آلة الهارب وألّف العديد من المقطوعات على هذه الآلة بعد تطويعها على سلمه الموسيقي، كما ساهم في بريطانيا في ترسيخ العديد من القيم في الموسيقى الرقص الفلكوري، واشتهرت بعض أغانيه المعنية بوداع المسافر والاحتفال بالأعياد، وبعض التقاليد والطقوس التي لها علاقة بالحياة اليومية.

كما اهتم الأمريكيون بموسيقي الغجر منذ عام 1921، ومُنح العديد من الموسيقين زمالات ومنح دراسية لدراسة وإنتاج بحوث عن موسيقى الغجر، واهتم الموسيقيون الأمريكيون بالموسيقي الغجرية، واستمرت تلك الموجة في موسيقى الجاز والبوب، بحسب كتاب"الغجر" لجمال حيدر.

الغجر في مصر

أما في مصر فيمثل الغناء والرقص رفقة الموسيقي جانبًا كبيرًا من دخل الأسر الغجرية، الذي عماده النساء التي ترقص وتغني في الحفلات والمناسبات الخاصة والموالد، فالأسرة جميعها تنتقل للإقامة حيث يُنصب المولد، ويتخصص الرجال في العزف بينما تتولى النساء الرقص، ويتشاركان في الغناء.

في عام 1919 تهيأت البلاد للثورة، فزادت الأنشطة الثقافية والفنية التي تناضل ضد جرائم الاحتلال الإنجليزي وقتها، فشارك عدد كبير من الفنانين الغجر في الريف والمدن في تلك اﻷغاني.

ويترتب على ذلك اعتبار المرأة الغجرية التي تمتهن الرقص والغناء كنزًا ثمينًا، فليجأ الرجل دومًا للحفاظ على بناته ليجني من وراءهن الربح، ويتنافس الشباب الغجر على الزواج من المغنيات والراقصات الغجريات.

في عام 1919 تهيأت البلاد للثورة، فزادت الأنشطة الثقافية والفنية التي تناضل ضد جرائم الاحتلال الإنجليزي وقتها، فشارك عدد كبير من الفنانين الغجر في الريف والمدن في تلك اﻷغاني، باﻹضافة إلى غنائهم في الأفراح بالقرى، وفي مواسم جني المحاصيل الزراعية، وفقًا لمهدي الحسيني في مقالٍ بمجلة الهلال2003.

ويشير الحسيني إلى أن الفنانين الغجر كان لهم دور في نشأة وتكوين الحياة الفنية المصرية منذ منتصف القرن الـ19 تقريبًا، وحتى بداية القرن العشرين، فالشيخ المصري الغجري، محمد عبد الرحيم المسلوب "من مساليب قنا"، كان له دور كبير في خلق قوالب الدور والموشح والمقطوعات الموسيقية المصرية، وأدخل أصواتًا مصرية كبيرة لساحة الغناء المصري، مثل ألمظ وعبده الحامولي ومحمد عثمان، فضلًا عن العازفين مثل كامل الأصلي والعقاد، كما كوّن فِرقًا وجوقات موسيقية.


واشتهر الغجر في مصر بالغناء في الأسواق وجلسات السمر، والملاحم والسيَر الشعبية والقصص الدرامية التي قد لا تكون أصولها غجرية، ولكنها ذات تيمات مصرية بلا شك، فقصة سعد اليتيم أحد تنويعات صراع حورس مع عمه الإله ست، وقصة حسن ونعيمة تشابه حب إيزيس للإله الذبيح أوزوريس، فكلها حكايات من التراث المصري وعمق الحياة الاجتماعية تبناها الغجري، وألقاها على الناس بأشكال فنية مختلفة، من ناحية اللحن والصوت والصيغة.

وعزف الغجري في مصر، على آلات عديدة، مثل الربابة، والكَوَلة التي لها مسميات عديدة أخرى كالسلامية والعفاصة والستاوية والصفارة، ويتقن أيضًا العزف على أنواع عديدة من المزمار الخشبي من خشب المشمش في الأغلب ذو البوق، وأحيانا مُطَّعم بالنحاس، ويسمى القصير الحاد منه بـ"السيبس" و"المتوسط" في الصعيد و"التركي" في الدلتا.

وفي مصر عملت العائلات الغجرية في إحياء الأفراح وحفلات المناسبات الخاصة والموالد. ونهل الغجري من تراث الغناء الشعبي ما يوافق سليقته، واحترف غناءه، وعزف على الربابة والمزمار.

تضييق السُلطة

في فترة الستينيات، ضيقت السلطات المصرية الخناق على العازفين وفناني الأراجوزات ولاعبي البيانولا الغجر، وقُبض عليهم بقرار من زكريا محيي الدين ومن خلفه عبد العظيم فهمي وزير الداخلية حينها، وصادروا حيواناتهم وأدواتهم، وامتلأت السجون بالغجر، في الوقت الذي كانت تروج فيه بعض الدول مثل إسبانيا وفرنسا ورومانيا لفنون الغجر ومهاراتهم الفريدة النادرة، وكان أيضًا يحاول الفنان الراحل زكريا الحجاوي استغلال فنونهم في ساحات الحسين والسيد البدوي.

ويعتبر الريس متقال القناوي والفنانة خضرة محمد خضر، والسيد الضو، من أشهر المطربين الغجر في مصر، لكنهم يجدون صيتهم ومكانتهم في أماكن معينة، فليس لهم انتشار واسع في المجتمع المصري، كبقية الفنانين، بحسب محمد العسيري، في مقال بمجلة الإذاعة والتلفزيون، مايو 2019.


الكاولية

أما في العراق فيشير الكاتب العراقي جمال حيدر إلى أن الغناء الغجري انحصر في دائرة الغناء فقط من خلال الأفراح التي يحييها الغجر، أو في الحفلات التي تقام في أماكن إقامتهم التي تكون في مداخل المدن الكبيرة، ويُسمى الغناء الغجري هناك بـ "الكاولية".

وظهرت بعض فرق الغناء الغجرية في العراق وحققت شهرة واسعة، كفرقة الفنانة حمدية صالح، وفرقة شكرية خليل شياع، وفرقة ريم محمد سوادي، وفرقة ساجدة عبيد، إلى أن ظهرت المطربات المنفردات مثل سورية حسين وصبحية ذياب وغزلان وغيرهن.

ويقول الباحث طه حمادي الحديثي، في كتابه "الغجر والقرج في العراق"، إن الرقص والغناء يلازمان الفنانات الغجريات منذ نعومة أظافرهن، في فترة الطفولة توجههن الأسرة، وذلك لبناء جسد مرن ولتكيفهن اجتماعيًا قبل دخولهن إلى عالم الرقص والغناء الملىء بالمشكلات، وتجري حفلات الغجر عادة داخل مستوطناتهم ومخيماتهم وفي الأحياء الشعبية الموجودة بالمدن الكبيرة، تلبية لدعوات الحفلات الأسرية لإحياء الأعراس، وبعض الفرق الغجرية الأخرى تمارس المهنة في الملاهي الليلية.


ويقول الباحث جمال حيدر إن الفن الغجري العراقي وصل الإذاعة أولًا، ثم إلى التلفزيون، حتى احتل الاهتمام الأول في البرامج الإذاعية والتلفزيونية التي يتابعها سكان الريف، وسمي بالغناء الريفي، وأطلق على النساء اللاتي يمارسنه بنات الريف.

ثم جاءت فترة السبعينيات وانطلقت هذه الفرق خارج حدود العراق، وأحييت الحفلات في البحرين والإمارات وقطر وسوريا، وفي التسعينيات دخل الغناء الغجري لخشبة المسرح العراقي، وشاركت بعض الفنانات الغجريات ضمن فقرات غنائية أو راقصة، في ثيمة العرض المسرحي.

بسكوت أون بسكوت

كان الظهور الأول للمطربة سورية حسين من راديو بغداد في بداية صيف 1936 باسم مستعار (بنت الريف) لتغني أغنية"بسكوت أون بسكوت" وذاع صيت الأغنية لدى الجمهور، وأعادت الإذاعة بثها مرارًا وتكرارًا طوال اليوم، وكان أول من قدمها الموسيقار الراحل جميل بشير وسجل لها مجموعة من الأغنيات منها "أنا وياك" و"عالشوملي" و"يا ماخذات".


وساعدت سورية حسين الغناء الغجري بالانتشار على مستوى الإذاعة والتلفزيون، وطُلبت لإحياء حفلات الزواج والمناسبات الخاصة في بغداد ورافقها الراقصات الغجريات، وشاركت مع المطربة فايزة أحمد في غناء الأغنية العراقية "ما يكفي دع العين"، إلى أن تركت الغناء بعد زواجها من أحد الأطباء.

وفي نهاية التسعينيات كان الملحن صباح زيارة يقدم برنامجًا تلفزيونيًا لتلفزيون العراق، وبحث عن سورية حسين في النهروان (مدينة جنوب شرق بغداد)، ووجدها تعيش في بيت فقير وكبُر سنها وتبيع السجائر في الطرقات، وروى أنه طلب منها الذهاب لوزراة الثقافة العراقية، لكن مسؤولة الاستعلامات طردتها في البداية ﻷن ملابسها رثة فظنتها متسولة، وبعد أن عرفت أنها الفنانة سورية حسين، بكت واعتذرت لها، واستقبلها موظفو الوزارة وأدرج اسمها بين قوائم الفنانين للحصول على راتب شهري، لكنها رحلت.

وظهر المطرب الغجري "بلال" واسمه الحقيقي "بن بلا الحنطير" في مقابلة مع قناة العربية، وحكى عن رحلته من صبي يعمل كماسح للأحذية في منطقة الكسليك شمال بيروت، لبنان.


كان للصدفة دور في انتقاله من الشارع لمسارح الغناء، بعدما الفت إليه الموسيقي والمنتج اللبناني ميشال الفتريادس، عندما مر بجواره في الوقت الذي كان يغني فيه "بلال" أغنية غجرية وهو منهمك في تلميح أحذية الزبائن، فأعجب به، وطلب منه المجىء لمكتبه، وأرسله لتعلم الموسيقى لدى أحد كبار الأساتذة على نفقته المنتج اللبناني.

وحقق "بلال" من طرح أسطوانات أغنياته مبيعات كبيرة، منها أسطوانة"الأمير الغجري" ولاقت إقبالًا كبيرًا، وعبّر "بلال" عن رغبته في دخول عالم التمثيل أيضًا.